رأس المال: وسيلة الدفع

رأس المال:  وسيلة الدفع

نجد، في الشكل البسيط لتداول السلع، الذي تفحصناه حتى الآن، أن قيمة معينة تظهر لنا، دائماً، في هيئة مزدوجة، كسلعة في هذا القطب، ونقد في القطب المعاكس.
لذلك فقد دخل مالكا السلع في علاقة مع بعضهما بعضا، باعتبارهما ممثلين شخصيين لأشياء متعادلة موجودة بالأصل. وبتطور التداول تنبثق ظروف تشطر بین انفصال المالك عن السلع وتحصيل أسعارها بفاصل زمني، وحسبنا هنا إيراد أبسط الأمثلة على هذه الظروف. فصنف معين من السلع يقتضي إنتاجه زمنا أطول وآخر زمناً أقصر، ثم إن إنتاج أصناف شتى من السلع يعتمد على اختلاف فصول السنة. وهذه السلعة قد تولد في مكان سوقها بالذات، وأخرى قد تضطر للسفر إلى سوق نائية. وتبعا لذلك كله يمكن لمالك السلعة رقم واحد، أن يكون مستعداً للظهور كبائع، قبل أن يستعد رقم اثنين للظهور کشارٍ. وعندما تتكرّر الصفقات نفسها، باستمرار، بين الأشخاص أنفسهم، فإن شروط البيع تُنظَّم وفقا لشروط الإنتاج، ومن جهة أخرى، فإن استعمال سلعة معينة، كاستعمال منزل مثلا، يباع لمدة معينة. وهنا لا يتلقى الشاري كامل القيمة الاستعمالية للسلعة، عملياً، إلا بعد انتهاء المدة. إنه يشتري السلعة قبل أن يدفع لقاءها. فمالك السلعة يبيع سلعة حاضرة، والشاري يشتري بوصفه محض ممثل للنقد، أو بالأحرى ممثل لنقد غائب يأتي في المستقبل. ويصبح البائع دائناً، والشاري مديناً. وبما أن استحالة السلع، أو تطور شكل قيمتها بتغير تماما، فإن النقد يتخذ وظيفة جديدة، هو الآخر. إنه يصبح وسيلة للدفع(1).

إن طابع الدائن، أو طابع المدین، ينجمان، هنا، عن سير التداول البسيط للسلع. فالتغير الذي يطرأ على شكل التداول يدمغ البائع والشاري بهذا الختم الجديد. وفي البدء يكون هذان الدوران، دور الدائن ودور المدين، عابرین ومتعاتبين شأن دوري البائع والشاري، ويؤديهما نفس الممثلين للتداول بالتتالي. غير أن التضاد بينهما لم يعد الآن مريحاً، وهو أكثر عرضة للتصلب (2). ويمكن لهذين الطابعين أن يظهرا بصورة مستقلة عن تداول السلع. فالصراعات الطبقية في العالم القديم كانت تتخذ، بصورة رئيسة، شکل

نزاع بين المدينين والدائنين، نزاع انتهى في روما بخراب المدينين من العوام. وقد استبدل هؤلاء بالعبيد. وفي القرون الوسطى انتهى النزاع بدمار المدين الإقطاعي الذي خسر السلطة السياسية بفقدانه القاعدة الاقتصادية التي تنهض عليها. مع ذلك، فإن الشكل النقدي هنا (وإن العلاقة بين المدين والدائن تتخذ شكل علاقة نقدية) لم يكن يعكس سوى التناحر العميق بين الشروط الاقتصادية للوجود. لنعد إلى مجال تداول السلع. إن الشيئين المتعادلين، وهما السلعة والنقد، ما عادا يظهران عند قطبي عملية البيع، في وقت واحد. فالنقد يعمل الآن أولا كمقياس للقيمة لتحديد سعر السلعة المبيعة، والسعر المثبت في العقد يُعيّن التزام الشاري، أو يُعيّن مقدار النقد الذي يتوجب أن يدفعه بتاريخ محدد. ثانياً يقوم النقد بوظيفة وسيلة شراء مثالية. ورغم أنه ليس موجوداً إلا في وعد الشاري بالدفع، فإنه يجعل السلعة تنتقل من يد إلى أخرى. ولن تلج وسيلة الدفع نطاق التداول فعلياً، أي لن يغادر النقد يد الشاري إلى يد البائع، قبل حلول اليوم المحدد للدفع. لقد تحولت وسيلة التداول إلى كنز، لأن العملية انقطعت بعد الطور الأول، ولأن النقد، أي الشكل المتحوّل للسلعة، قد سُحب من التداول. أما وسيلة الدفع فلا تدخل التداول إلا بعد أن تكون السلعة قد غادرته. ولا يعود النقد وسيلة لبدء العملية بل لإنهائها بوصفه الشكل المطلق لوجود القيمة التبادلية، أو باعتباره السلعة الشاملة. لقد حوّل البائع سلعته إلى نقد لكي يشبع به حاجة من حاجاته، وفعل المكتنز الشيء ذاته ليحفظ سلعته في الشكل النقدي، والمدين ليتمكن من الدفع، فإن لم يسدد المدین بیعت أملاكه قسراً. إن شکل قيمة السلعة، أي النقد، قد أصبح الآن غاية وهدف البيع بفعل ضرورة اجتماعية تنبثق من علاقات عملية التداول ذاتها.
إن الشاري يحول النقد إلى سلع قبل أن يكون قد حول السلع إلى نقد: بتعبير آخر، إنه يحقق الاستحالة الثانية للسلع قبل الاستحالة الأولى. ويجري تداول سلعة البائع، وتحقيق سعرها، ولكن في مظهر حق قانوني خاص باستحصال النقد. وتتحول السلعة إلى قيمة استعمالية قبل أن تكون قد تحولت إلى نقد. ولا يأتي إنجاز استحالتها الأولى إلا في فترة لاحقة(3).
إن التزامات الدفع التي يحل موعد استحقاقها في أي فترة معينة من عملية التداول، تمثل مجموع أسعار السلع التي أدّى بيعها إلى ظهور هذه الالتزامات. وكتلة النقد الضرورية لتحقيق مجموع الأسعار هذه تتوقف، أولاً، على سرعة جريان وسيلة الدفع.
وثمة ظرفان ينظّمان هذه الكتلة: الظرف الأول هو ترابط العلاقات بين المدينين والدائنين بحيث حين يتلقى (آ) النقد من مدینه (ب)، بنقله على الفور إلى دائنه (ج)، وهلمجرا.
والظرف الثاني هو أمد الفواصل الزمنية التي تقع بين مختلف مواعيد استحقاقات الدفع. فسلسلة المدفوعات المتتالية، أو سلسلة الاستحالات الأولى المؤجلة، الداخلة في العملية، تختلف جوهرياً عن تداخل سلسلة استحالات السلع الذي قمنا بتحليله آنفاً.
فجريان وسيلة التداول لا يعبر فقط عن العلاقة بين الشارين والبائعين. فهذه العلاقة نفسها تنشأ في جريان النقد وتوجد معه وحده. أما حركة وسيلة الدفع فإنها تعبر، بعكس ذلك، عن علاقة اجتماعية كانت قائمة قبل ذلك بكثير.
إن تزامن وتجاور عمليات البيع، يفضي إلى تقليص إمكان التعويض عن كتلة العملة بسرعة الجريان. بيد أن ذلك يشغل من جهة أخرى معاكسة، رافعة جديدة للاقتصاد في وسائل الدفع، فبمقدار ما تتركز المدفوعات في موضع واحد تتطور عفوية مؤسسات وطرائق خاصة لتسويتها. وعلى هذا النحو كانت الغرف التجارية ( Virements)(*) بمدينة ليون في القرون الوسطى، فديون (آ) على (ب) و دیون (ب) على (ج) وديون (ج) على (آ)، وهلمجرا، لا تحتاج إلى أكثر من أن تتواجه كي تلغي بعضها بعضا إلى حد معين باعتبارها مقادیر موجبة وسالبة. وبذلك لا يتبقى سوى رصيد حسابي واحد للديون يتعين دفعه .. وكلما ارتفع مقدار المدفوعات المتركزة، انخفض رصيدها الحسابي نسبياً، وصغرت كتلة وسيلة الدفع قيد التداول.
إن وظيفة النقد كوسيلة دفع تنطوي على تناقض بلا توسُّط, فبمقدار ما توازن المدفوعات بعضها بعضا، فإن النقد لا يؤدي وظيفته إلا بصورة مثالية كنقد حسابي أو كمقياس للقيمة. أما حين ينبغي التسديد فعلا، فإن النقد لا يخدم كوسيلة للتداول، أي لا يخدم كشكل انتقالي يقوم مقام الوسيط في التنافذ المادي للمنتوجات (الأيض)، بل يقوم مقام التجسيد الفردي للعمل الاجتماعي، بصفته شكل الوجود المستقل للقيمة التبادلية، بصفته السلعة المطلقة. وينفجر هذا التناقض في لحظة الأزمات الصناعية والتجارية التي تُسمّى بـ الأزمة النقدية (4). ولا تقع هذه الأزمة النقدية إلا بعد اكتمال تطور سلسلة المدفوعات السارية والنظام الاصطناعي لتسويتها. وبوقوع اضطراب عام وشامل في آلية هذا النظام، مهما كان منبعها، يتحول النقد بصورة فجائية، وعلى الفور من شكله المثالي المحض كنقد حسابي إلى عملة صعبة. ولا يعود بوسع السلع الدنيوية أن تعوّض عنه. وتصبح القيمة الاستعمالية للسلع عديمة القيمة، وتتلاشى قيمتها أمام شکل قيمتها الخاص، وقبل اندلاع الأزمة، كان البورجوازي يقول، بكل غرور الازدهار، وخيلاء المعرفة، إن النقد وهم فارغ. وإن السلع هي وحدها النقد. أما الآن فيصرخ في أرجاء السوق: النقد وحده هو السلعة! ومثلما يلهث الوعل سعيا إلى الماء الرقراق، تلهث روح البورجوازي طلبا للنقد، تلك الثروة الوحيدة(5). وخلال الأزمة يحتدم التضاد بين السلعة وبين شكل قيمتها، أي النقد، حتى يستحيل إلى تناقض مطلق. وعليه، ففي مثل هذه الأحوال، لا يعود لشكل تجلي النقد من أهمية. فالمجاعة النقدية تستمر سواء وجب تسديد المدفوعات بالذهب أو بنقد ائتماني کالأوراق النقدية المصرفية (6).
ولو تفحّصنا الآن المجموع الكلي للنقد الجاري في فترة معينة، على فرض ثبات سرعة جریان وسائل التداول ووسائل الدفع، لوجدنا انه يساوي مجموع أسعار السلع الواجب تحقيقها، زائداً مجموع المدفوعات المستحقة، مطروحاً منها المدفوعات التي توازن بعضها بعضا، وكذلك مطروحاً منها عدد الدورات التي تقوم بها نفس القطعة من النقد التي تقوم بالتتابع، مقام وسيلة تداول ووسيلة دفع. فعلى سبيل المثال، يبيع الفلاح قمحه بجنيهين، يخدمان في هذه الحالة كوسيلة تداول. وفي يوم الاستحقاق يدفع

لقاء القماش الذي كان قد اشتراه من النسّاج بالدين. فالجنيهان أنفسهما يقومان هنا بوظيفة وسيلة دفع. والآن يقوم النسّاج بشراء إنجيل ويدفع نقدا. وهنا يقوم الجنيهان من جدید بوظيفة وسيلة تداول، وهكذا دواليك، وعليه بافتراض أن الأسعار وسرعة الجريان ومدى الاقتصاد في وسائل الدفع معينة، فإن كتلة النقد الجاري لا تعود متطابقة مع كتلة السلع المتداولة خلال فترة معينة، كيوم واحد مثلا. فالنقد الذي يمثل سلعاً قد سُحبت من التداول قبل أمد بعيد، يواصل الجريان. وثمة سلع في التداول، لن يظهر معادلها من النقد على المسرح إلا في المستقبل. وبالإضافة إلى ذلك فإن الديون المعقودة كل يوم، والمدفوعات المستحقة في اليوم نفسه، هي كميات غير قابلة للقياس المشترك (7).
وينبع النقد الائتماني مباشرة من وظيفة النقد كوسيلة دفع؛ فشهادات الديون، المعقودة لقاء السلع المشتراة، يجري تداولها بهدف تحويل هذه الديون إلى آخرين، ومن جهة أخرى، كلما اتسع نظام الائتمان، اتسعت بالمثل وظيفة النقد كوسيلة دفع. وفي طابعه هذا يأخذ النقد اشكال وجود خاصة يرتديها في دائرة الصفقات التجارية الكبرى؛ أما العملات الذهبية والفضية، من جهة أخرى، فتنزل في أغلب الأحيان إلى مرتبة تجارة المفرّق (8).
وعند بلوغ الإنتاج السلعي مستوى كافياً من النمو والفخامة، تتسع وظيفة النقد كوسيلة دفع، فتتجاوز نطاق التداول السلعي، ويصبح النقد السلعة الشاملة لكل العقود (9). إن الريع والأتاوات، وما أشبه من مدفوعات، تتحول من التقديمات عينا إلى الدفع نقدا. وثمة واقعة تبيّن، إذا أخذنا مثالا واحداً، إلى أي حد يتوقف هذا التحول على الشروط العامة لعملية الإنتاج، وهي أن الإمبراطورية الرومانية أخفقت مرتين

في مسعاها لجباية كل الضرائب نقداً. والبؤس المريع الذي أصاب السكان الزراعيين في فرنسا، في عهد لويس الرابع عشر، وهو بؤس شجبه بواغيلبير والمارشال فوبان ببلاغة، لم يكن ناجماً عن ثقل الضرائب فحسب، بل كذلك عن تحويل الضرائب العينية إلى ضرائب نقدية (10). ومن جهة أخرى فإن الريع العقاري بشكله العيني، يؤلف في آسيا العنصر الأساسي في الضرائب المدفوعة للدولة، وهو واقع يعود إلى شروط الإنتاج الساكنة التي يعاد إنتاجها بثبات وانتظام شأن الظواهر الطبيعية، ويعمل هذا الشكل من الدفع، بدوره، على صيانة شكل الإنتاج القديم. وهذا أحد أسرار بقاء السلطنة العثمانية.

وإذا ما أتت التجارة الخارجية التي أقحمها الأوروبيون على اليابان إلى إحلال الريع النقدي(*1) محل الريع العيني، فإنها ستقضي فضاء مبرماً على الزراعة النموذجية لذلك البلد. فالشروط الاقتصادية الضيقة لوجود الزراعة، ستتهدم تماما.
وفي كل بلد من البلدان تثبت أيام معينة عامة كآجال لتسوية المدفوعات. ويتوقف تحديد هذه المواعيد، في جانب، على ظروف طبيعية وثيقة الارتباط بمواسم الإنتاج، هذا إذا وضعنا جانبا التحولات التي تطرأ على دورات تجديد الإنتاج. فهذه الآجال تُنظم أيضا المدفوعات التي ليست لها صلة مباشرة بتداول السلع، كالضرائب والريع وما شاكل ذلك، وإن كتلة النقد اللازمة لتسديد المدفوعات المستحقة المبعثرة والمنشورة على سطح المجتمع كله، تسبب اضطرابات دورية، وإن تكن سطحية فقط، في اقتصاد وسيلة الدفع (11). وانطلاقاً من قانون سرعة جريان وسيلة الدفع، نستنتج أن كتلة وسيلة الدفع اللازمة لتسوية كل المدفوعات الدورية، مهما كان مصدرها، تتناسب بصورة طردية(*2) مع طول فترات الدفع (11).

إن تطور النقد کوسيلة دفع يجعل من الضروري مراكمة النقد حتى تاريخ استحقاق دفع المبالغ المطلوبة. وعلى حين أن الاكتناز، ذلك الشكل المستقل من حيازة الثروات، يتلاشى بتقدم المجتمع البورجوازي، فإن تكوين ذخيرة احتياطية من وسيلة الدفع ينمو بموازاة هذا التقدم.

Aucun commentaire:

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2020 Vis a Vis
تصميم : هاشم سحبي