الكورونا جائحة الرأسمالية


الكورونا جائحة الرأسمالية

مقال بقلم الرفيق خليل العبيدي


لاشك أن وباء الكورنا فضح الزيف العالمي، في قدرة الدول الكبرى، على مجابهة الأخطار التي تحدق بالعالم صحيا واقتصاديا، إن ثمة انهيار اقتصادي وصحي وشيك يهدد العالم لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية ـ فمالذي جرى؟ وهل يمكن للعالم أن يتدارك ما يحدث علي غرار الأزمات التي لحقت به كالأزمة المالية في سنة 2008؟

إن منطق التاريخ ببساطة حسب ابن خلدون : إن كل ما له بداية له نهاية أيضا.. ورأينا ذلك مرار وتكرار عبر شواهد التاريخ، وهكذا فإن مابعد الكورونا ليس مثل ماقبلها، فمؤشرات الانهيار الاقتصادي المرتقب بعد انقشاع سحابة الكورونا حاسمة، وأن النظام العالمي والرأسمالية في مأزق تاريخي، خاصة وأن احد أركان أي تغير عالمي هو قدرة الاقتصاد علي الصمود في ظل الأزمات...
ليس هذا سيناريو ضبابي في ظل أزمة شلت قدرات العالم في إبراز قدرته علي التضامن وتقديم المساعدة، لقد عانت إيطاليا من تعنت دول الجوار في مساعدتها في ظل الأزمة الصحية التي سببها فيروس كورونا، وجاءت المساعدة من الصين وكوبا وروسيا، في حين وقف الحلفاء في الاتحاد الأوربي عاجزين عن المساعدة ، نفس الشئ حدث لإسبانيا وفتك الفيروس بأعداد كبيرة منها  ومازال، ولم تعد المستشفيات قادرة علي استيعاب الأعداد المتزايدة للمصابين، ولم يتخذ الاتحاد الأوربي اي اجراء حيال ذلك، بل تقوقعت كل دولة على الذات داخل حدودها.
وإن إعتبرنا أن هذه الدول هي من أكبر الدول الرأسمالية في العالم والتي كان يخيل لنا أنها دول قوية قادرة على مجابهة الكوارث والأزمات التي تحل بها٫ فإن تونس تمثل الشق الآخر من الدول التي تحكمها سياسات تبّع وعملاء لهذه الدول والأنظمة فإن حجم الكارثة التي قد تحل بنا قد تفوق أضعاف ما حل بالدول السابق ذكرها.

لابد من الإشارة هنا إلى أن أزمة الرأسمالية ليست وليدة فيروس كورونا فحسب، إنما سبقتها بسنوات عديدة أزمات متكررة، وفي كل مرة كانت تنجح في التغلب علي الأزمة بحلول مؤقتة، لكنها لم تنجح إطلاقا في التخلص من الإرث الرأسمالي الجشع في إرساء مبدا اللامساواة بين البشر، وهو الذي كان دائما لغم متحرك يمكن أن ينفجر في أي وقت تحت وطأة أي أزمة اقتصادية.
إن شعوب العالم قد ضاقت ذرعا بالجشع، والاستغلال، وانعدام العدالة، وتكدس الثروات في أيادي قلة قليلة،وخاصة الشعوب العربية والإفريقية التي تعيش التبعية الدائمة للنظام الرأسمالي ونتاج طبيعي لقواعد عمله، كما أن انحياز أنظمة الحكم لأصحاب رؤوس الأموال على حساب القاعدة العريضة من الفيئات والطبقات الشعبية كان دائما مؤشرا خطيرا لإحداث قلاقل اجتماعية في أي وقت عند حلول الازمات والكوارث بالبشر .
في تونس مثلا نجد أن قلة قليلة من رجال الأعمال يحتكرون ثروة طائلة على حساب بقية الشعب المفقر والمهمش وهذا يؤكد حقيقة اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء في ظل نظام يساعد الأغنياء على مزيد من الثراء والفقراء على مزيد من الفقر.
وهنا وأمام هذه اللحظة التاريخية الفاصلة في مصير الأمم نتساءل ـ ماذا سيفعل الأغنياء الذين تتكدس الثروة في ايديهم بعد أزمة الكورونا؟ وماذا سيفعل الفقراء الذين سيجدون انفسهم عاطلين عن العمل بعد أن تغلق الشركات أبوابها في ظل تلك الأزمة القائمة؟
لا احد يستطيع الجزم بما يمكن أن يحدث في ظل أزمة ما زالت قائمة، لكن الدلائل تشير إلى أن العولمة في طريق الانتهاء، وسيكون هناك تراجع في الانفتاح الدولي، وسيتم تقيد حركة التجارة بين الدول، بل وحركة السفر نفسها بما يعني أن الاقتصاد الحر سيصبح في مهب الريح، كما أن التحديات التي سيواجهها النظام الرأسمالي جراء الأزمة الحالية لن يقتصر على إيجاد التمويل اللازم له لإنقاذ الشركات والمؤسسات المالية والمصرفية من الإفلاس والتعثر، إنما سيكون أمام تحدي كبير في تامين إيجاد فرص عمل والحفاظ علي استمرار الطبقة المتوسطة والفقيرة التي هي عماد المجتمع الرأسمالي من السقوط أمام الديون التي أغرقتها بها المؤسسات المالية الساعية إلى الأرباح....
لقد تنبأ كارل ماركس قبل 170 عاما بانهيار الرأسمالية، واليوم وبعد الانهيار اللاقتصاد العالمي المرتقب بعد كارثة الكورونا، فإن العديد من الخبراء باتوا يعتقدون أن النظام الرأسمالي الحالي لم يعد مهيئا على الأقل في المدى القريب على تجاوز ازمته الحالية في الاستمرار ، بل إنه قد لا يتمكن من ذلك مطلقا مثل المرات السابقة عندما أدخل إصلاحات مابعد الانهيارات، بسبب أن العولمة وتشابك اقتصاديات العالم سهلت بشكل كبير عولمة الأزمات وانتشارها بين بلدانه، فاصبح من الصعب إنقاذه من السقوط كما كان من قبل.أن الحل الحقيقي للأزمة لا يمكن أن يتم إلا بالخروج على قواعد ومبادئ النظام الرأسمالي، وإستبدالها بقواعد جديدة قادرة على مواجهة التحديات، فالعالم وقتها سيكون مطالب بإرساء أسس نظام جديد أكثر عدالة وكفاءة وأخلاق..العالم في حاجة ماسة للاشتراكية.

Aucun commentaire:

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2020 Vis a Vis
تصميم : هاشم سحبي