رأس المال: الفصل الثاني – عملية التبادل
بديهي أن السلع لا تستطيع أن تذهب بمفردها إلى السوق، ولا أن تقوم بالتبادل من تلقاء نفسها. ويتوجب علينا، لذلك، أن نلتفت إلى حرّاسها، الذين هم أيضاً مالكوها.
إن السلع أشياء، وبالتالي فإنها تفتقد القدرة على مقاومة الإنسان. فإن أبدت تمنعاً يستطيع أن يلجأ إلى القوة، أو بتعبير آخر يستطيع أن يستحوذ عليها(1). ولكي تدخل هذه الأشياء في علاقة بعضها مع بعض كسلع، يتعين على حرّاسها أن يقيموا، في ما بينهم، علاقات متبادلة بوصفهم أفراداً تُقيم إراداتهم في هذه الأشياء نفسها، وأن يتصرفوا على نسق معيّن بحيث لا يستولي الواحد، إلا بإرادة الآخر، وبالتالي لا يستطيع أي منهما أن يستولي على سلعة الآخر وينفصل (Veraussert) عن سلعته الخاصة إلا عبر اتفاق بإرادة الطرفين معاً. وعلى ذلك ينبغي لهم تبادل الاعتراف بحقوق كل واحد منهم باعتباره مالكاً خاصاً، إن هذه العلاقة الحقوقية، التي تُصاغ في عقد، سواء كان العقد جزءاً من نظام تشريعي متطور أم لا، هي علاقة بين إرادتين تعكسان العلاقات الاقتصادية بين الاثنين، وإن هذه العلاقة الاقتصادية هي التي تقرر المضمون الذي تنطوي عليه علاقة الحقوق او علاقات الإرادة هذه(2). ولا يواجه الأفراد هنا، بعضهم بعضاً إلا كممثلين للسلع، وبالتالي كمالكين للسلع. وسنجد في مجرى تطور البحث، بوجه عام، أن أقنعة الشخصيات التي تقف على المسرح الاقتصادي لا تمثل غير تجسيدات بشرية، أي حاملات، للعلاقة الاقتصادية القائمة في ما بينها.
ولعل أبرز ما يميز السلعة عن مالكها، أنها ترى في أجساد السلع الأخرى شكلاً لظاهرة قيمتها الخاصة هي. إنها، وهي الكلبية(*1) بالمولد ونصيرة للمساواة، على أهبة الاستعداد دوماً، لمبادلة روحها، بل جسدها، مقابل أي سلعة أخرى، حتى لو كانت مثيرة للنفور مثل ماريتورن(*2) ذاتها. ويعوض المالك عن افتقار سلعته إلى الحس الملموس بأجساد السلع الأخرى، بحواسه الخاصة الخمس أو أكثر. ولا تؤلف سلعته في نظره، قيمة استعمالية له مباشرة، ولو كان الأمر كذلك لما اقتادها إلى السوق. إنها تمتلك قيمة استعمالية صالحة للآخرين، أما بالنسبة إليه فإن قيمتها الاستعمالية المباشرة تكمن في أنها حامل للقيمة التبادلية، وبالنتيجة وسيلة للتبادل(3). لذلك يقرر الانفصال عنها من أجل سلع أخرى ذات قيمة استعمالية تلبي حاجته. إن كل السلع هي قيم غير استعمالية لمالكيها، وقيم استعمالية لغير مالكيها. لهذا يجب أن تنتقل من يد إلى أخرى.
بيد أن هذا الانتقال من يد إلى يد هو ما يؤلف تبادلها، والتبادل يزجها في علاقة بعضها مع بعض كقيم، ويحققها كقيم. من هنا ينبغي أن تتحقق السلع كقيم، حتى يمكن أن تتحقق كقيم استعمالية.
من ناحية أخرى يتعين على السلع أن تُظهر للبيان قيمها الاستعمالية كي تستطيع أن تتحقق كقيم، ذلك لأن العمل البشري الذي بذل في إنتاجها، لا يُعد صالحاً إلا بقدر ما يُبذل في شكل نافع للآخرين، وفعل التبادل هو الذي يمكن أن يثبت ما إذا كان العمل نافعاً للآخرين وما إذا كان منتوجه قادراً على إشباع حاجات الغير.
إن كل مالك سلعة لا يرغب في الانفصال عن سلعته إلا بمبادلتها لقاء سلع أخرى تلبي قيمها الاستعمالية حاجة من حاجاته. ومن وجهة النظر هذه يُعد التبادل، بالنسبة إليه، عملية فردية لا أكثر. من ناحية أخرى، يتوق إلى تحقيق قيمة سلعته، أي تحويلها إلى أي سلعة أخرى تروق له وتمتلك قيمة مساوية، بصرف النظر عما إذا كانت سلعته هو تؤلف أو لا تؤلف قيمة استعمالية لدى مالك السلعة الأخرى. من وجهة النظر هذه بُعد التبادل، بالنسبة إليه، عملية اجتماعية ذات طابع عام. ولكن العملية الواحدة ذاتها لا يمكن أن تكون فردية بحت واجتماعية عامة بحت في آن واحد عند كل مالكي السلع.
دعونا نتفحص الموضوع عن كثب: إن كل سلعة غريبة هي بالنسبة إلى مالك السلعة، مُعادِل خاص لسلعته، وبالتالي فإن سلعته هو تمثل المُعادِل العام لجميع السلع الأخرى. ولكن بما أن هذا يصح على كل مالك للسلع، فليس ثمة، في الواقع، أي سلعة ستكون مُعادِلاً عاماً، ولن تمتلك السلع أي شكل عام من القيمة النسبية يمكن بموجبه أن تتساوى كقيم، وأن تُقارن كمقادير قيم. وبتعبير آخر فإنها لا تتواجه في مثل هذه الحالة كسلع، بل كمُنتجات أو كقيم استعمالية.
وفي هذه المحنة تراود أصحابنا المالكين فكرة فاوست: “في البدء كان الفعل”. إذن فقد تصرفوا وأبرموا الصفقات قبل أن يفكروا. فقوانين طبيعة السلع تفرض نفسها في الغرائز الطبيعية لمالكي السلع. وليس بمقدورهم أن يقيموا علاقة بين سلعهم كقيم، وبالتالي كسلع، إلا عند مقارنتها جميعاً بسلعة واحدة أخرى مغايرة تطرح نفسها بوصفها مُعادِلاً عاماً. وهذا ما بيّنه تحليلنا للسلعة، ولكن لا يمكن أن تصبح سلعة معيّنة مُعادِلاً عاماً إلا بفعل اجتماعي، والفعل الاجتماعي لسائر السلع الأخرى يُفرد سلعة معينة لتمثل قيم الجميع، وبذلك يصبح الشكل الطبيعي لهذه السلعة الخاصة شكل المُعادِل العام المعترف به اجتماعياً، أما دور المُعادل العام فيصبحا بهذه العملية الاجتماعية، وظيفة اجتماعية خاصة بتلك السلعة التي أفردتها الأخريات، وبذلك تصبح نقداً.
“إن لهم غاية واحدة، وقد اعطوا للبهيمة ما عندهم من قوة وسطوة. ولن يكون بوسع أحد البيع أو الشراء إلا إذا كانت له سمة البهيمة أو اسمها، أو رمز اسمها” (سفر الرؤيا)(*3).
وبلورة النقد ناتج ضروري لعملية التبادل، حيث تتم فعلياً، مساواة منتوجات العمل على اختلافها، لتتحول هكذا، فعلياً، إلى سلع. ويأتي التطور والاتساع التاريخي للمبادلات ليشدّد التضاد، الكامن في طبيعة السلع، بين القيمة الاستعمالية والقيمة. إن الضرورة التي تقتضي إعطاء هذا التضاد تعبيراً خارجياً، تلبية لأغراض التعامل التجاري (Verkehr)، تنزع إلى اعتماد شكل مستقل للقيمة، ولا يهدأ لها بال ولا تقنع حتى يتم شطر السلع، مرة واحدة وإلى الأبد، إلى سلع ونقد. وعليه، فأثناء اكتمال تحول المنتوجات إلى سلع، يجري أيضاً، تحول سلعة معينة إلى نقد(4).
إن المقايضة(*4) المباشرة للمنتوجات تكتسب الشكل البسيط من التعبير عن القيمة في جانب معين، ولا تكتسبه في جانب آخر. ويتمثل هذا الشكل في: س من السلعة آ = ص من السلعة ب. أما شكل المقايضة المباشرة فيتمثل في: س قيمة استعمالية (آ) = ص قيمة استعمالية (ب)(5). إن الشيئين (آ) و (ب)، في هذه الحالة، قبل المبادلة ، ليسا بعد سلعة، ولا يصبحان كذلك إلا بفعل المبادلة. فالخطوة الأولى التي يتعين أن يخطوها الشيء النافع كي يصبح قيمة تبادلية، تبدأ حين يوجد هذا الشيء بوصفه قيمة لا استعمالية بالنسبة لمالكه، ولا يقع هذا إلا حين يتوافر بكمية فائضة عن الحاجة الآنية لهذا المالك.
إن الأشياء، في ذاتها ولذاتها، خارجية بالنسبة للإنسان، وبالتالي قابلة للانفصال. ولكي يكون الانفصال (Verausserung) مُتبادلاً، لا يحتاج الأمر أكثر من أن يعامل الأشخاص بعضهم بعضاً، باتفاق ضمني، كمالكين خاصين لهذه الأشياء القابلة للانفصال، وبالتالي أفراد مستقلين. بيد أن حالة الغربة (Fremdheit) المتبادلة لا وجود لها بالنسبة لعضو الجماعة المشاعية (Gemeinwesens) البدائية، سواء اتخذ هذا المجتمع شكل اسرة بطريركية او مشاعة (Gemeinde هندية قديمة، او دولة الأنكا(*4) وغير ذلك. والرائع أن تبادل السلع يبدأ، أول ما يبدأ، على حدود هذه الجماعات في نقاط تماسها مع جماعات المشاعية الغريبة المماثلة أو مع أعضاء هذه الأخيرة. وما إن تصبح الأشياء سلعة في إطار العلاقات الخارجية لجماعة مشاعية ما، حتى تصبح بالارتداد العكسي، سلعة أيضا في نطاق التعامل داخل الجماعة المشاعية نفسها. غير أن النسبة الكمية لتبادل هذه الأشياء تكون عرضية بحت أول الأمر. والشيء الذي يجعل المنتوجات قابلة للتبادل هو الرغبة المشتركة، عند مالكي المنتوجات، في الانفصال عنها. وفي غضون ذلك تتوطد الحاجة إلى أشياء نافعة تأتي من الخارج، على نحو تدريجي، وبالتكرار المستمر يتحول التبادل إلى نشاط اجتماعي منتظم. وبمرور الزمن ينبغي إنتاج قسم معين، في الأقل، من منتوجات العمل على نحو مقصود، لأجل التبادل. وابتداء من هذه اللحظة يترسخ، ويتثبت، التمييز بين منفعة الأشياء لأغراض الاستهلاك المباشر ومنفعتها لأغراض التبادل. أي تفترق قيمتها الاستعمالية عن قيمتها التبادلية. من جهة أخرى تأخذ النسبة الكمية التي يتم بها تبادل الأشياء بالانتظام على أساس إنتاجها نفسه والعُرف يُثبتها كقيم ذات مقادير معينة.
وفي نطاق المقايضة المباشرة للمنتوجات، تكون كل سلعة وسيلة تبادل مباشرة بالنسبة لمالكها، ومعادلا بالنسبة لمن لا يملكها، لكن بشرط أن تكون عند هذا الأخير ذات قيمة استعمالية. وعند هذه المرحلة، لا تكتسب المادة التي تبادل، بعد، شكلا من القيمة مستقلا عن قيمتها الاستعمالية الخاصة، أو مستقلا عن الحاجة الفردية للمبادلين. وتتنامى ضرورة هذا الشكل المستقل من القيمة بتزايد عدد وأنواع السلع الداخلة في عملية التبادل. فتنبثق المسألة مع وسيلة حلها في آن واحد. إن التداول الذي يقوم فيه مالكو السلع، بمعادلة وتبادل موادهم الخاصة مع مواد الآخرين لن يتحقق من دون أن تكون مختلف أنواع السلع العائدة لمختلف المالكين، في سياق هذا التداول، قابلة للتبادل والتعادل كقيم مع سلعة ثالثة معينة، وما إن تتحول هذه السلعة الثالثة إلى معادل بالنسبة لمختلف السلع الأخرى، حتى تكتسب، مباشرة، وإن يكن في حدود ضيقة، طابع معادل اجتماعي عام. بيد أن هذا الطابع يظهر ويزول مع الاتصال الاجتماعي الذي استدعاه إلى الحياة. فهو يعلق، على نحو عابر ومتناوب، تارة بهذه السلعة وطوراً بتلك، وببلوغ تبادل السلع درجة معينة من التطور، يلتصق هذا الطابع ويثبت، حصراً، بأصناف معينة من السلع، ويتبلور باتخاذه شکل- النقد والتصاق هذا الشكل بصنف معين من السلع أمر تقرره الصدفة في البدء، مع ذلك ثمة ظرفان حاسمان يلعبان دوراً حاسماً. فإما أن يلتصق الشكل النقدي بأهم الأشياء المُتبادلة المستوردة من الخارج، وتؤلف هذه الأشياء، في الواقع، الأشكال البدائية العفوية لتجلّي القيمة التبادلية للمنتوجات المحلية، أو أن الشكل النقدي يلتصق بذلك الشيء النافع، مثل الماشية، الذي يؤلف العنصر الأساسي من الثروة المحلية التي يمكن الانفصال عنها. وكان الأقوام الرحّل هم أول من طور الشكل النقدي، لأن كل ما تمتلك يدهم في الدنيا أشياء منقولة يمكن الانفصال عنها مباشرة، ولأن نمط حياة هؤلاء يجعلهم، على اتصال لا ينقطع بالجماعات المشاعية الغريبة، ويدفعهم، لذلك، على تبادل المنتوجات. وغالبا ما جعل الناس من الإنسان ذاته، بهيئة عبد، مادة بدائية للنقد، لكنهم لم يستخدموا الأرض والحقول لهذه الغاية قط. فمثل هذه الفكرة لا تنبثق إلا في مجتمع بورجوازي بلغ شأواً عالياً من التطور.
ويرجع تاريخ الفكرة إلى الثلث الأخير من القرن السابع عشر، وقد جرت أول محاولة لتطبيقها على نطاق أمة بأسرها، بعد قرن من ذلك، خلال الثورة البورجوازية الفرنسية على الغرار ذاته، كلما اندفع التبادل في تحطيم القيود المحلية، وأخذت قيمة السلع تجسد، أكثر فأكثر مادة العمل البشري العام، راح الشكل النقدي يلتصق بسلع تجعلها طبيعتها صالحة لأداء الوظيفة الاجتماعية، وظيفة التعادل العام، هذه السلع هي المعادن الثمينة.
إن مصداق الفرضية القائلة إنه “على الرغم من أن الذهب والفضة ليسا بطبيعتهما نقدا، فإن النقد بطبيعته ذهب وفضة”(6) تظهر من توافق الخواص الطبيعية لهذين المعدنين مع وظائف النقد(7). إلى هذا الحد، لم نتعرف بعد، إلا على وظيفة واحدة من وظائف النقد، ألا وهي وظيفته كشکل لتجلّي قيمة السلعة، أو كمادة يعبر فيها عن مقدار قيمة السلع، بيد أنه ليس ثمة مادة واحدة يمكن أن تكون شكلا صالحا لتجلي القيمة وتجسيداً ملائماً للعمل البشري المجرد والمتجانس وبالتالي المتماثل، إلا مادة تمتلك، أي عيّنة منها، نفس الخواص الموحّدة. من جهة أخرى، لما كان الفرق بين مقادير القيمة فرقاً كمياً محضاً، يتعين على السلعة النقدية أن تكون عرضة لتباين كمي بحت، فتكون قابلة للتقسيم حسب الرغبة، وتكون أجزاؤها قابلة، بالمثل، لإعادة التوحيد.
ويعرف الجميع أن الذهب والفضة يمتلكان، بطبيعتهما، كل هذه الخصائص.
إن القيمة الاستعمالية للسلعة النقدية مزدوجة. فإلى جانب قيمتها الاستعمالية الخاصة كسلعة (يُستعمل الذهب مثلا حشوة للأسنان ومادة أولية لمواد الترف… إلخ) تكتسب قيمة استعمالية عُرفية (formalen) تنبع من وظيفتها الاجتماعية الخاصة.
ونظرا لأن جميع السلع ليست سوى محض معادلات خاصة للنقد، ولأن هذا الأخير هو معادلها العام، فإنها تقف إزاء النقد كسلع خاصة، ويقف هو إزاءها كسلعة عامة(8).
لقد رأينا أن الشكل النقدي ليس سوى انعكاس للعلاقات بين جميع السلع، مثبتة في سلعة واحدة. أما كون النقد نفسه سلعة(9) فليس ذلك باکتشاف جديد إلا عند أولئك الذين ينطلقون، من صورته المتطورة المكتملة لكي يقوموا بتحليله بعد ذاك. إن عملية التبادل لا تعطي السلعة التي تحولت إلى نقد، قيمتها، بل تعطيها شكل قيمتها الخاص.
وقد أدّي الخلط بين هذين التحديدين المتميزين إلى الاعتقاد أن للذهب والفضة قيمة وهمية(10). والواقع أن إمكانية استبدال النقد، في بعض وظائفه، بمجرد رموز عنه، سمحت بانبثاق تصوّر خاطئ يرى أن النقد هو، بذاته، ليس إلا مجرد رمز. مع ذلك، فخلف هذا الخطأ، حدس بأن الشكل النقدي للشيء هو خارجي بالنسبة إلى ذلك الشيء نفسه، وأنه مجرد شكل لتجلي ظاهرة علاقات بشرية مختبئة وراءه، وبهذا المعنى فكل سلعة هي رمز لأنها تؤلف، ما دامت قيمة، غلافاً شيئياً للعمل البشري المُنفق في إنتاجها(11).
ولكن إذا ما قيل إن الطابع الاجتماعي الذي تتلبسه الأشياء، أو الطابع الشيئي الذي تتلبسه التحديدات الاجتماعية للعمل، ليست أكثر من رموز في ظل نظام من نمط إنتاجي معين، فإن بالوسع القول، على الغرار ذاته، إن هذه الخصائص ما هي إلا النتاج الاعتباطي للتأمل البشري. لقد كان هذا هو نمط التفسير المفضل لدى التنويريين في القرن الثامن عشر، الذين سعوا، مؤقتا في الأقل، لإزالة المظهر الغريب عن الأشكال الملغزة التي تلبستها العلاقات بين البشر والتي عجزوا عن فك لغز عملية نشوئها(12).
لقد سبق أن بيّنا أن الشكل المعادل للسلعة لا يتضمن تحديداً كمياً لمقدار قيمتها، إذن رغم معرفتنا أن الذهب هو نقد، وأنه بالتالي قابل للتبادل، على نحو مباشر، بجميع السلع الأخرى، فإن هذه الحقيقة لا تخبرنا، باي حال، مقدار ما تعادله 10 باونات ذهب من القيمة مثلا. فالنقد، شأن أي سلعة أخرى، لا يستطيع التعبير عن مقدار قيمته الذاتية إلا بصورة نسبية في سلع أخرى. وتتحدد هذه القيمة الذاتية بوقت العمل اللازم لإنتاجه، ويتم التعبير عنها بكمية من سلعة أخرى تكلف المقدار نفسه من وقت العمل(13). ويتم هذا التحديد الكمي لمقدار القيمة النسبي في مصدر إنتاج المعدن الثمين عن طريق المقايضة المباشرة. وحين يدخل هذا المعدن التداول کنقد، تكون قيمته قد تقررت. ومند العقود الأخيرة من القرن السابع عشر، تبين للباحثين أن النقد هو سلعة. ولم تكن هذه الخطوة سوى البداية الجنينية في التحليل. وتقوم الصعوبة، لا في إدراك أن النقد سلعة، بل في اكتشاف؛ كيف ولماذا وبأية طريقة تصبح سلعة من السلع نقداً(14).
لقد سبق أن رأينا في ابسط تعبير عن القيمة، حيث س سلعة أ = ص سلعة ب، أن الشيء الذي يتمثل فيه مقدار قيمة شيء آخر، يظهر أنه يمتلك شكل المعادل، كخاصية اجتماعية أسبغتها عليه الطبيعة، وذلك بصورة مستقلة عن هذه العلاقة. واقتفينا أثر هذا المظهر الزائف حتى لحظة توطده النهائي، الذي يكتمل حالما يتطابق شكل المعادل العام مع الشكل الطبيعي لسلعة خاصة، أو ليتبلور، هكذا، في شكل النقد. وما يظهر هنا ليس سلعة معينة تصبح نقداً في أعقاب قيام كل السلع الأخرى بالتعبير عن قيمها فيها، بل العكس، يظهر أن كل السلع تعبر عن قيمها، بصورة شاملة، في هذه السلعة المعينة (الذهب) لأنها نقد، إن الانتقالات الوسيطة في هذه العملية تتلاشى في نتيجتها بالذات من دون أن تخلف أثراً. وإذا بالسلع تجد شكلا كاملا جاهزا عن قيمها الخاصة، في جسد سلعة أخرى موجودة بصحبتها وإلى جوارها من دون أن تبذل في ذلك أي جهد.
وما إن يخرج هذان الشيئان، الذهب والفضة، من أحشاء الأرض، حتى يمثلا تجسيداً ثورياً لكل عمل بشري. من هنا يأتي سحر النقد. ومنذئذ تغدو العلاقة بين البشر في العملية الاجتماعية للإنتاج ذرية تماما(*6) وعليه تتخذ علاقات الإنتاج هذه مظهراً شيئياً مستقلا عن سيطرتهم ونشاطهم الفردي الراعي، وينجلي هذا الواقع، أول الأمر، في اتخاذ منتوجات العمل، عموما، شكل السلع. ]وقد رأينا كيف أن التطور الصاعد لمجتمع منتجي السلع ينتقي سلعة واحدة متميزة ليطبعها بطابع النقد(*7)[. من هنا فإن لغز صنم النقد ليس إلا لغز صنم السلع، مع فارق واحد إنه الآن يبهر العين بأكثر أشكاله بريقاً.
إن السلع أشياء، وبالتالي فإنها تفتقد القدرة على مقاومة الإنسان. فإن أبدت تمنعاً يستطيع أن يلجأ إلى القوة، أو بتعبير آخر يستطيع أن يستحوذ عليها(1). ولكي تدخل هذه الأشياء في علاقة بعضها مع بعض كسلع، يتعين على حرّاسها أن يقيموا، في ما بينهم، علاقات متبادلة بوصفهم أفراداً تُقيم إراداتهم في هذه الأشياء نفسها، وأن يتصرفوا على نسق معيّن بحيث لا يستولي الواحد، إلا بإرادة الآخر، وبالتالي لا يستطيع أي منهما أن يستولي على سلعة الآخر وينفصل (Veraussert) عن سلعته الخاصة إلا عبر اتفاق بإرادة الطرفين معاً. وعلى ذلك ينبغي لهم تبادل الاعتراف بحقوق كل واحد منهم باعتباره مالكاً خاصاً، إن هذه العلاقة الحقوقية، التي تُصاغ في عقد، سواء كان العقد جزءاً من نظام تشريعي متطور أم لا، هي علاقة بين إرادتين تعكسان العلاقات الاقتصادية بين الاثنين، وإن هذه العلاقة الاقتصادية هي التي تقرر المضمون الذي تنطوي عليه علاقة الحقوق او علاقات الإرادة هذه(2). ولا يواجه الأفراد هنا، بعضهم بعضاً إلا كممثلين للسلع، وبالتالي كمالكين للسلع. وسنجد في مجرى تطور البحث، بوجه عام، أن أقنعة الشخصيات التي تقف على المسرح الاقتصادي لا تمثل غير تجسيدات بشرية، أي حاملات، للعلاقة الاقتصادية القائمة في ما بينها.
ولعل أبرز ما يميز السلعة عن مالكها، أنها ترى في أجساد السلع الأخرى شكلاً لظاهرة قيمتها الخاصة هي. إنها، وهي الكلبية(*1) بالمولد ونصيرة للمساواة، على أهبة الاستعداد دوماً، لمبادلة روحها، بل جسدها، مقابل أي سلعة أخرى، حتى لو كانت مثيرة للنفور مثل ماريتورن(*2) ذاتها. ويعوض المالك عن افتقار سلعته إلى الحس الملموس بأجساد السلع الأخرى، بحواسه الخاصة الخمس أو أكثر. ولا تؤلف سلعته في نظره، قيمة استعمالية له مباشرة، ولو كان الأمر كذلك لما اقتادها إلى السوق. إنها تمتلك قيمة استعمالية صالحة للآخرين، أما بالنسبة إليه فإن قيمتها الاستعمالية المباشرة تكمن في أنها حامل للقيمة التبادلية، وبالنتيجة وسيلة للتبادل(3). لذلك يقرر الانفصال عنها من أجل سلع أخرى ذات قيمة استعمالية تلبي حاجته. إن كل السلع هي قيم غير استعمالية لمالكيها، وقيم استعمالية لغير مالكيها. لهذا يجب أن تنتقل من يد إلى أخرى.
بيد أن هذا الانتقال من يد إلى يد هو ما يؤلف تبادلها، والتبادل يزجها في علاقة بعضها مع بعض كقيم، ويحققها كقيم. من هنا ينبغي أن تتحقق السلع كقيم، حتى يمكن أن تتحقق كقيم استعمالية.
من ناحية أخرى يتعين على السلع أن تُظهر للبيان قيمها الاستعمالية كي تستطيع أن تتحقق كقيم، ذلك لأن العمل البشري الذي بذل في إنتاجها، لا يُعد صالحاً إلا بقدر ما يُبذل في شكل نافع للآخرين، وفعل التبادل هو الذي يمكن أن يثبت ما إذا كان العمل نافعاً للآخرين وما إذا كان منتوجه قادراً على إشباع حاجات الغير.
إن كل مالك سلعة لا يرغب في الانفصال عن سلعته إلا بمبادلتها لقاء سلع أخرى تلبي قيمها الاستعمالية حاجة من حاجاته. ومن وجهة النظر هذه يُعد التبادل، بالنسبة إليه، عملية فردية لا أكثر. من ناحية أخرى، يتوق إلى تحقيق قيمة سلعته، أي تحويلها إلى أي سلعة أخرى تروق له وتمتلك قيمة مساوية، بصرف النظر عما إذا كانت سلعته هو تؤلف أو لا تؤلف قيمة استعمالية لدى مالك السلعة الأخرى. من وجهة النظر هذه بُعد التبادل، بالنسبة إليه، عملية اجتماعية ذات طابع عام. ولكن العملية الواحدة ذاتها لا يمكن أن تكون فردية بحت واجتماعية عامة بحت في آن واحد عند كل مالكي السلع.
دعونا نتفحص الموضوع عن كثب: إن كل سلعة غريبة هي بالنسبة إلى مالك السلعة، مُعادِل خاص لسلعته، وبالتالي فإن سلعته هو تمثل المُعادِل العام لجميع السلع الأخرى. ولكن بما أن هذا يصح على كل مالك للسلع، فليس ثمة، في الواقع، أي سلعة ستكون مُعادِلاً عاماً، ولن تمتلك السلع أي شكل عام من القيمة النسبية يمكن بموجبه أن تتساوى كقيم، وأن تُقارن كمقادير قيم. وبتعبير آخر فإنها لا تتواجه في مثل هذه الحالة كسلع، بل كمُنتجات أو كقيم استعمالية.
وفي هذه المحنة تراود أصحابنا المالكين فكرة فاوست: “في البدء كان الفعل”. إذن فقد تصرفوا وأبرموا الصفقات قبل أن يفكروا. فقوانين طبيعة السلع تفرض نفسها في الغرائز الطبيعية لمالكي السلع. وليس بمقدورهم أن يقيموا علاقة بين سلعهم كقيم، وبالتالي كسلع، إلا عند مقارنتها جميعاً بسلعة واحدة أخرى مغايرة تطرح نفسها بوصفها مُعادِلاً عاماً. وهذا ما بيّنه تحليلنا للسلعة، ولكن لا يمكن أن تصبح سلعة معيّنة مُعادِلاً عاماً إلا بفعل اجتماعي، والفعل الاجتماعي لسائر السلع الأخرى يُفرد سلعة معينة لتمثل قيم الجميع، وبذلك يصبح الشكل الطبيعي لهذه السلعة الخاصة شكل المُعادِل العام المعترف به اجتماعياً، أما دور المُعادل العام فيصبحا بهذه العملية الاجتماعية، وظيفة اجتماعية خاصة بتلك السلعة التي أفردتها الأخريات، وبذلك تصبح نقداً.
“إن لهم غاية واحدة، وقد اعطوا للبهيمة ما عندهم من قوة وسطوة. ولن يكون بوسع أحد البيع أو الشراء إلا إذا كانت له سمة البهيمة أو اسمها، أو رمز اسمها” (سفر الرؤيا)(*3).
وبلورة النقد ناتج ضروري لعملية التبادل، حيث تتم فعلياً، مساواة منتوجات العمل على اختلافها، لتتحول هكذا، فعلياً، إلى سلع. ويأتي التطور والاتساع التاريخي للمبادلات ليشدّد التضاد، الكامن في طبيعة السلع، بين القيمة الاستعمالية والقيمة. إن الضرورة التي تقتضي إعطاء هذا التضاد تعبيراً خارجياً، تلبية لأغراض التعامل التجاري (Verkehr)، تنزع إلى اعتماد شكل مستقل للقيمة، ولا يهدأ لها بال ولا تقنع حتى يتم شطر السلع، مرة واحدة وإلى الأبد، إلى سلع ونقد. وعليه، فأثناء اكتمال تحول المنتوجات إلى سلع، يجري أيضاً، تحول سلعة معينة إلى نقد(4).
إن المقايضة(*4) المباشرة للمنتوجات تكتسب الشكل البسيط من التعبير عن القيمة في جانب معين، ولا تكتسبه في جانب آخر. ويتمثل هذا الشكل في: س من السلعة آ = ص من السلعة ب. أما شكل المقايضة المباشرة فيتمثل في: س قيمة استعمالية (آ) = ص قيمة استعمالية (ب)(5). إن الشيئين (آ) و (ب)، في هذه الحالة، قبل المبادلة ، ليسا بعد سلعة، ولا يصبحان كذلك إلا بفعل المبادلة. فالخطوة الأولى التي يتعين أن يخطوها الشيء النافع كي يصبح قيمة تبادلية، تبدأ حين يوجد هذا الشيء بوصفه قيمة لا استعمالية بالنسبة لمالكه، ولا يقع هذا إلا حين يتوافر بكمية فائضة عن الحاجة الآنية لهذا المالك.
إن الأشياء، في ذاتها ولذاتها، خارجية بالنسبة للإنسان، وبالتالي قابلة للانفصال. ولكي يكون الانفصال (Verausserung) مُتبادلاً، لا يحتاج الأمر أكثر من أن يعامل الأشخاص بعضهم بعضاً، باتفاق ضمني، كمالكين خاصين لهذه الأشياء القابلة للانفصال، وبالتالي أفراد مستقلين. بيد أن حالة الغربة (Fremdheit) المتبادلة لا وجود لها بالنسبة لعضو الجماعة المشاعية (Gemeinwesens) البدائية، سواء اتخذ هذا المجتمع شكل اسرة بطريركية او مشاعة (Gemeinde هندية قديمة، او دولة الأنكا(*4) وغير ذلك. والرائع أن تبادل السلع يبدأ، أول ما يبدأ، على حدود هذه الجماعات في نقاط تماسها مع جماعات المشاعية الغريبة المماثلة أو مع أعضاء هذه الأخيرة. وما إن تصبح الأشياء سلعة في إطار العلاقات الخارجية لجماعة مشاعية ما، حتى تصبح بالارتداد العكسي، سلعة أيضا في نطاق التعامل داخل الجماعة المشاعية نفسها. غير أن النسبة الكمية لتبادل هذه الأشياء تكون عرضية بحت أول الأمر. والشيء الذي يجعل المنتوجات قابلة للتبادل هو الرغبة المشتركة، عند مالكي المنتوجات، في الانفصال عنها. وفي غضون ذلك تتوطد الحاجة إلى أشياء نافعة تأتي من الخارج، على نحو تدريجي، وبالتكرار المستمر يتحول التبادل إلى نشاط اجتماعي منتظم. وبمرور الزمن ينبغي إنتاج قسم معين، في الأقل، من منتوجات العمل على نحو مقصود، لأجل التبادل. وابتداء من هذه اللحظة يترسخ، ويتثبت، التمييز بين منفعة الأشياء لأغراض الاستهلاك المباشر ومنفعتها لأغراض التبادل. أي تفترق قيمتها الاستعمالية عن قيمتها التبادلية. من جهة أخرى تأخذ النسبة الكمية التي يتم بها تبادل الأشياء بالانتظام على أساس إنتاجها نفسه والعُرف يُثبتها كقيم ذات مقادير معينة.
وفي نطاق المقايضة المباشرة للمنتوجات، تكون كل سلعة وسيلة تبادل مباشرة بالنسبة لمالكها، ومعادلا بالنسبة لمن لا يملكها، لكن بشرط أن تكون عند هذا الأخير ذات قيمة استعمالية. وعند هذه المرحلة، لا تكتسب المادة التي تبادل، بعد، شكلا من القيمة مستقلا عن قيمتها الاستعمالية الخاصة، أو مستقلا عن الحاجة الفردية للمبادلين. وتتنامى ضرورة هذا الشكل المستقل من القيمة بتزايد عدد وأنواع السلع الداخلة في عملية التبادل. فتنبثق المسألة مع وسيلة حلها في آن واحد. إن التداول الذي يقوم فيه مالكو السلع، بمعادلة وتبادل موادهم الخاصة مع مواد الآخرين لن يتحقق من دون أن تكون مختلف أنواع السلع العائدة لمختلف المالكين، في سياق هذا التداول، قابلة للتبادل والتعادل كقيم مع سلعة ثالثة معينة، وما إن تتحول هذه السلعة الثالثة إلى معادل بالنسبة لمختلف السلع الأخرى، حتى تكتسب، مباشرة، وإن يكن في حدود ضيقة، طابع معادل اجتماعي عام. بيد أن هذا الطابع يظهر ويزول مع الاتصال الاجتماعي الذي استدعاه إلى الحياة. فهو يعلق، على نحو عابر ومتناوب، تارة بهذه السلعة وطوراً بتلك، وببلوغ تبادل السلع درجة معينة من التطور، يلتصق هذا الطابع ويثبت، حصراً، بأصناف معينة من السلع، ويتبلور باتخاذه شکل- النقد والتصاق هذا الشكل بصنف معين من السلع أمر تقرره الصدفة في البدء، مع ذلك ثمة ظرفان حاسمان يلعبان دوراً حاسماً. فإما أن يلتصق الشكل النقدي بأهم الأشياء المُتبادلة المستوردة من الخارج، وتؤلف هذه الأشياء، في الواقع، الأشكال البدائية العفوية لتجلّي القيمة التبادلية للمنتوجات المحلية، أو أن الشكل النقدي يلتصق بذلك الشيء النافع، مثل الماشية، الذي يؤلف العنصر الأساسي من الثروة المحلية التي يمكن الانفصال عنها. وكان الأقوام الرحّل هم أول من طور الشكل النقدي، لأن كل ما تمتلك يدهم في الدنيا أشياء منقولة يمكن الانفصال عنها مباشرة، ولأن نمط حياة هؤلاء يجعلهم، على اتصال لا ينقطع بالجماعات المشاعية الغريبة، ويدفعهم، لذلك، على تبادل المنتوجات. وغالبا ما جعل الناس من الإنسان ذاته، بهيئة عبد، مادة بدائية للنقد، لكنهم لم يستخدموا الأرض والحقول لهذه الغاية قط. فمثل هذه الفكرة لا تنبثق إلا في مجتمع بورجوازي بلغ شأواً عالياً من التطور.
ويرجع تاريخ الفكرة إلى الثلث الأخير من القرن السابع عشر، وقد جرت أول محاولة لتطبيقها على نطاق أمة بأسرها، بعد قرن من ذلك، خلال الثورة البورجوازية الفرنسية على الغرار ذاته، كلما اندفع التبادل في تحطيم القيود المحلية، وأخذت قيمة السلع تجسد، أكثر فأكثر مادة العمل البشري العام، راح الشكل النقدي يلتصق بسلع تجعلها طبيعتها صالحة لأداء الوظيفة الاجتماعية، وظيفة التعادل العام، هذه السلع هي المعادن الثمينة.
إن مصداق الفرضية القائلة إنه “على الرغم من أن الذهب والفضة ليسا بطبيعتهما نقدا، فإن النقد بطبيعته ذهب وفضة”(6) تظهر من توافق الخواص الطبيعية لهذين المعدنين مع وظائف النقد(7). إلى هذا الحد، لم نتعرف بعد، إلا على وظيفة واحدة من وظائف النقد، ألا وهي وظيفته كشکل لتجلّي قيمة السلعة، أو كمادة يعبر فيها عن مقدار قيمة السلع، بيد أنه ليس ثمة مادة واحدة يمكن أن تكون شكلا صالحا لتجلي القيمة وتجسيداً ملائماً للعمل البشري المجرد والمتجانس وبالتالي المتماثل، إلا مادة تمتلك، أي عيّنة منها، نفس الخواص الموحّدة. من جهة أخرى، لما كان الفرق بين مقادير القيمة فرقاً كمياً محضاً، يتعين على السلعة النقدية أن تكون عرضة لتباين كمي بحت، فتكون قابلة للتقسيم حسب الرغبة، وتكون أجزاؤها قابلة، بالمثل، لإعادة التوحيد.
ويعرف الجميع أن الذهب والفضة يمتلكان، بطبيعتهما، كل هذه الخصائص.
إن القيمة الاستعمالية للسلعة النقدية مزدوجة. فإلى جانب قيمتها الاستعمالية الخاصة كسلعة (يُستعمل الذهب مثلا حشوة للأسنان ومادة أولية لمواد الترف… إلخ) تكتسب قيمة استعمالية عُرفية (formalen) تنبع من وظيفتها الاجتماعية الخاصة.
ونظرا لأن جميع السلع ليست سوى محض معادلات خاصة للنقد، ولأن هذا الأخير هو معادلها العام، فإنها تقف إزاء النقد كسلع خاصة، ويقف هو إزاءها كسلعة عامة(8).
لقد رأينا أن الشكل النقدي ليس سوى انعكاس للعلاقات بين جميع السلع، مثبتة في سلعة واحدة. أما كون النقد نفسه سلعة(9) فليس ذلك باکتشاف جديد إلا عند أولئك الذين ينطلقون، من صورته المتطورة المكتملة لكي يقوموا بتحليله بعد ذاك. إن عملية التبادل لا تعطي السلعة التي تحولت إلى نقد، قيمتها، بل تعطيها شكل قيمتها الخاص.
وقد أدّي الخلط بين هذين التحديدين المتميزين إلى الاعتقاد أن للذهب والفضة قيمة وهمية(10). والواقع أن إمكانية استبدال النقد، في بعض وظائفه، بمجرد رموز عنه، سمحت بانبثاق تصوّر خاطئ يرى أن النقد هو، بذاته، ليس إلا مجرد رمز. مع ذلك، فخلف هذا الخطأ، حدس بأن الشكل النقدي للشيء هو خارجي بالنسبة إلى ذلك الشيء نفسه، وأنه مجرد شكل لتجلي ظاهرة علاقات بشرية مختبئة وراءه، وبهذا المعنى فكل سلعة هي رمز لأنها تؤلف، ما دامت قيمة، غلافاً شيئياً للعمل البشري المُنفق في إنتاجها(11).
ولكن إذا ما قيل إن الطابع الاجتماعي الذي تتلبسه الأشياء، أو الطابع الشيئي الذي تتلبسه التحديدات الاجتماعية للعمل، ليست أكثر من رموز في ظل نظام من نمط إنتاجي معين، فإن بالوسع القول، على الغرار ذاته، إن هذه الخصائص ما هي إلا النتاج الاعتباطي للتأمل البشري. لقد كان هذا هو نمط التفسير المفضل لدى التنويريين في القرن الثامن عشر، الذين سعوا، مؤقتا في الأقل، لإزالة المظهر الغريب عن الأشكال الملغزة التي تلبستها العلاقات بين البشر والتي عجزوا عن فك لغز عملية نشوئها(12).
لقد سبق أن بيّنا أن الشكل المعادل للسلعة لا يتضمن تحديداً كمياً لمقدار قيمتها، إذن رغم معرفتنا أن الذهب هو نقد، وأنه بالتالي قابل للتبادل، على نحو مباشر، بجميع السلع الأخرى، فإن هذه الحقيقة لا تخبرنا، باي حال، مقدار ما تعادله 10 باونات ذهب من القيمة مثلا. فالنقد، شأن أي سلعة أخرى، لا يستطيع التعبير عن مقدار قيمته الذاتية إلا بصورة نسبية في سلع أخرى. وتتحدد هذه القيمة الذاتية بوقت العمل اللازم لإنتاجه، ويتم التعبير عنها بكمية من سلعة أخرى تكلف المقدار نفسه من وقت العمل(13). ويتم هذا التحديد الكمي لمقدار القيمة النسبي في مصدر إنتاج المعدن الثمين عن طريق المقايضة المباشرة. وحين يدخل هذا المعدن التداول کنقد، تكون قيمته قد تقررت. ومند العقود الأخيرة من القرن السابع عشر، تبين للباحثين أن النقد هو سلعة. ولم تكن هذه الخطوة سوى البداية الجنينية في التحليل. وتقوم الصعوبة، لا في إدراك أن النقد سلعة، بل في اكتشاف؛ كيف ولماذا وبأية طريقة تصبح سلعة من السلع نقداً(14).
لقد سبق أن رأينا في ابسط تعبير عن القيمة، حيث س سلعة أ = ص سلعة ب، أن الشيء الذي يتمثل فيه مقدار قيمة شيء آخر، يظهر أنه يمتلك شكل المعادل، كخاصية اجتماعية أسبغتها عليه الطبيعة، وذلك بصورة مستقلة عن هذه العلاقة. واقتفينا أثر هذا المظهر الزائف حتى لحظة توطده النهائي، الذي يكتمل حالما يتطابق شكل المعادل العام مع الشكل الطبيعي لسلعة خاصة، أو ليتبلور، هكذا، في شكل النقد. وما يظهر هنا ليس سلعة معينة تصبح نقداً في أعقاب قيام كل السلع الأخرى بالتعبير عن قيمها فيها، بل العكس، يظهر أن كل السلع تعبر عن قيمها، بصورة شاملة، في هذه السلعة المعينة (الذهب) لأنها نقد، إن الانتقالات الوسيطة في هذه العملية تتلاشى في نتيجتها بالذات من دون أن تخلف أثراً. وإذا بالسلع تجد شكلا كاملا جاهزا عن قيمها الخاصة، في جسد سلعة أخرى موجودة بصحبتها وإلى جوارها من دون أن تبذل في ذلك أي جهد.
وما إن يخرج هذان الشيئان، الذهب والفضة، من أحشاء الأرض، حتى يمثلا تجسيداً ثورياً لكل عمل بشري. من هنا يأتي سحر النقد. ومنذئذ تغدو العلاقة بين البشر في العملية الاجتماعية للإنتاج ذرية تماما(*6) وعليه تتخذ علاقات الإنتاج هذه مظهراً شيئياً مستقلا عن سيطرتهم ونشاطهم الفردي الراعي، وينجلي هذا الواقع، أول الأمر، في اتخاذ منتوجات العمل، عموما، شكل السلع. ]وقد رأينا كيف أن التطور الصاعد لمجتمع منتجي السلع ينتقي سلعة واحدة متميزة ليطبعها بطابع النقد(*7)[. من هنا فإن لغز صنم النقد ليس إلا لغز صنم السلع، مع فارق واحد إنه الآن يبهر العين بأكثر أشكاله بريقاً.

Aucun commentaire:
اضافة تعليق