المجتمع البدائي وإنحلاله الجزء الثاني والأخير
روزا لوكسمبورغ
الجزء الثاني : انحلال المجتمع الشيوعي البدائي
الفصل الثاني: انحلال المجتمع الشيوعي البدائي
(1)
والآن يحسن بنا أن نتفحص المؤسسات الداخلية للجماعة الجرمانية في منطقة «المارك»، وهي الجماعة التي درست أفضل من غيرها. كان الجرمانيون يتمركزون في قبائل وعشائر GESCHLECHTER وفي كل عشيرة كان يعطي لكل رب عائلة قطعة من الأرض يقيم عليها بيتا له ومزرعة. وبعد هذا كان قسم من الأرض يستخدم للزراعة، بحيث تنال كل عائلة قطعة منه. وتبعا للشهادة التي تركها لنا «سيزار» نجد أنه كانت هناك، في بداية العصر المسمى قبيلة ألمانية (هي السويف أو السواب) كانت تزرع الحقول بشكل جماعي دون أن تقسمها بين العائلات، غير أن التقسيم السنوي للأرض إلى قطع، كان معمولا به، ولاسيما أيام المؤرخ الروماني تاسيتيوس في القرن الثاني. وفي بعض المناطق، مثلما في مقاطعة فريكهوفن، «في منطقة ناساو»، كانت عمليات التوزيع السنوي للأرض سارية حتى القرنين السابع عشر والثامن عشر. وفي القرن التاسع عشر، في بعض مقاطعات منطقة «بالاتينات» البافارية على ضفة نهر الرين، كان ثمة نظام للقرعة معمولا به، ولو خلال فترات زمانية أكثر طولا: أي مرة كل ثلاث، أو أربع أو تسع سنوات، أو حتى 12 و14 و18 سنة. وهذه الحقول لم تصبح ملكيات خاصة، نهائيا، إلا نحو منتصف القرن الثامن عشر وكذلك في بعض أقاليم اسكوتلاندا، كان تقسيم الحقول ما يزال ساري المفعول حتى الحقب الأخيرة في الأصل، كانت كافة القطع متساوية في مساحتها، بشكل يتناسب مع متوسط احتياجات كل عائلة، وتبعا لخصوبة التربة وإنتاجية العمل وكانت مساحة القطعة تصل، تبعا لنوعية الأرض، إلى 15 أو 30 أو 40 اربنتا أو أكثر، وذلك في مختلف المناطق في الجزء الأكبر من أوربا، تحولت قطع الأرض المعطاة تبعا لنظام القرعة، تحولت منذ القرنين الخامس والسادس، إلى أراض تملكها العائلات الزوجية بشكل وراثي، ويمكنها أن تورثها... وعلى هذا تقلص نظام القرعة تدريجيا حتى اختفى تماما. غير أن هذا كان فقط بالنسبة إلى الحقول، أما الأراضي الباقية: الغابات، البراري، المياه والمناطق غير المستقلة، فظلت ممتلكات للمجموعة كلها في المارك، لا يمكن اقتسامها. فالمواد التي كانت الغابات توفرها، على سبيل المثال، كانت تستخدم لسد الحاجات الجماعية وللاتفاق العام... أما الباقي فكان يقسم بين الجميع. وكذلك المراعي كانت تستخدم بشكل جماعي.. ولقد ظلت على حالها هذا لزمن طويل، بل ويمكن العثور عليها حتى الآن أيضا في منطقة الألب البافارية، والتيرول وسويسرا، كما في فرنسا والنرويج والسويد.
ولضمان مساواة كاملة في عملية توزيع الحقول، كان يبدأ بتقسيم الأرض، تبعا لنوعية التربة وبقية المواصفات، إلى بضعة أحياء (تسمى OESH أو GEWANN) وكان كل واحد من هذه الأحياء يقسم إلى قطع ضيقة يساوي عددها عدد أصحاب الحق في الحصول عليها. فإذا كان ثمة لدى أحدهم من شك بصدد عدالة التوزيع، كان يمكنه، في أية لحظة يشاء، أن يطالب بإجراء قياس جديد لكل الأرض، بحيث أن عقابا صارما كان يطال من يحاول منعه من هذا.
ثم حين أهملت تماما مسألتا اعتماد القرعة، والتوزيع الدوري للأراضي، ظل عمل كافة أعضاء الجماعة في الحقول، عملا مشتركا خاضعا لقوانين جماعية وصارمة. ولقد نتج عن هذا، بالنسبة إلى كل عضو من أعضاء الجماعة، أن كل واحد كان مجبرا على العمل بشكل عام. وذلك لأنه لا يكفي الواحد أن يقيم في تلك الأراضي لكي يكون حقا عضوا في الجماعة. بل كان ينبغي عليه أن يقيم لنفسه، بنفسه سكنا، وأن يزرع حاجاته بنفسه. وكل واحد كان يتخلف، لعدة سنوات متتالية عن زراعة أرضه، كان يفقدها دون أية إجراءات قانونية، بحيث يصبح بمقدور الجماعة أن تعطيها إلى أيد فرد آخر لكي يتولى زراعتها، أما هذا العمل نفسه فكان يتم بإشراف الجماعة كلها. في سنوات الاستيطان الجرماني الأولى، كانت تربية المواشي في مركز الحياة الاقتصادية، وكانت تمارس في المراعي والبراري المشتركة تحت قيادة الرعاة المشتركين. ولتربية الماشية كان يجري استخدام الأراضي البور، والحقول بعد حصادها. وعن هذا وحده نتج أن فترات البذار والحصاد، وتعاقب الزراعة واستراحة الأراضي بالنسبة إلى كل قسم من أقسام الأرض المشتركة، وتعاقب فترات البذار، كانت كلها أمور تسوي بشكل مشترك، بحيث كان على كل واحد أن يخضع للقوانين العامة. وكان كل حي يحاط بسياج وأبواب، ويظل مغلقا ما بين موسم البذار وموسم الحصاد، أما مواعيد الفتح والإغلاق فكان يجري تقريرها عن طريق القرية كلها. أما كل حي فكان يخضع لإدارة مراقب يعتبر موظفا عاما من موظفي المجموعة، ويكون مسؤولا عن تطبيق النظام المعمول به، أما مسألة تحديد الأحياء فكانت مناسبة لإقامة احتفالات تشترك فيها كافة القرى، بكل سكانها، بما فيهم الأطفال الذين يعاملون بخشونة لكي يفهموا تماما معنى الحدود، ويدركوا مغازيها.
تربية المواشي، كذلك، كانت تمارس بشكل جماعي، بحيث كان يمنع على أي عضو من أعضاء الجماعة أن يحتفظ بقطعانه معزولة. كما أن كافة حيوانات القرية كانت توزع إلى قطعان مشتركة، تبعا لصنف الحيوان، وكان لكل قطيع رعيانه، بالإضافة إلى حيوان قائد له، وكان من القوانين المرعية ضرورة تعليق جرس في رقبة كل حيوان. أما الحق في القنص والصيد، في الأراضي المشاعية، فكان حقا مشتركا. بحيث أن ما من واحد كان يحق له أن يغضب الشباك والأفخاخ في قطعته إن لم يخطر سلفا، بهذا، بقية أفراد الجماعة. هذا بينما المعادن والفلذات، وكل ما كان يعثر عليه في جوف الأرض، على عمق يزيد عما يمكن للمحراث حفره، فكان يعتبر ملكا للجماعة كلها، وليس لذاك الذي عثر عليه. وداخل كل جماعة كان ينبغي أن يتواجد العدد اللازم من الحرفيين الماهرين. صحيح أن العائلات الفلاحية كانت تصنع، بنفسها معظم الأدوات التي تستخدمها في حياتها اليومية: ففي البيت كان يتم الطهو على نار الموقدة، وكانت تعقد البيرة، وتحاك أقمشة الثياب. ومع هذا، منذ زمن مبكر، أخذ البعض يتخصصون في ممارسة عدد من المهن، ولاسيما تلك التي تتعلق بصناعة الأدوات الزراعية. وهكذا مثلا نرى كيف أن كافة أعضاء جماعة «وولب» التي تعيش بالقرب من الغابات في منطقة الساكس الدنيا، كان عليهم أن يكون من بينهم «رجلا متخصصا في كل مهنة من مهن الغابات، يمكنه أن يصنع –شيئا مفيدا- من الخشب»، وفي كل مكان كان يحدد سلفا، للحرفيين، نوع الخشب الذي يمكنهم استخدامه، والكمية التي يسمح لهم بها، وكان هذا من أجل توفير القسم الأكبر من الغابة، وعدم صنع ما يزيد عن حاجة أعضاء الجماعة من المواد الضرورية. وكان الحرفيون يتلقون، من الجماعة، كل ما كانوا بحاجة إليه لعيشهم، وكان لهم –بشكل عام- نفس الوضع الذي يتمتع به كافة الفلاحين، غير أنه لم تكن لهم نفس الحقوق –وذلك لأنهم لم يكونوا من العاملين في الزراعة التي تعتبر النشاط الاقتصادي الأول في الحياة العامة، بحيث أن كافة الحقوق والواجبات كانت تدور من حولها [69].
وهذا هو السبب في أنه لم يكن بامكان كل من يشاء، أن يصبح فردا من الجماعة. إذ كان ينبغي –لكي يتم توطين غريب ما- الحصول على إذن بالإجماع من كافة أعضاء الجماعة. ولم يكن لأي واحد من هؤلاء أن يتنازل عن قطعة الأرض التي تخصه، لأي غريب، بل فقط لواحد من الجماعة، وعلنا أمام المحكمة الخاصة بهذا.
على رأس الجماعة كان هناك مختار القرية الذي كان ينطلق عليه اسم «دورففراف» أو «شولتهايس» أو حتى «ماركميستر» و«سنتر». وكان هذا ينتخب بواسطة جميع أفراد الجماعة. والواقع أن هذا الانتخاب لم يكن ليعتبر تشريفا للمنتخب، بل وظيفة أساسية: لذا لم يكن من حقه أن يرفض الانتخاب، تحت طائلة العقاب. ولكن نعرف جميعا أن هذه الوظيفة أضحت، مع مرور الزمن، وظيفة وراثية تخص عددا من العائلات. ومن هنا لم يكن ثمة سوى خطوة واحدة تجتازها هذه الوظيفة حتى تصبح شيئا يباع ويشتري –بسبب الجاه والثراء اللذين كانت توفرهما لحاملهما. لتتحول بالتالي من وظيفة ديموقراطية وانتخابية، إلى وسيلة للسيطرة على الجماعة. ومع هذا، لم يكن الزعيم، في عز تلك الأيام، سوى منفذ لرغبات الجماعة. أما كافة المسائل والقضايا فكانت تسوى عن طريق مجالس تضم كافة أعضاء الجماعة، وتتولى التحكيم في كافة الخلافات وفرض العقوبات. وكان المجلس هو الذي يقرر مسألة تنظيم الأعمال في الحقول، وشق الطرقات والبناء، وتعيين رجال الأمن للحقول والقرية. ولهذا المجلس كان كافة الأعضاء يقدمون الحسابات التي كانت تدون في «سجلات المشاعية». وكانت كافة الأحكام القضائية تقال، من قبل المساعدين، شفهيا وعلنا، وذلك بإشراف الزعيم. وكان أعضاء الجماعة هم الوحيدين الذين يحق لهم حضور جلسات المحاكم، هذا الحضور الذي كان ممنوعا على الغرباء. وكان –كذلك- أعضاء الجماعة ممنوعين من الشهادة من أجل بعضهم البعض، بالرغم من أنهم جميعا كانوا مجبرين على التعاون فيما بينهم، بكل أمانة وأخوة، في حالات الحرائق والهجمات الخارجية..الخ، وفي داخل الجيش، كان أعضاء كل جماعة مشاعية، يشكلون فرقتهم الخاصة ويقاتلون –على هذا النحو- جنبا إلى جنب. وفي حالة الجرائم والخسائر التي تجري داخل الجماعة، أو من قبل أحد أفرادها في الخارج، كانت الجماعة كلها تعتبر مسؤولية بالتكافل والتضامن. وكان أعضاؤها مجبرون على إيواء المسافرين ومساعدة المعوزين. والجماعة «الماركية» كان تشكل كلها، في الأصل جماعة دينية، ثم منذ دخول المسيحية –التي دخلت بشكل متأخر جدا، لدى جزء من الجرمانيين، ولدى الساكسون مثلا- أضحت الجماعة تشكل رعية كنسية واحدة، ثم، أخيرا، كانت الجماعة كلها، وبشكل عام، توفر معلم مدرسة يتولى تعليم شبيبة القرية.
ليس بوسعنا بالطبع، أن نتصور شيئا أكثر بساطة وتناسقا من هذا النظام الاقتصادي الذي عاش في ظله أهالي الماركات الجرمانية القديمة. إن كل آلية الحياة الاجتماعية، هنا، يشبه سماء صافية: تخطيط صارم وتنظيم دقيق يشمل نشاط كل واحد ويدخله كعنصر من كل متناسق. إن الحاجات المباشرة للحياة اليومية، وإرضاء هذه الحاجات بالنسبة إلى جميع، هما نقطة الانطلاق لهذا التنظيم، كما أنهما هدفه النهائي. فالجميع هنا يعملون سوية في سبيل الجميع، ويقررون كل شيء شراكة. فمن أين أتى، وعلام يستند هذا التنظيم، وهذه السلطة التي تمارسها الجماعة على الفرد؟ لقد أتت من شيوعية الأرض، أي من الامتلاك الجماعي لأهم أداة من أدوات الإنتاج. ومع هذا ستظهر السمات النموذجية للتنظيم الاقتصادي للشيوعية البدائية بشكل أفضل إن نحن درسناها بالمقارنة على الصعيد العالمي، لكي ندركها على هذا النحو كقوة عالمية للإنتاج في تنوعه وفي مرونته العالميين.
لنتجه الآن بأبصارنا شطر إمبراطورية الأنكا القديمة في أمريكا الجنوبية. لقد كانت الأرض الخاصة بهذه الإمبراطورية، والتي تغطي ما يعرف اليوم بـ«البيرو» و«الشيلي» و«بوليفيا» -أي ما تصل مساحته الحالية إلى 3364600 كلم مربع، وعدد سكانه إلى 12 مليون نسمة- كانت تدار في الزمن الذي جرى فيه غزوها على يد بيزارو، بنفس الأسلوب الذي كانت به تدار في العصور السالفة. فنحن، في تلك الإمبراطورية، نجد نفس المؤسسات التي وجدناها لدى الجرمانيين القدماء، فكل عائلة ها هنا، تشكل مشاعة، وتكون في الوقت نفسه كتيبة من الرجال القادرين على حمل السلاح، وهذه العائلة المشاعية تشتغل قطعة من الأرض تملكها، ويطلق عليها –ويا للغرابة!- نفس الاسم الذي يطلق على مثيلتها لدى الجرمان: الـ«ماركا». كانت الأراضي القابلة للزراعة تفصل عن أرض الماركا، وتقسم إلى قطع تعطى –تبعا للقرعة- كل عام قبل موسم البذار، بين العائلات. وكانت مساحة القطع تقاس تبعا لحجم العائلة المعنية، أي –بالتالي- تبعا لحجم حاجات هذه العائلة. أما زعيم القرية، الذي –عند زمن تأسيس الإمبراطورية- أي في القرنين العاشر والحادي عشر- لم يعد ينتخب انتخابا، بل ينال وظيفته عن طريق الوراثة، فكان يحصل على القطعة الأكبر. في شمال البيرو لم تكن كل عائلة تزرع أرضها بشكل مستقل، بل كانت كل عشر عائلات تعمل سوية تحت إشراف زعيم –وهو تنظيم يشير بعض العلماء إلى وجود ما يشابهه لدى الجرمانيين-. وكانت العائلات العشر تتولى، واحدة بعد أخرى، زراعة كافة قطع الأرض التي تعود لكل منها، بل وحتى للغائبين الذين يكونون منهمكين في الحرب، أو في أعمال السخرة خدمة للأباطرة. كانت كل عائلة تتلقى الثمار التي تجنى في أرضها. ولم يكن من حق أي واحد، من غير القاطنين في الماركا، والمنتمين على العشيرة، أن يحصل على قطعة من الأرض. وكان على كل واحد أن يزرع أرضه بنفسه، أما الذي يهمل أرضه خلال عدة سنوات (ثلاث سنوات في المكسيك) فكان يفقد حقه فيها. أما الحصص من الأرض، فلم يكن بالامكان لا بيعها ولا شراؤها.. ولا حتى تقديمها مجانا. وكان من الممنوع بتاتا مغادرة الماركا الخاصة، والإقامة في ماركا أخرى.. ومما لاشك فيه أن هذا ذو علاقة بمسألة روابط الدم بين العشائر القروية. كما أن زراعة الحقل، في المناطق الساحلية حيث لا تهطل الأمطار إلا بشكل موسمي، كانت تتطلب قنوات تحفرها الجماعة بشكل مشترك. ولقد كانت هناك قواعد صارمة تتعلق باستخدام الماء وتوزيعه بين مختلف القرى، وداخل كل قرية. وكانت هناك في كل قرية حقول تعرف باسم «حقول الفقراء» يتولى زراعتها كافة أعضاء الجماعة، ويتم توزيع محصولها، عن طريق زعيم القرية، بين العجائز والأرامل، وبقية المعوزين. أما بقية الأراضي التي تقع خارج نطاق الحقول فكانت تسمى «ماركا باتشا» أي «الأراضي المشتركة».
في الجزء الجبلي من البلاد، حيث لم تنجح عملية زراعة الحقول، كان نوع من تربية الماشية، يقتصر تقريبا على تربية حيوان اللاما، يشكل أساس وجود السكان الذين، بين وقت وآخر، كانوا يحملون نتاجهم من الصوف إلى الوديان ليبادلوه، مع الفلاحين، بالذرة والجزر وبعض التوابل. وفي الجبال، كانت توجد، منذ عهد الغزو، قطعان تعتبر ملكية خاصة، كما كان ثمة تفاوت حقيقي في الثروات. فالفرد الواحد في الماركا كان يملك بين ثلاث وعشر لامات، بينما كانت تصل ممتلكات الزعيم، من هذا الحيوان إلى خمسين أو مائة. أما الأرض والغابات والمراعي فكانت تعتبر ملكية عامة (مشاعية) وكان هنا، إضافة إلى القطعان الخاصة، قطعان تملكها القرية كلها. وفي مواعيد محددة، كان يتم ذبح جزء من القطعان المشتركة، ليوزع لحمها وصوفها بين العائلات. وفي تلك المجتمعات، لم يكن ثمة وجود للحرفيين، إذ أن كل عائلة كانت تصنع ما هي بحاجة إليه. وكانت هناك قرى تعرف بمهارتها الخاصة في هذا النشاط أو ذاك: الحياكة، صنع الآنية، أو الأشغال المعدنية. وعلى رأس كل قرية كان هناك زعيم، كان يعين بالانتخاب أصلا، لكن المنصب أضحى وراثيا بعد ذلك، وكان هذا الزعيم يسهر على زراعة الحقول، أما بالنسبة إلى القضايا الهامة فكان يعمد إلى استشارة مجلس القرية التي تضم البالغين، ويكون من حقه استدعاؤها حالما تدعو الحاجة.
حتى الآن نلاحظ بان الماركا البيروفية القديمة، لها نفس الملامح والصفات الموجودة لدى الماركات الجرمانية. أما الشيء الذي تختلف فيه عن الصورة التي تعرفها، فمسألة من شأنها أن تتيح لنا الدخول في طبيعة هذا النظام الاجتماعي بشكل أفضل. فالشيء الخاص بإمبراطورية الأنكا القديمة، كان أن الأمر يتعلق هنا ببلد تعرض للغزو، أو هو الآن خاضع لسيطرة أجنبية. صحيح أن الغزاة، أي الأنكا، كانوا يشكلون جزءا من القبائل الهندية بدوره، غير أنهم عمدوا إلى إخضاع قبائل ألفشوا المسالمة الزراعية، لمجرد أنها كانت تعيش معزولة عن العالم، حيث كانت كل قرية تهتم بنفسها، دون أية علاقة تربطها بالمناطق الأخرى، ودون أدنى اهتمام بما من شأنه أن يحدث خارج أراضي الماركا. بشكل عام، ترك الغزاة الأنكا، هذا التنظيم الانعزالي على حاله، خاصة وأنه هو الذي سهل لهم الغزو. وكل ما في الأمر أنهم طعموه بنظام استغلال اقتصادي وسيطرة سياسية، معدل. إذ أن كل ماركا تم غزوها كان عليها أن تضع جانبا بعض الحقول التي تسميها «حقول الأنكا» أو «حقول الشمس».. وهذه الحقول تظل مملوكة للماركا، غير إن نتاجها يذهب إلى الأنكا وإلى كهنتهم. وكذلك كان على قبائل الرعاة الجبلية أن تحتفظ بقسم من قطعانها، يعتبر «ملكا للسادة». أما حراسة هذه القطعان ورعيها، تماما مثل زراعة حقول الانكا وكهنتهم، فعمل سخرة يقوم به أعضاء الجماعة إذ هو مفروض عليهم فرضا. أضف إلى هذا كله، عمل السخرة الذي كان أبناء الماركات يؤدونه في المناجم والأشغال العامة من شق للطرقات وبناء للجسور، وهي أعمال كان السادة يشرفون عليها، وهذا دون أن ننسى الخدمة العسكرية ذات النظام الصارم التي كان يؤديها الشبان، فيما كان عدد من الفتيات يقدم، أما كقرابين وضحايا للآلهة، وأما كجاريات لخدمة الأسياد.
غير أن نظام الاستغلال القاسي هذا، لم يحدث أي تغيير في الحياة الداخلية للجماعات أو لمؤسساتها الشيوعية الديموقراطية، وذلك لأن أقوام الماركات تحملوا أعمال السخرة وكل ما فرض عليهم، بشكل جماعي. ومن الأمور الجديرة بالانتباه أن التنظيم القروي الشيوعي لم يكن، كما كان يحدث غالبا في مجريات التاريخ، مجرد الركيزة الصلبة والدؤوبة لنظام استغلال واستعباد، بل كان لهذا النظام نفسه تنظيم شيوعي. فالواقع أن الأنكا الذين عاشوا عيشة مريحة على حساب القبائل البيروفية الخاضعة، كانوا هم أنفسهم يعيشون في تجمعات عشائرية تمت إلى نظام الماركا بأكثر من صلة، بحيث أن مقرهم الرئيسي، مدينة كوزكو، لم يكن سوى تجمع يضم دزينة ونصف من المساكن التي كان كل واحد منها مقر حياة جماعية لعشيرة بأكملها، كما كان لكل مسكن مدفن مشترك في داخله، ويحظى بنوع من العبادة خاص به تتم طقوسه بشكل مشترك. وحول هذه المساكن العشائرية الفسيحة، كانت تمتد أراضي الأنكا التي تحوي غابات ومراع مشتركة، وحقول مقسمة، تزرع بشكل جماعي. فهؤلاء المستغلون والمسيطرون، لأنهم كانوا شعبا بدائيا، لم يكونوا قد تخلوا بعد عن العمل، كل ما في الأمر أنهم كانوا يستغلون وضعهم كأسياد، لكي يعيشوا عيشة أفضل من تلك التي يعيشها أتباعهم، ويقدموا المزيد والمزيد من الضحايا لآلهتهم. أم الفن الحديث، فن العيش بفضل عمل الآخرين، وجعل اللهو في كل الأوقات إحدى مكاسب التسلط، فأمر كان غريبا عن ذاك التنظيم الاجتماعي حيث كانت الملكية المشاعية، والإرغام العام على العمل، يشكلان عادات شعبية متجذرة بصورة عميقة. أما ممارسة السلطة السياسية فكانت منظمة بشكل يجعلها أشبه بوظيفة مشتركة بين عائلات الأنكا. فالمديرون الأنكا المقيمون في أقاليم البيرو، والذين كان عملهم مماثلا لعمل المقيمين الهولنديين في الأرخبيل الماليزي، كانوا يعتبرون مندوبين لعشائرهم في كوزكو، حيث كانوا يحتفظون بمكان لهم في المساكن الجماعية ويساهمون في حياة جماعتهم الخاصة بهم. وفي كل عام كان هؤلاء المندوبون يعودون إلى كوزكو للاحتفال بأعياد الصيف، حيث يقدمون تقريرا حول الطريقة التي بها مارسوا وظيفتهم، ومن ثم يحتفلون بالعيد الديني الكبير، برفقة أعضاء عشائرهم الآخرين.
إن لدينا هنا، وإلى حد ما، فئتين اجتماعيتين، أحداهما متميزة عن الأخرى، والاثنتان معا منتظمتان داخليا تبعا للنمط الشيوعي، وكل منهما تعيش تبعا لوضعها الاجتماعي: أحداهما مستغلة –بفتح الغين- والأخرى مستغلة -بكسر الغين-. للوهلة الأولى قد تبدو هذه الظاهرة عسيرة على الإدراك، لأنها في تناقض صارخ مع مبادئ المساواة والأخوة والديموقراطية، التي كانت تشكل أساس تنظيم المشاعيات الزراعية. غير أن لدينا هنا الدليل الحي على أن المؤسسات الشيوعية البدائية كانت ذات علاقة يسيرة للغاية، في الحقيقة، مع أي مبدأ من مبادئ المساواة والحرية الشاملتين. فهذه «المبادئ» المطبقة في مفهومها الشامل على كافة البلدان، أو على الأقل في البلدان «المتمدنة»، أي في بلدان الحضارة الرأسمالية، أي على «الإنسان» المطلق، على كافة البشر، ليست سوى المنتوج المتأخر للمجتمع البرجوازي الحديث، وهي مبادئ كانت الثورات –الأمريكية والفرنسية..الخ.- هي أول من نادى بها. أما المجتمع الشيوعي البدائي فكان يجهل المبادئ العامة التي تسري على كافة البشر: وذلك لأن المساواة والتضامن في هذا المجتمع إنما كانا نتاجا للتقاليد الشيوعية العائدة إلى روابط الدم، وإلى الملكية المشاعية لأدوات الإنتاج. فها هنا لم تكن المساواة في الحقوق، وتضامن المصالح ليصلان إلى أبعد مما كانت تصل إليه روابط الدم وهذه الملكية. وكل ما كان يقوم خارج هذه الحدود –التي كانت تقع ضمن أراضي القرية أو القبيلة في أحسن الأحوال- كان غريبا، بل ومعاديا أحيانا. أما الجماعات، القائمة في الداخل على أساس التضامن الاقتصادي، فكانت مجبرة أحيانا وبشكل دوري، بسبب انخفاض مستوى نمو الإنتاج، والمدخول المتدني ونفاذ مصادر الغذاء وازدياد عدد السكان، مجبرة على الدخول في صراع مصالح قاتل فيما بينها، وبينها وبين الجماعات الأخرى المشابهة لها. عند ذاك كان من شأن العراك الحيواني، أي الحرب، أن يقرر مصير الصراع: إبادة أحد المعسكرين أو –في أغلب الأحوال- إقامة علاقات استغلال بين المتصارعين. إذن لم يكن التعلق بمبادئ المساواة والحرية المطلقة، في أساس الشيوعية البدائية، بل كانت الضرورة الماسة ضمن ذلك المستوى المنخفض من مستويات تطور الحضارة البشرية، هي التي تشكل أساسها، بالإضافة إلى العجز البشري في مواجهة الطبيعة، هذا العجز الذي كان يفرض على القبيلة، كشرط مطلق لبقائها، كان يفرض عليها أن تعيش بشكل تضامني في جماعات كبيرة الحجم، وأن تعمل بشكل موحد، وكذلك أن توحد نضالها في سبيل الحياة والبقاء.
غير أن سيطرة الطبيعة المحدودة نفسها، كانت تقلص المخطط والعمل المشتركين لتحصرهما في أراض ضيقة تضم بعض المراعي والحقول المحيطة بالقرية، وتمنع هذه الأخيرة من أن تمد عملها المشترك إلى أبعد من تلك المراعي والحقول. فالواقع أن المستوى البدائي للزراعة لم يكن ليسمح بزراعات تتجاوز أرض القرية، وهذا كان يضع حدودا ضيقة للغاية لمسألة تضامن المصالح. وكان هذا المستوى المخفض لإنتاجية العمل، يؤدي دوريا إلى قيام صراعات بين مختلف الجماعات الاجتماعية، مما كان يجعل العنف، الأسلوب الوحيد لتسوية تلك الصراعات. أي أن الحرب ظلت الأسلوب الدائم لحل صراعات المصالح بين الجماعات الاجتماعية، وذلك حتى الوقت الذي جاء فيه المستوى الأعلى لنمو إنتاجية العمل، أي سيطرة الإنسان التامة على الطبيعة، ليضع حدا لصراعات المصالح المادية. ولكن إذا كان الصدام بين مختلف الجماعات الشيوعية البدائية، معطى دائما. فإن المخرج من هذا الوضع كان إذا يحدد بدوره، مستوى تطور إنتاجية العمل. فبالنسبة، مثلا، إلى صراع بين شعبين من البدو مربي الماشية، يتنازعان على استخدام المراعي، نجد أن العنف القاسي وحده كان القادر على تقرير مّن من الشعبين سيظل سيدا في هذه المراعي، ومن هو الشعب الذي سيطرد باتجاه المناطق الجافة غير الصالحة لاستقبال الإنسان، هذا إذا لم يباد. أما حيث كانت الزراعة قد ازدهرت بشكل لا بأس به بحيث كانت قادرة على ضمان غذاء جيد، دون امتصاص كل قوة عمل، وكل حياة، القوم المعنيين، فكان يقوم كذلك الأساس الصالح لوجود استغلال منتظم للفلاحين على يد غزاة أجانب. وعلى هذا النحو، مثلا، شهدنا وجود وضع مثل وضع البيرو، كان فيه المجتمع الشيوعي يستغل مجتمعا شيوعيا آخر. والواقع أن هذه البنية الخاصة بإمبراطورية الأنكا مسألة هامة للغاية، إذ أنها تتيح لنا فهم سلسلة من التشكيلات الاجتماعية المشابهة التي قامت في الزمن الكلاسيكي القديم، ولاسيما في بدايات التاريخ اليوناني.
عندما يعلمنا التاريخ المدون، بشكل عابر، بأن السكان المستعبدين، في جزيرة كريت التي يسيطر عليها الدوريون، كانوا مجبرين على أن يقدموا كل إنتاج حقولهم إلى «الجماعة»، بعد أن يحسموا منه ما هم بحاجة إليه لغذائهم وغذاء عائلاتهم، وللإنتاج المدفوع كأتاوة، كان يغذي الولائم المشتركة للأشخاص الأحرار (أي السادة الدوريون): أو يعلمنا بأنه كان في سبارطة، وهي بدورها مدينة دورية، كان يوجد «عبيد للدولة» هم الهيلوطس، الذين كانت أراضي هؤلاء.. عندما يعلمنا التاريخ كل هذا، نشعر بأن هذه الأوضاع هي أقرب إلى الأحجية. وعلى سبيل تفسير هذه التقاليد الغربية التي عرفها التاريخ، يقدم لنا عالم برجوازي هو ماكس فيبر، الأستاذ المقيم في هايدلبرغ، يقدم لنا أغرب الافتراضات، من جهة نظر الوضع الراهن ومفاهيمه إذ يقول:
«إن السكان المستعبدين يعاملون هنا (في سبارطة) على أساس أنهم عبيد للدولة، بحيث أن الأتاوات العينية التي يقدمونها، إنما تخدم لتغذية المحاربين، وبشكل مشترك جزئيا، وجزئيا بشكل يعيش معه الفرد، من إنتاج بعض الحقول التي يزرعها العبيد، وهي حقول يتملكها بأشكال مختلفة، لم تكن الوراثة اقلها.. بل كانت عامل تملك يزداد أهمية مع الزمن. ويقول لنا التاريخ بأن هبات جديدة تشمل قطعا من الأرض، وتقسيما جديدا للأراضي، أضحت أمورا ممكنة خلال الحقبة التاريخية المدونة. غير أن هذه لم تكن، طبعا، عمليات إعادة توزيع للحقول (و«طبعا» لأن أستاذا برجوازيا لا يمكنه أن يقر بمثل هذا التوزيع.. إن استطاع) بل –بشكل من الأشكال- إعادة توزيع للريع العقاري. أما التفاصيل فتقررها الاعتبارات العسكرية، وبشكل خاص سياسة عسكرية تتعلق بالسكان هي التي تقرر كافة التفاصيل. إن طابع الفيودالية (الإقطاعية) المدينية لهذه السياسة يبرز أمامنا بشكل يتميز في أن الأملاك العقارية لشخص حر، تزرع على يد عبد، تكون –في غورتين- خاضعة للقانون العسكري الخاص: فهذه الأملاك تشكل ما يعرف باسم KLAROS وتكون خاضعة لضرورة إعاشة عائلة المحارب (فإذا ما ترجمنا هذه اللغة الأستاذية إلى لغة واضحة ينتج عنها ما يلي: إن قطع الحقول تعتبر ملكية للمدينة كلها، ولهذا لا يجوز اغتصابها ولا توزيعها بعد موت صاحبها، وهو الأمر الذي يفسره الأستاذ فيبر بعد ذلك بأنه إجراء حكيم يهدف إلى «منع تمزيق الثروة إربا» وأنه «في مصلحة الحفاظ على قطع الأراضي اللائقة بوضع المحارب»). إن ذروة هذا التنظيم تكون في مسألة إقامة الطاولة المشتركة لكافة المحاربين، وذلك عن طريق التعليم المشترك للأطفال بواسطة الدولة لجعلهم جميعا من المحاربين.. وذلك تماما مثلما يحدث بالنسبة إلى صف الضباط في ألمانيا» [70].
وعلى هذا النحو، هاكم اليونانيون زمن الأبطال، زمن هكتور وآخيل، وقد تحولوا إلى ضباط بروسيين، بكل ما لدى هؤلاء من حفلات العهر التي تسودها الشمبانيا «وهي وسيلة تليق بوضعهم». وعلى هذا النحو أيضا يتحول الشبان والشابات العراة في سبارطة، والذين يتلقون دراسة شعبية مشتركة، يتحولون إلى أشياء تشبه المقيمين في مؤسسة صف الضباط الشبيهة بـ غروس-ليخترفيلد في برلين، التي هي بالسجن أشبه.
بالنسبة إلى من يعرف البنية الداخلية لإمبراطورية الأنكا، لن يمثل الوضع المرسوم أعلاه، أية صعوبات على الإطلاق، فهو، دون أدنى شك، نتاج وجود تشكيلتين اجتماعيتين شيوعيتين، أحداهما مجتمع زراعي تستغله التشكيلة الأخرى. أما إلى أية درجة تدوم الركائز الشيوعية في عادات السادة وفي وضع المستغلين –بفتح الغين- فمسألة ترتبط بدرجة تصور واستمرار هاتين التشكيلتين، وبيئتهما. مما لا شك فيه أن إمبراطورية الأنكا، حيث يعمل السادة بأنفسهم، وحيث ظلت الملكية العقارية للمضطهدين –بفتح الهاء- على حالها، وحيث كانت كل تشكيلية اجتماعية منظمة بشكل مغلق، إمبراطورية الأنكا هذه يمكن اعتبارها أقدم أشكال علاقات الاستغلال التي لم يقدر لها أن تبقى إلا بفعل مستوى بدائي، نسبيا، من الحضارة، وإلا بفضل العزلة التي عاش فيها هذا البلد بعيدا عن العالم طوال قرون عديدة من الزمن. أما بالنسبة على مستوى أكثر تقدما، فترينا المعلومات التي نقلت إلينا عن جزيرة كريت، أن الجماعة الفلاحية المستغلة، كانت مجبرة على تسليم كل نتاج عملها، باستثناء ما هي بحاجة ماسة إليه، إلى الجماعة المسيطرة التي لم تكن تعيش بفضل عملها في الحقول، بل بفضل ما تقدمه لها الجماعة الخاضعة، ومع هذا كانت تستهلك هذه الأتاواة بشكل جماعي شيوعي. فإذا ما تقدمنا خطوة أخرى على طريق التطور نصل إلى سبارطة حيث لم تعد الأرض ملكا للجماعة المستعبدة، بل ملكا للسادة الذين يوزعونها فيما بينهم عن طريق القرعة. إن فقدان الحق في ملكية الأرض، أدى إلى تمزيق التنظيم الاجتماعي للجماعة المستعبدة، بحيث تحول أعضاؤها أنفسهم إلى عبيد تمتلكهم جماعة السادة، أي أنهم أصبحوا قوة العمل التي يجري تقسيمها بشكل شيوعي بين السادة تبعا لتنظيم يتم بـ«اسم الدولة». أما السادة السبارطيون فظلوا يعيشون تبعا لنمط جماعي صارم. ومثل هذا الوضع يبدو أنه هيمن، بشكل أو بآخر، في تيساليا، حيث خضع سكان المنطقة الأصليون، البنستوس، (أو القوم الفقراء)، لسيطرة الأيوليين، وفي بيثينيا حيث استعبدت قبائل تراسيوس (التراقية) سكان المنطقة الأصليين من «المارياندين».
إن هذا الوجود الطفيلي، قد أدى –بشكل لا يقاوم- إلى إدخال بذرة تحلل واضمحلال الجماعة المهيمنة نفسها. فالغزو وضرورة تحويل الاستغلال إلى مؤسسة دائمة، أديا إلى تطور هائل للجهاز العسكري، وهي ظاهرة نلاحظها كذلك في دولة الأنكا وفي الدول السبارطية. وهذه الظاهرة هي أساس اللامساواة، وأساس قيام الشرائح المتمتعة بالامتيازات داخل جمهرة الفلاحين المتساوين والأحرار أصلا. عن ذاك بات يكفي أن تصبح الظروف الجغرافية والتاريخية ملائمة، وأن يوقظ الاصطدام بالشعوب الأكثر تحضرا، حاجات أكثر تطورا ورغبة في التغيير حتى تعم اللامساواة لدى السادة، وحتى يضعف التماسك الشيوعي، مخليا مكانه لملكية خاصة أدت إلى انفصال حاد بين الأغنياء والفقراء. والواقع أن بدايات التاريخ اليوناني بعد الاصطدام بالحضارات الشرقية القديمة، توفر لنا مثالا كلاسيكيا على هذه الظواهر. فالحقيقة أن نتيجة خضوع جماعة شيوعية بدائية لأخرى، هي على المدى الطويل، وعلى الدوام، نفسها: تتفكك الروابط الشيوعية التقليدية عند السادة كما عند العبيد، ويتكون مجتمع جديد تسوده الملكية الخاصة والاستغلال والتفاوت. إن تاريخ المشاعيات الزراعية في الأزمان الكلاسيكية القديمة يؤدي، من جهة، إلى التعارض بين جمهرة من صغار الفلاحين المديونين، وبين النبلاء الذين يحتفظون بالخدمة العسكرية حقا لهم، وبالتالي يهيمنون على الوظائف العامة والتجارة ويتملكون الأراضي المشتركة، ومن جهة أخرى إلى التعارض بين مجتمع الرجال الأحرار هذا ككل، وبين العبيد الخاضعين للاستغلال.
والحقيقة أنه لم تكن ثمة سوى خطوة واحدة بين هذه الأشكال المتعددة للاستغلال الطبيعي للبشر الخاضعين عسكريا لسيطرة جماعة أخرى، وبين شراء الأفراد للعبيد ولقد اجتاز اليونانيون هذه الخطوة بسرعة، بفضل المبادلات البحرية، وبفضل التجارة العالمية مع الدول البحرية الأخرى، وما نتج عنها. ويلاحظ العالم تشيكوتي أن ثمة اختلاف بين نمطين من العبودية: «فأولا هناك النمط الأكثر قدما، والأكثر أهمية وانتشارا، وهو نمط الاستعباد الاقتصادي، الذي نجده عند عتبة التاريخ اليوناني، وهذا الاستعباد ليس هو العبودية بل هو نمط من العبودية يمكننا أن نطلق عليه اسم: الاستتباع». أما ثيوبومبوس فيلاحظ أن «أول اليونانيين، بعد التبساليين واللاكدمونيين، الذين استخدموا العبيد، كان سكان جزيرة «كيو»، غير أنهم لم يتملكوهم كما فعل أولئك.. ونحن يمكننا أن نرى بأن اللاكدمونيين والتيساليين، قد صنعوا لأنفسهم طبقة عبيد مؤلفة من اليونانيين الذين وجدوا في البلاد قبلهم، وذلك عبر إرغامهم الأخيين والبربيين والمانتيتيين على خدمتهم بعد أن أطلقوا عليهم اسم الهلوطس أو البنستيس. أما سكان «كيو» فلقد جاؤوا بعبيدهم من البرابرة غير اليونانين، وكانوا يشترونهم مقابل أثمان محددة»، ويضيف تشيكوتي، على صواب، بأن سبب هذا التمايز يعود إلى درجات التطور المختلفة لشعوب الداخل، من جهة، وشعوب الجزر من جهة أخرى. فالغياب التام له، أولا جدوى، الثروة المتراكمة، والتطور غير الكافي للمبادلات التجارية كانا يستبعدان، في أولى الحالتين، قيام إنتاج مباشر ومتعاظم عن طريق المالكين، كما كانا يستبعدان أي استخدام مباشر للعبيد، وكانا يؤديان إلى نوع بدائي من فرض الأتاوة، وإلى تقسيم للعمل، وإلى تكون للطبقات، وكلها أمور كانت تجعل من الطبقة المسيطرة فريقا مسلحا، ومن الطبقة الخاضعة للسيطرة جمهرة من الفلاحين» [71].
لقد كشف لنا التنظيم الداخلي لإمبراطورية الأنكا عن سمة هامة من سمات المجتمع البدائي، واظهر لنا –في الوقت نفسه- واحدة من الدروب التي أدت به إلى التدهور. ونحن، حين ندرس الفصل التالي من تاريخ الهنود البيروفين، وهنود المستعمرات الأسبانية الأخرى في أمريكا، سنرى دربا آخر سار فيه هذا الشكل من أشكال المجتمع. لاسيما وأن لدينا هاهنا منهجا آخر للغزو لم تعرفه السيطرة التي مارستها الأنكا. فالواقع أن السيطرة الأسبانية، والأسبان هم أول الأوربيين الذين وصلوا إلى العالم الجديد، بدأت باكرا عن طريق إبادة، لا تعرف الرحمة، للشعوب الخاضعة. واستنادا إلى شهادات جاءت على لسان شهود عيان أسبانيين، نجد أن عدد الهنود الذين أبادهم الأسبان خلال السنوات القليلة التي تلت اكتشاف أمريكا قد وصل إلى ما بين 12 و15 مليون هندي. وهن هذا يقول «لاس كازاس»: «إننا مخولون بالقول بأن الأسبانيين، عن طريق تعاملهم الوحشي واللاانساني مع سكان المنطقة الأصليين، أبادوا نحو 12 مليون رجل وامرأة وطفل، وأنا أرى، شخصيا، بأن عدد السكان الأصليين الذين –اختفوا- في ذلك الوقت قد زاد حتى عن 15 مليون» [72].
أما هاندعان فيقول: «في جزيرة هايتي، بلغ عدد السكان الأصليين الذين وجدهم الأسبانيون، في عام 1492، مليون نسمة، ولكن في العام 1508 لم يكن قد بقي منهم سوى 60 ألفا، ثم بعد تسع سنوات فقط هبط العدد إلى 14 ألف، بحيث أن الأسبان اضطروا إلى استيراد الهنود من الجزر المجاورة لكي يحصلوا على ما يلزمهم من اليد العاملة. وهكذا، خلال العام 1508 وحده، نقلإلى هايتي نحو 40 ألف هندي من جزر الباهاما وحدها، ليحولوا إلى عبيد» [73].
لقد مارس الأسبانيون عملية مطاردة لا ترحم، ولا هوادة فيها، لذوي الجلد الأحمر، وكانت العملية من القسوة بحيث أن شاهدا عليها ومشاركا فيها، هو الإيطالي جيرولامو بنزوي يصفها لنا على النحو التالي: «جزئيا بسبب افتقارهم إلى الطعام، وجزئيا بسبب الحزن الذي خلفه لديهم انفصالهم عن أبائهم وأمهاتهم وأبنائهم، مات معظم الهنود الـ 4000 الذين طوردوا في جزيرة كومانغا ثم أسروا، وذلك خلال نقلهم إلى ميناء كوماني. ففي كل مرة يبدو على هندي أنه أكثر إرهاقا من أن يتمكن من مواكبة رفاقه، كان الأسبانيون يغرزون في مؤخرته خناجرهم ويقتلونه بشكل وحشي، وذلك خوفا من أن يخلفوه وراءهم فيرتد عليهم ويقتلهم. لقد كان مشهدا يدمي القلوب، ذاك الذي كنا نشاهد فيه أولئك التعساء، وهم عراة منهكون مثخنون بالجراح، وأهلكهم الضعف الناتج عن الجوع الذي برّح بهم، بحيث كانوا بالكاد قادرين على الصمود. وفوق هذا كله كانت سلاسل الحديد تحيط برقابهم وأيديهم وأقدامهم. ولم يترك الأسبان بينهم امرأة إلا واغتصبوها، مما أدى إلى إصابة الكثيرين بمرض الزهري الخبيث، أما كافة السكان الأصليين المعتبرين أرقاء، فلقد دمغوا بالحديد الأحمر. وكان توزيع العبيد يتم على أساس أن يحتفظ الضباط لأنفسهم بالعدد الأكبر، ومن ثم يوزعون الباقي على الجنود. وهؤلاء كانوا يراهنون –يلعبون القمار- عليهم، أو يبيعونهم إلى المستوطنين الأسبان. وكان ثمة تجار يحصلون على العبيد مقابل الخمر والطحين والسكر وبعض المواد الضرورية الأخرى، ومن ثم ينقلونهم إلى المناطق المستوطنة، حيث كان الطلب على العبيد في ازدياد. وخلال عملية النقل كان قسم من أولئك البائسين يهلك بسبب فقدان الماء، وبسبب تعفن الهواء في الكبائن، حين كان التجار يكدسونهم فوق بعضهم البعض في قاع السفن، دون أن يتركوا لهم فسحة يجلسون فيها، أو حيزا يؤمن نقل هواء نقي إليهم ليتنفسوا» [74]. في هذه الأثناء، ولكي يوفروا على أنفسهم مشقة مطاردة ذوي الجلد الأحمر، وتكاليف شرائهم، وطد الأسبانيون في الجزر وفي القارة الأمريكية نظاما يقال له «ريبارتيمينتيس»- أي نظام اقتسام الأرض-. وتبعا لهذا النظام كانت كافة الأراضي المحتلة تقسم إلى مناطق على زعمائها أن يتولوا بأنفسهم إعطاء الأسبانيين العدد المطلوب من العبيد. وكان كل مستوطن أسباني ينال، دوريا، من الحاكم، عددا من العبيد شرط أن يهتم «بتنصيرهم»- أي بجعلهم مسيحيين- [75]. أما المعاملة السيئة التي كان العبيد يعاملون بها فكانت تتجاوز كل خيال. بل وأن القتل نفسه كان يعتبر ثوابا، إن مورس على الهنود. ويقول أحد معاصري تلك المرحلة: «إن كافة السكان الأصليين الذين يؤسرون من قبل الأسبان، كانوا يرغمون على القيام بأعمال مرهقة وشاقة في المناجم، بعيدا عن قبائلهم وعائلاتهم، وتحت التهديد الدائم بأبشع أنواع العقوبات الجسدية. لذا لم يكن من المدهش أن ألوف العبيد، الذين لم يكونوا ليجدون أية وسيلة أخرى للخلاص من هذا المصير البشع، كانوا لا يكتفون بوضع حد لحياتهم عن طريق الشنق أو الغرق أو بوسائل أخرى، بل كانوا يستبقون هذا بقتل نسائهم وأطفالهم، على أمل أن يتمكنوا بهذا من إنهاء تعاستهم المشتركة التي لا مهرب آخر منها. ومن جهة ثانية كانت النساء يلجأن إلى الإجهاض، أو يتفادين معاشرة الرجال لكيلا يؤدي هذا بهن إلى توليد مزيد من العبيد البؤساء» [76].
ولقد علم المستوطنون، عن طريق كاهن إمبريالي فاسد هو الأب غارسيا دي لويوزا، بأن ثمة مرسوما أصدره شارل كان ينص، بشكل إجمالي، على أن الهنود العبيد يكونون ملكا للمستوطنين الأسبان عن طريق الوراثة أيضا. ويزعم بنزوني أن هذا المرسوم لم يكن يطبق إلا في جزر الكاراييب، غير أنه –أي المرسوم- فسر طويلا وطبق باعتباره يسري على كافة الهنود. أما المستوطنون الأسبان، وعلى سبيل تبرير أفعالهم الوحشية الشنيعة، فقلد نشروا، بشكل مستمر ودائب، حكايات رهيبة عن عمليات أكل لحوم البشر، وغيرها من «الجرائم المذهلة» التي كان الهنود يقومون بها، ولقد انتشرت مثل هذه الحكايات بشكل جعل مؤرخا فرنسيا معاصرا يدعي مارلي دي شاتيل، يروي في كتابه «التاريخ العام للهند العربية» الصادر في باريس العام 1569 أن «الله قد عاقبهم –أي الهنود الحمر- بسبب خبثهم ورذائلهم وفرض عليهم أن يصبحوا عبيدا، إذ حتى سام بن نوح لم يخطئ في حق أبيه، بشكل زاد عن الخطايا التي ارتكبها الهنود في حق الله». ومع هذا ثمة كاتب أسباني، معاصر بدوره، اسمه أكوستا كتب في مؤلف له عنوانه «التاريخ الطبيعي والأخلاقي للهنود» صدر في برشلونة العام 1591، يقول بأن هؤلاء الهنود أنفسهم كانوا «طيبين، وعلى استعداد دائم لتقديم الخدمات إلى الأوربيين، لقد كانوا شعبا يبدي، في سلكوه، براءة مذهلة وإخلاصا يكفي لمعاملتهم بحنان وحب، لولا أن المتعاملين معهم كانوا وحوشا محرومين من كل صفة إنسانية».
لقد كان من الواضح أن ثمة محاولات جرت للتصدي لتلك الوحشية. ففي العام 1531، مثلا، نشر البابا بولس الثالث، منشورا كنسيا أعلن فيه أن الهنود هم جزء من الجنس البشري، ولذا يجب ألا يتحولوا إلى عبيد أرقاء. وكذلك أعلن المجلس الإمبريالي الأسباني لشؤون الهند الغربية، بدوره، أنه يقف ضد العبودية. غير أن هذه الجهود كلها إنما تشهد على الفشل الذي أصابها، أكثر مما تشهد على إخلاصها.
إن ما حرر الهنود من العبودية، لم يكن العمل الطيب الذي قام به رجال الدين الكاثوليك، ولا الاحتجاجات التي تقدم بها الملوك الأسبان، بل واقع أن وضعهم الجسماني والنفساني، قد جعلهم –في آخر الأمر- غير قادرين على القيام بالعمل العبودي الشاق. وعلى المدى الطويل، لم يكن بامكان وحشية الأسبان المذهلة أن تفعل شيئا تجاه هذه الاستحالة –استحالة الاستمرار في العمل- فذوو الجلد الأحمر العبيد كانوا يموتون كالذباب، كانوا يهربون أو ينتحرون.. أي أن العملية كلها لم تعد مربحة على الإطلاق. والعملية كلها لم تتوقف إلا حين واتت الأسقف لاس كازاس، المدافع الحار النشيط عن الهنود، فكرة استبدال الهنود غير القادرين على العمل، بزنوج عمالقة أقوياء يستوردون من أفريقيا.. وعند هذا فقط توقفت التجارب اللامجدية التي مورست على الهنود طويلا. ولقد كان لهذا الاكتشاف العمل مفعول أكثر سرعة وحسما من كافة البيانات التي كان لاس كازاس قد أصدرها بصدد الفظائع الأسبانية. وهكذا، بعد عدة عقود من السنين، تحرر الهنود من العبودية، ليبدأ استعباد الزنوج.. هذا الاستعباد الذي دام أربعة قرون. وعند نهاية القرن الثامن عشر حمل نبيل ألماني اسمه نتلبك (من كلبرغ)، وهو قبطان سفينة، حمل معه من غينيا إلى غويانا، حيث كان ثمة «ألمان نبلاء آخرون» ينهبون المزارع الفسيحة، حمل مئات من العبيد السود الذين كان قد حصل عليهم في أفريقيا عن طريق المقايضة مع بعض البضائع، وكدسهم في قعر سفينته، تماما مثلما كان يفعل التجار الأسبان في القرن السادس عشر.
كان الأمر مماثلا، غير أن تقدمية عصر الأنوار وإنسانيته برزتا هنا، حين كان نتبلك يدفع عبيده إلى الرقص كل مساء فوق سطح السفينة، كدواء ضد الحزن الذي كانوا يشعرون به، وهي فكرة لم تراود أبدا أذهان تجار العبيد الأسبان المفعمين بالشر. وعند نهاية القرن التاسع عشر، وبالتحديد في العام 1871، كتب النبيل دافيد ليفنغستون، الذي كان قد أمضى ثلاثين عاما في أفريقيا بحثا عن منابع النيل، كتب يقول في رسالته الشهيرة إلى الأمريكي غوردون بنيت: «إذا كان ما أمطت عنه اللثام حول الوضع في ودجيدجي من شأنه أن يضع حدا لتجارة العبيد الرهيبة في أفريقيا الشرقية، أجدني مهتما بالوصول إلى هذه النتيجة، أكثر ألف مرة من اهتمامي باكتشاف منابع النيل كلها. لقد ألغي الرق عندنا، فهات مد لنا يدك المنقذة والقوية، للوصول إلى هذه النتيجة. إن هذا البلد مصاب بلعنة رهيبة، هي لعنة كلي القدرة..»
ومع هذا فإن وضع الهنود في المستعمرات الأسبانية لم يعرف أي تحسن على الإطلاق. وكل ما في الأمر أن نظام استيطان جديد حل مكان النظام القديم. وبدلا من نظام «الديبارتيمينتس»، الذي كان يهدف مباشرة إلى استبعاد السكان الأصليين، صار هناك نظام يعرف بـ«الأننكومينداس». وضمن هذا النظام كان يعترف للسكان بحريتهم الشخصية وبملكيتهم الكاملة للأرض. أما الأراضي كلها فأخضعت لإدارة المستوطنين الأسبان المتحدرين، في معظمهم، من صلب الغزاة الأول، والذين بات عليهم الآن بوصفهم «الكومنديروس» ممارسة وصاية على الهنود الذين اعتبروا قاصرين، كما بات عليهم، وبشكل خاص، أن يبشروا بينهم بالدين المسيحي. ومن أجل تغطية مصاريف إنشاء الكنائس، كما من أجل التعويض على التعب الذي يصيب الأسبان من جراء ممارستهم للوصاية المذكورة، كان يحق لهؤلاء، شرعيا، أن يفرضوا على السكان «أتاوات معتدلة، نقدية وعينية». والواقع أن هذه المراسيم كانت كافية لتحويل الـ«الكومينداس»، وبشكل سريع، إلى شيء أشبه بالجحيم بالنسبة إلى الهنود. لقد تركت لهؤلاء الأرض، بوصفها ملكا للقبيلة لا يقسم. غير أن الأسبان لم يضموا هذه الأرض، أو بالأحرى لم يشاؤوا أن يضموا إليها، سوى الأراضي المشجرة. أما الأراضي غير المزروعة، أو حتى تلك التي تعيش فترة استراحتها، فكانت سرعان ما تصادر بوصفها «أراض مهجورة»، ولقد مورست هذه المصادر بشكل منتظم ومخجل، دفع واحدا مثل زويتا لكي يكتب حول هذا الأمر قائلا: «ليس هناك قطعة من الأرض أو مزرعة لم تعلن ملكا للأوربيين، دون أدنى اهتمام بالإساءة التي يلحقها هذا الأمر بمصالح وحقوق السكان الأصليين، الذين يرغمون –انطلاقا من هنا- على ترك الأراضي التي يقطنون فيها منذ ساحق الزمن. بل وليست نادرة تلك المرات التي تؤخذ فيها منهم، الأراضي التي زرعوها بأنفسهم بدعوى إنهم لم يبذروا الحب فيها إلا لكي يمنعوا الأوربيين من مصادرتها. وبفضل هذا النظام تمكن الأسبانيون من توسيع أملاكهم في بعض الأقاليم، بشكل لم يتركوا معه أية قطعة أرض يمكن للهنود زراعتها» [77]. وفي الوقت نفسه زاد «النكومنديروس» -الأوصياء- من كمية الأتاوات «المعتدلة» التي كانت، بحملها الثقيل، تسحق الهنود. ويقول زوريتا نفسه حول هذا الأمر: «أن كل أملاك الهندي لا تكفيه لدفع الضرائب المفروضة عليه. لذا كان غالبا ما نلتقي بين الهنود، أشخاصا لا تصل ثروتهم إلى ما يعادل البيزو –عملة أسبانية- الواحد، فيضطرون إلى القيام بالعمل المأجور لكسب معيشتهم، بل ولم يكن ليتبقى لدى أولئك التعساء ما يمكنهم من إعالة أسرهم لهذا نجد معظم الشبان يفضلون العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وخاصة حين لا يكون أهلهم، يملكون أربع أو خمس ريالات. إنه لمن الصعب على الهنود الحصول على ثمن الألبسة، ولأن كثيرين منهم غير قادرين على سراء الثياب، كانوا كثيرا ما يتخلفون عن حضور القداس في الكنائس فهل ندهش بعد هذا إن علمنا أن كثيرين منهم يصابون باليأس، إذا لا يجدون وسيلة تمكنهم من الحصول على الطعام الضروري لهم ولعائلتهم؟ لقد علمت خلال رحلاتي الأخيرة أن هنودا كثيرين قد شنقوا أنفسهم يأسا من الحياة، بعد أن شرحوا لنسائهم وأطفالهم إنما يفعلون هذا بسبب عجزهم عن دفع الضرائب المفروضة عليهم» [78].
ومن أجل استكمال سرقة الأراضي والضغط بالضرائب، استنبط العملا الإرغامي. ففي بداية القرن السابع عشر عاد الأسبانيون إلى النظام الذي كانوا قد تخلوا عنه شكليا خلال القرن السادس عشر. لقد ألغي الرق بالنسبة إلى الهنود، غير أنه استبدل بنظام عمل إرغامي خاص، لم يكن ثمة الكثير من الفرق بينه وبين الرق. ومنذ أواسط القرن السادس عشر، إليكم الصورة التي كان عليها وضع الهنود المأجورين العاملين لدى الأسبانيين، حسب ما جاء على لسان زوريتا: «خلال كل هذا الوقت لم يكن لدى الهنود ما يأكلونه سوى خبز الذرة.. وكان الانكوميندورس يشغلهم منذ الصباح حتى المساء، تاركا إياهم عراة الأجسام في مواجهة جليد الصباح والمساء، وفي وجه العواصف والأعاصير، دون أن يعطيهم للغذاء سوى خبز نصف يابس وعفن. وكان الهنود يمضون لياليهم في الهواء بلا غطاء ولا دثار. وبما أن الأجر لم يكن يدفع لهم سوى في نهاية حقبة العمل الإرغامي، لم يكن لدى الهنود ما يشترون به الثياب الدافئة الضرورية لهم. إذن، ضمن هذه الأوضاع لم يكن من المدهش أن العمل لدى الانكومندورس، كان عملا شاقا متعبا، بل ويمكن اعتباره واحدا من أهم الأسباب التي أدت إلى فناء ذوي الجلد الأحمر».. [79]
بيد أن نظام العمل الارغامي المأجور هذا، توطد على يد التاج الأسباني في بداية القرن السابع عشر. ويفسر لنا قانون هذا النظام، في حيثياته، أن الهنود لم يكونوا راغبين في العمل تلقائيا، وان المناجم -بدونهم- كانت بلا نفع، إذ لا يمكن استخراج ثرواتها، بالرغم من تواجد الزنوج. لذا كانت السلطات تجبر القرى على تقديم العدد المطلوب من العمال (وهو سبع عدد سكان البيرو، وربع عدد سكان «أسبانيا الجديدة»)، وهؤلاء العمال كانوا جميعا يوضعون تحت رحمة «الانكومندروس». وهكذا سرعان ما تمخض هذا النظام عن نتائج مميتة بشعة. وفي رسالة مجهولة المؤلف، موجهة إلى فيليب الرابع وتحمل عنوانا يقول: «تقرير حول الوضع الخطير في مملكة الشيلي، ومن وجهة نظر زمنية وروحية» يمكننا أن نقرأ ما يلي: «أن السبب المعلوم للتناقض السريع الحاصل في عدد السكان الأصليين، وهو نظام العمل الارغامي في مناجم الانكومندورس وحقولهم. فمع أن لدى الأسبانيين عددا هائلا من الزنوج، وبالرغم من أنهم فرضوا على الهنود ضرائب فادحة، لم يسبق لهؤلاء أن دفعوا مثلها لزعمائهم قبل الاحتلال، إلا أنهم –أي الأسبانيين- يعتبرون من المستحيل التخلي عن نظام العمل الارغامي» [80].
بالإضافة إلى هذا كان من نتيجة العمل الارغامي، أن الهنود غالبا ما كانوا يعجزون عن زراعة حقولهم مما كان يوفر للأسبانيين فرصة طيبة لمصادرة هذه الحقول باعتبارها «أرض مهجورة». ولقد قدم انهيار الزراعة الهندية، بشكل تلقائي، أرضية طيبة لتفاقم الربا. ويقول زوريتا أن «الهنود لم يكونوا يعرفون الربا والمرابين، أيام كانوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم».. ولقد أتى الأسبان ليعرفوهم، بشكل وثيق، على هذا النتاج «الرائع» من مخلفات الاقتصاد النقدي والضغط الضرائبي. وهكذا، بعد أن غرقت بالديون، تحولت الأراضي الهندية التي لم يكن الأسبان قد استولوا عليها بعد، تحولت بشكل جماعي إلى أيدي الرأسماليين الأسبان.. والحقيقة أن هذا الأمر بالذات يشكل فعلا أسود من تاريخ الدناءة الأوربية. فسرقة الأرض والضرائب والعمل الارغامي والربا، شكلت على السواء سيفا من الحديد ضرب وحطم وجود المشاعيات الزراعية الهندية. بحيث أن تدهور هذه الأوضاع الاقتصادية كان كاف ليفكك النظام التقليدي السائد، وكافة الروابط الاجتماعية التي كانت قائمة فيما بين الهنود بل ولم يكتف الأسبان بهذا، بل عمدوا، إلى إحداث تمزيق نهائي ومنتظم لتلك الأوضاع الاقتصادية، وذلك عبر إلغاء السلطات التقليدية وإزاحتها. وعلى هذا النحو أصبح الانكومندورس الأسبان هم الذين يصادقون على بقاء زعماء القرى والقبائل في مهامهم، وعلى هذا كان الأسبان ينتهزون الفرصة لتعيين أتباعهم وعملائهم، وهم من بين الأفراد الأكثر انحطاطا ودناءة في المجتمع الهندي. وإضافة إلى هذا كان الأسبان كثيرا ما يعمدون إلى إثارة الهنود ضد زعمائهم. وبالاستناد إلى التبرير المسيحي القائل بـ«ضرورة حماية السكان إزاء استغلال الزعماء لهم»، كانوا غالبا ما يحرروهم من كل ما يجبرهم على دفع الأتاوات لهؤلاء الزعماء. ويقول زوريتا: «يعتقد الأسبانيون أن بامكانهم الاستناد إلى ما يحدث حاليا في أسبانيا، لكي يؤكدوا على أن الزعماء يستغلون قبائلهم، غير أنهم هم –أي الأسبانيين- المسؤولون عن هذا النهب، لأنهم هم الذين حرموا الزعماء القدامى من مكانتهم ومن مداخيلهم، واستبدلوهم بزعماء جدد اختاروهم من بين صنائعهم» [81].
وكذلك كان الأسبان يسعون إلى استثارة انتفاضات حين كان زعماء القرى أو القبائل يحتجون ضد النهب غير الشرعي الذي تتعرض له أراضي هذا أو ذاك من أفراد الجماعة، على يد الأسبان. وكانت نتيجة هذا ثورات وانتفاضات مزمنة. وسلسلة من الدعاوي والمحاكمات بين السكان الأصليين بسبب عمليات التقسيم غير الشرعي للأراضي. وهكذا أضيفت الفوضى إلى البؤس والجوع والعبودية، لتجعل هذه كلها من حياة الهنود جحيما حقيقيا. أما حصيلة تلك الوصاية الأسبانية والمسيحية فيمكن تلخيصها على النحو التالي: تملك الأسبانيين للأراضي، صحبته إبادة جماعية للهنود. وعن هذا يقول زوريتا: «في كافة الأراضي الهندية التي نهبها الأسبانيون، كانت القبائل الهندية تندثر كليا، أو تتضاءل حجما وعددا.. هذا بالرغم من أن البعض يحاولون الادعاء بأن العكس هو الصحيح. كان السكان الأصليون يهجرون ديارهم وأراضيهم التي فقدت، بالنسبة إليهم، كل قيمتها بالنظر إلى الأتاوات العينية والنقدية الهائلة التي كانوا يجبرون على دفعها، وكانوا يتوجهون إلى بلدان أخرى، متشردين بشكل دائم، بين منطقة وأخرى، أو مختبئين في الغابات مغامرين بأن يصبحوا ذات يوم فريسة سهلة للحيوانات المفترسة. كان الكثيرون منهم ينهبون حياتهم انتحارا، وهو أمر شهدته بنفسي مرارا وتكرارا عن طريق الملاحظة الشخصية، أو خلال أحاديث كنت أطرحها على بعض السكان» [82]. بعد ذلك بنحو نصف قرن، كتب موظف كبير آخر من موظفي الحكومة الأسبانية في البيرو، هو خوان اورتيو دي سر فانتس، كتب يقول: «أن عدد السكان الأصليين في المستعمرات الأسبانية يتقلص بشكل متزايد، فهم يهجرون ديارهم ويتركون أراضيهم بدون زراعة، بحيث أن الأسبانيين كانوا بالكاد يجدون ما يكفيهم من المزارعين والرعاة. وقبيلة «الميتاي» التي بدونها كان من المستحيل استخراج الثروات من مناجم الذهب، كانت إما تترك نهائيا المدن التي يقطنها الأسبانيون، أو يتناقص عددها وتزول بسرعة تدعو إلى العجب، إن هي بقيت» [83]. والواقع أنه ينبغي علينا أن نبدي إعجابنا بالمقاومة المذهلة التي كان يبديها السكان الهنود، دفاعا عن مؤسساتهم الشيوعية الزراعية التي ظلت لها بقايا قائمة حتى القرن التاسع عشر بالرغم عن كل الظروف السيئة التي تحدثنا عنها.
من جهة ثانية نجد أن المستعمرات الإنكليزية في الهند، ترينا مصائر المشاعية الزراعية القديمة، في سمة أخرى من سماتها فها هنا، وبشكل أفضل مما في أي ركن آخر من العالم، بامكاننا أن ندرس أكثر أشكال ملكية الأرض اختلافا، وهي أشكال تصور لنا تاريخيا يمتد إلى أزمان موغلة في القدم. فهنا توجد المشاعيات القروية جنبا إلى جنب مع المشاعيات العشائرية، ويوجد توزيع دوري لقطع متساوية من الأرض جنبا إلى جنب مع تمليك قطع غير متساوية من الأرض لمدى الحياة، وتوجد زراعة جماعية الأرض إلى جانب الاستغلال الفردي الخاص لها، وتوجد مساواة بين كافة سكان القرية بالنسبة إلى حقوقهم في الأراضي المشتركة إلى جانب امتيازات تعطى لعدد من الجماعات... وأخيرا، إلى جانب كل أشكال الملكية العامة هذه، ثمة وجود لملكية خاصة الأرض، إما على شكل قطع زراعية صغيرة، وإما على شكل مزارع تعطى لآماد قصيرة، وإما على شكل إقطاعيات كبيرة- إن هذا كله هو الذي كان بالامكان دراسته بحجم طبيعي منذ بضع عشرات من السنين، في الهند. أما أن تكون المشاعيات الزراعية شيئا قديم الوجود في الهند، فأمر تشهد عليه الوثائق القضائية الهندية، ومنها ذلك القانون القديم المتعارف عليه والمسمى «المانو» ويعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وهو يحوي عددا من البنود التي تنص على تخطيط الحدود بين المشاعيات، وإقامة مشاعيات جديدة على الأراضي التي تخص المشاعيات القديمة، ولا يمكن تقسيمها.
وهذا القانون العرفي لا يعترف بالملكية إن لم تكن قائمة على العمل الشخصي، وهو يأتي على ذكر العمل الحرفي بوصفه عملا ملحقا بالزراعة.. ويحاول أن يقضي على القوة الاقتصادية للكهنة (البراهمين)، عبر عدم السماح لهم بتلقي هدايا تخرج عن نطاق المواد المنقولة. أما أمراء المستقبل (الراجات) فلا يذكرهم القانون إلا باعتبارهم زعماء منتخبين للقبائل. أما القانونان العرفيان الأكثر حداثة (البادجنافالكبا والنارادا) العائدان إلى القرن الخامس، فينظران أيضا إلى مسألة التنظيم الاجتماعي، ضمن الشراكة العشائرية، والقوة العامة والعدالة، على أنها أمور يجب أن تكون بين أيدي مجلس الجماعة. وهذا المجلس يكون مسؤولا بالتكافل والتضامن، عن كافة الخسائر والجرائم التي يحدثها أعضاء جماعته. والزعيم المنتخب يوضع على رأس القرية. وينصح القانونان المذكوران باختيار الرجال العادلين والمسالمين لممارسة هذه المهمة وبضرورة إطاعتهما من قبل الجميع. ويمير قانون «نارادا» بين نوعين من المشاعيات: «المشاعيات القائمة على روابط القربى العشائرية» و«التعايشيات» أي المشاعيات القائمة على روابط الجوار. والقانونان معا لا يعترفان، كما ذكرنا أعلاه، إلا بالملكية القائمة على أساس العمل الشخصي: ومن هنا كانت أي أرض مهجورة تعطى للذي يأخذها ليزرعها، أما التملك غير المشروع فلا يعترف به، حتى ولو لبعد ثلاثة أجيال متعاقبة، إلا إذا كان يصحبه عمل شخصي.
إذن، نرى حتى الآن هذا الشعب الهندي عائشا تبعا لنفس العلاقات الاجتماعية، وضمن نفس العلاقات الاقتصادية البدائية. وذلك لقرون طويلة من الزمن، في أراضي الهندوس، ثم بعد ذلك خلال العهد البطولي، عهد الغزوات التي طالت ضفاف الغانج، والتي تروي لنا حكاياتها، الملحمتان الشعبيتان المعروفتان باسم: الرامايانا والمهابهاراتا. ونحن، لولا التعليقات الواردة في هذين القانونين، وهي تعليقات تعتبر على الدوام، الدليل المميز للتبدلات الاجتماعية الحاصلة وللجهد المبذول في سبيل تفسير بعض المبادئ الحقوقية القديمة تبعا للمصالح الجديدة، أقول لولا هذه التعليقات العائدة إلى القرن الرابع عشر، لما حصلنا على أي دليل يقول لنا بان المجتمع الهندي –في تلك الحقبة- كان قد عرف تبدلات اجتماعية عميقة. وفي هذه الأثناء كانت قد تكونت شرعية من الكهنة سرعان ما ارتفعت ماديا وحقوقيا، فوق مستوى الجماهير الفلاحية.. ومن هنا بدا الشراح والمفسرون –تماما كما فعل زملاؤهم المسيحيون في الغرب الإقطاعي- بمحاولة تفسير اللغة الجلية التي تسود القوانين القديمة، بشكل يجعلها تبرر الملكية العقارية التي استحوذ عليها الكهنة، وتشجع تقديم الهبات غير المنقولة (الأراضي) للبراهمين، وتنشط –على هذا النحو- عملية تقسيم أراضي المشاعيات، وتكوين ملكيات عقارية كبيرة عقارية كبيرة تخص الكهنة، وذلك على حساب الجماهير الفلاحية. والواقع أن هذه الظاهرة كانت أحد الأشياء التي تميز مصير كافة المجتمعات الشرقية.
إن المسألة [84] الحيوية بالنسبة إلى كل زراعة متطورة بعض الشيء، في معظم مناطق الشرق، هي مسألة الري الصناعي. ففي الهند كما في مصر، نلاحظ منذ أزمان مبكرة أن ثمة أعمال ري هائلة الحجم، تعتبر أساسا صلبا للزراعة، وهي عبارة عن قنوات أو منابع، أو إجراءات منتظمة تضمن تكييف الزراعة مع الفيضانات الدورية. والواقع أن هذه الأشغال تتجاوز –ومنذ البداية- قوى المشاعيات الزراعية المعزولة، ومبادرتها ومخططاتها الاقتصادية. إذ يحتاج الأمر، في سبيل إدارة هذه الأشغال وإنجازها، إلى سلطة تضع نفسها فوق مستوى المشاعيات القروية، التي كان بامكانها أن توحد لها قواها العاملة، وكذلك كان الأمر يحتاج إلى سيطرة على الطبيعة، تكون على مستوى أعلى من ذاك الذي يمكن أن يصل إليه فلاحون منعزلون ضمن حدود قراهم. ومن هذه الاحتياجات كلها، ولد الدور الهام الذي لعبه كهنة الشرق: فهم عن طريق ملاحظاتهم للطبيعة التي بها يرتبط كل دين طبيعي، وعن طريق تحررهم من كل مساهمة مباشرة في الأعمال الزراعية، كانوا أقدر من غيرهم على إدارة أشغال الري العامة ذات الحجم الكبير. وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا الدور الاقتصادي البحت، على المدى الطويل، إلى إعطاء الكهنة قوة وسيطرة اجتماعية خاصة، أي تخصص قطاع من المجتمع، هذا التخصص الناتج عن تقسيم العمل، حول هذا القطاع إلى شريحة وراثية على حدة، لديها كل المصالح التي للمستغلين –بكسر الغين- في مواجهة الجماهير الفلاحية. وكانت هذه العملية تكتمل بشكل يقل أو يزيد سرعة، ويقل أو يزيد جذرية، حسب الشعوب المعنية، وكانت تظل عند حدودها الجنينية، كما لدى هنود البيرو، أو تصل إلى نوع من الأوتوقراطية، كما عند العبرانيين القدامى أو في مصر، وذلك تبعا للظروف الجغرافية والتاريخية الخاصة، وتبعا للصدامات الدموية مع الشعوب المجاورة، وهي صدامات كانت تؤدي إلى تطور شريحة قوية من المحاربين، إلى جانب شريحة الكهنة، كانت غالبا ما تقف منها موقف المنافس. وفي جميع الأحوال كانت الحدود الانعزالية الخاصة للمشاعية الشيوعية القديمة، ذات التنظيم العاجز عن القيام بمهمات ضخمة ذات طبيعة اقتصادية أو سياسية، كانت تجبر هذه المشاعيات على القبول بهيمنة السلطات التي كانت تتولى تلك المهمات، وذلك بشكل خارج عنها وأعلى من مستواها. والواقع أن هذه المهام هي التي فتحت الطريق أمام السيطرة السياسية والاستغلال الاقتصادي اللذين طالا الجماهير الفلاحية التي هيمن عليها غزاة الشرق (سواء أكانوا من المنغول أم من الفرس أو العرب) هؤلاء الغزاة الذين تولوا، في البلدان المحتلة، كافة المسائل المتعلقة بالأشغال العامة الكبرى، التي هي الشرط الحيوي للزراعة.. ناهيك عن السلطة العسكرية. وتماما مثلما فعل الأنكا في البيرو، حين اعتبروا من امتيازاتهم وكذلك من واجبهم، وضع يدهم على أشغال الري وإنشاء الطرق والموانئ، هكذا كان الحال مع المستبدين الآسيويين الذين تعاقبوا على حكم الهند طوال قرون من الزمن.. وتوجهوا نفس ذاك التوجه.
غير أن القرية الهندية استمرت في حياتها الهادئة والمتواضعة بالرغم من تكوّن الشرائح، وبالرغم من السيطرة الأجنبية التي هيمنت في البلاد، وبالرغم من كافة التقلبات السياسية. وفي داخل كل قرية استمرت القواعد والنظم التقليدية في تحريك الجماعة، وتحت حمأة عواصف التاريخ السياسي كان لتلك تاريخها الداخلي الخاص، وكانت تسير على هدي أشكال تحولاتها العريقة، عابرة من حالة الازدهار إلى حالة الانهيار فحالة التحلل فحالة الولادة من جديد. إنه لمن الغريب أن أي مدون للتاريخ لم يعمد إلى تسجيل هذه الظواهر، وبينما نجد أن التاريخ العالمي قد أتى على وصف الحملة الجريئة التي قام بها الاسكندر منطلقا من مقدونيا إلى الهند، وعلى وصف قرقعة السلاح الدموي الذي شهره تيمرولنك والمنغول، نجد أنه –أي التاريخ- قد صمت تماما دون التحدث عن التاريخ الاقتصادي الداخلي للشعب الهندي. إن الآثار والبقايا هي وحدها التي تتيح لنا إعادة بناء الصورة الافتراضية لهذا التطور الذي عرفته المشاعية الهندية، ولعل الفضل في القيام بهذه المهمة العلمية الهامة يعود بالدرجة الأولى إلى المؤرخ كوفالفسكي. وهذا العالم الفذ يخبرنا بأن مختلف أنماط المشاعيات الزراعية التي كانت تلاحظ في الهند حتى أواسط القرن التاسع عشر، تنقسم حسب المراحل التاريخية التالية:
1-الشكل الأكثر قدما، وهو الشكل المشاعي العشائري البحت الذي يشمل مجموع الأقرباء –قربى الدم- الذين يمتلكون الأرض بشكل جماعي ويزرعونها كذلك بشكل جماعي. في هذه الحالة لا يتم تقسيم الحقول بل الذي يقسم هو منتوج العمل الذي يجمع في عنابر جماعية. إن هذا النمط من المشاعية القروية، وهو نمط بدائي للغاية، لم يستمر باقيا إلا في مناطق نادرة وقليلة في شمال الهند، حيث يشمل جزءا قليلا من السكان المتحدرين من الأقوام القديمة. ويرى كوفالفسكي في هذا النمط، المشابه لنمط «زادروغا» الذي يوجد في بوسينا وهرزغوفينا –في البلقان- نتاجا لتحلل علاقات الدم التي توزعت، إثر التعاظم المتسارع في عدد لسكان، إلى عدة عائلات كبرى افترقت بعضها البعض، هي وأراضيها. وفي نحو أواسط القرن الماضي، كان ثمة مشاعيات قروية هامة من هذا النمط تضم بعضها 150 فردا، وبعضها الآخر يصل عدد أفراده إلى 400 نسمة. أما الشكل المهيمن، على أي حال، فكان المشاعيات القروية الصغيرة التي لم تكن لتجتمع مع بعضها البعض إلا في حالات نادرة، منها على سبيل المثال الحالة التي تفرض عليها أن تتخلى عن جزء من ملكيتها العقارية. إما في حياتها العادية فكانت تعيش تلك الحياة المعزولة والمنظمة بشكل دقيق، التي وصفها كارل ماركس، باختصار، في «رأس المال» استنادا على المصادر الإنكليزية على النحو التالي [85]:
«إن هذه المشاعيات الهندية الصغيرة التي بوسعنا تتبع آثارها حتى ساحق الأزمان، والتي ما يزال لها وجود جزئي، ترتكز إلى مبدأ الملكية الجماعية للأرض، وإلى نوع من الإتحاد المباشر بين الزراعة وبين الحرفة، وإلى تقسيم عمل لا يتبدل، وهو تقسيم يصح اعتباره نموذجيا ومثالا يحتذى كل مرة تتشكل فيها مشاعيات جديدة. وهذه المشاعيات المقامة على أرض تبلغ مساحتها بين 100 وبضعة ألوف من الاكرات [86] تشكل هيئات إنتاج متكاملة وتكفي نفسها بنفسها. هنا نجد أن القسم الأكبر من الإنتاج يخصص للاستهلاك المباشر للجماعة، وهو لا يتحول إلى سلعة على الإطلاق، وذلك لأن الإنتاج مستقل عن تقسيم العمل المتكيف مع عمليات التبادل القائمة في مجمل المجتمع الهندي. أما الفائض فيتحول، وحده، إلى بضاعة ليقع أولا بين أيدي الدولة التي كانت تستحوذ، في الأزمان الغابرة، على جزء من الريع على شكل عيني. لقد كانت هذه المشاعيات ترتدي أشكالا مختلفة في مختلف أجزاء الهند. والمشاعية، في أشكالها الأكثر بساطة، كانت تزرع الأرض بشكل جماعي، وتقسم المنتوج بين أعضائها، فيما كانت كل عائلة، تقوم في مسكنها، بالأشغال المنزلية كالحياكة والنسيج..الخ. وإلى جانب هذا الجمهور المنهمك بأشغاله بشكل أحادي، نجد «المواطن الرئيسي» أي القاضي وقائد الشرطة وجابي الضرائب.. وكل هذه المهام كانت تجتمع في شخص واحد، ونجد ماسك الدفاتر الذي يسوّي الحسابات الزراعية وغيرها، ويدون كل ما يتعلق بها، أما الموظف العام الثالث فهو الذي يلاحق المجرمين ويحمي المسافرين الأجانب بمرافقتهم من قرية إلى أخرى، ونجد أيضا رجل –الحدود الذي يمنع أي تسلل قد تحاول القيام به المشاعيات المجاورة، ومفتش الماء الذي يوزع الماء المتدفق من الخزانات المشتركة تبعا لاحتياجات الزراعة، والبراهمي الذي يتولى شؤون العبادة، ومعلم المدرسة الذي يعلم أبناء الجماعة القراءة والكتابة على الرمل، والبراهمي- التقويم، الذي بصفته عالما بالفلك، يحدد فترات البذار والحصاد والأوقات الملائمة لمختلف الأشغال الزراعية، كما نجد حدادا وفحاما يتوليان صناعة وتصليح كافة الأدوات الزراعية، وصانع الآنية الذي يصنع آنية القرية كلها، والحلاق، والغسال والجوهري، وأحيانا.. الشاعر الذي يحل في بعض الجماعات محل الجوهرجي، وفي بعضها الآخر محل معلم المدرسة. إن هذه الدزينة من الأشخاص تعيش على حساب الجماعة. أما بالنسبة إلى السكان الجدد، فسرعان ما تقام مشاعية جديدة على غرار المشاعيات القديمة، وهي تقام في أراض غير مزروعة، أما القانون الذي يسوي تقسيم العمل داخل الجماعة، فإنه ذو مفعول لا يخرق، تماما وكأنه قانون موضوع بشكل مادي.. إن بساطة التنظيم الإنتاجي لهذه المشاعيات التي تكفي نفسها بنفسها، وتعيد إنتاج نفسها بشكل دائب تبعا لنفس النمط، ثم ما أن تدمر بشكل عرضي، حتى تعاد إقامتها في نفس المكان وتحت نفس الاسم، إن هذه البساطة هي التي تقدم لنا مفتاح «جمود المجتمعات الآسيوية» وهو جمود يتناقض بشكل غريب مع تحلل هذه «الدول» الأسيوية وإعادة إقامتها بشكل دائب، ومع التبدلات العنيفة التي تحصل فيها. غير أن بنية العناصر (العوامل) الاقتصادية الأساسية للمجتمع، تظل –على أي حال- بعيدة عن متناول كافة التحولات والأعاصير السياسية» [87].
2-في الوقت الذي كان فيه الغزو الإنكليزي قائما، كانت المشاعية العشائرية البدائية، بأراضيها غير المجزأة قد تحللت، في جزء كبير منها. ومن تحللها هذا، قامت المشاعية المرتكزة على رابطة القربى حيث كانت الحقول تجزأ إلى قطع عائلية غير متساوية يرتبط حجمها بدرجة القرى مع الجد الأكبر البدائي. وكان هذا النمط منتشرا في شمال غربي الهند وفي البنجاب. أما قطع الأرض فلم تكن تعطي، لا لمدى الحياة، ولا بشكل وراثي، بل كانت تظل ملكا للعائلات طالما أن تعاظم السكان، أو ضرورة لجوء أقارب كانوا غائبين لفترة من الزمن لم يكونا يجبران على أية قسمة للأرض. وغالبا ما كانت طلبات إعادة توزيع الأرض الجديدة يستجاب لها عن طريق أراض تؤخذ من الجزء غير المزروع من الأرض. وعلى هذا النحو كانت القطع تعطى لمدى الحياة بل ويمكن توريثها. وإلى جانب هذه الحقول الموزعة بشكل غير متساوي، تظل الغابات والمناطق المستنقعية والبراري والأراضي غير المزروعة ملكا مشتركا بين كافة العائلات وتستخدم بشكل جماعي. والحقيقة أن هذا التنظيم الشيوعي الغريب والمبني على اللامساواة، كان على المدى البعيد، يدخل في تناقض مع المصالح الجديدة. إذ مع مجيء كل جيل جديد كان يضحى أكثر فأكثر صعوبة تحديد درجة قرابة كل واحد، وهكذا تضعف تقاليد علاقة القربى، وتزداد حدة اللامساواة بين القطع العائلية، بحيث أن الأمر يعتبر ظلما من قبل الذين تقل استفادتهم عن غيرهم. ومن جهة أخرى، في كثير من المناطق، كان رحيل قسم من الأقارب، وحروب الإبادة التي تصيب قسما آخر من المقيمين، وإقامة واستقبال قادمين جدد، كانت كلها أمور تؤدي إلى اختلاط بين السكان. وبالرغم من الجمود الظاهر للعلاقات، كانت الأراضي تقسم فيما بين مختلف الفئات تبعا لنوعية الأرض، بحيث أن كل عائلة كانت تتلقى قطعا مختلفة، سواء من أصل الأراضي المروية بشكل جيد، أو من الأراضي الأقل جودة. في البداية، وعلى الأقل قبل الغزو الإنكليزي لم يكن ثمة تقسيم دوري، عن طريق القرعة، للأرض، بل كان هذا يحدث حين يؤدي التزايد الطبيعي لعدد السكان إلى تفاوت فعلي في الوضع الاقتصادي للعائلات. وكانت هذه هي حالة المشاعيات التي كان لديها احتياطي يمكن استخدامه من الأرض، مثلا. أما في المشاعيات الأقل حجما، فكان التقسيم الجديد يحدث مرة كل عشر، أو ثماني أو خمس سنوات.. بل غالبا مرة كل عام، وكان التقسيم يحدث مرة كل عام بشكل خاص هناك حيث الافتقار إلى الأراضي الصالحة كان يجعل من المستحيل إجراء تقسيم عادل بين كافة الأعضاء، وحيث لم يكن بالامكان تحقيق المساواة إلا عن طريق استخدام الأراضي بشكل دوري (أي لكل عائلة بدورها..) ونلاحظ في هذا المجال أن المشاعية العشائرية الهندية الآيلة إلى الانحلال، انتهت بالشكل الذي ارتدته، تاريخيا، المشاعية الجرمانية في بداياتها.
لقد رأينا في الهند البريطانية وفي أمريكا نموذجين كلاسيكيين، من نماذج النضال اليائس والنهاية المأساوية للتنظيم الاقتصادي الشيوعي القديم، حين دخل في صراع مع الرأسمالية الأوربية. والواقع أن الصورة التي نقدمها عن المصائر المتقلبة للمشاعية الزراعية، لن تكتمل إذا لم تأخذ في اعتبارنا، على سبيل الختام، النموذج الهام الذي كانه البلد الذي يبدو تاريخه وكأنه سار في مجرى مختلف تمام الاختلاف، وحيث الدولة لم تجهد لتدمير المشاعية الزراعية عن طريق القوة، بل على العكس أنقذتها وتولت حمايتها بكل الوسائل. وهذا البلد هو روسيا القيصرية.
نحن لن نهتم هنا بالجدال النظري الذي ظل قائما لعشرات السنين، بصدد جذور وأصل المشاعية الفلاحية الروسية. فلقد كان طبيعيا جدا، ومتطابقا تمام التطابق مع الذهنية العامة للعلم البرجوازي المعاصر –المعادي لفكرة الشيوعية البدائية- ذلك الاكتشاف الذي جاء به البروفسور الروسي تشيتشيرينا في العام 1858، ليقول من خلاله أن المشاعية الفلاحية في روسيا لم تكن نتاجا تاريخيا أصيلا، بل نتاجا مصطنعا للسياسة الضريبية التي اتبعها القياصرة، وكان من الطبيعي أن يلقي هذا الاكتشاف الكثير من الترحيب لدى العلماء الألمان الذين أبدوا له كل تأييد. فتشيتشيرينا، الذي يبرهن لنا مجددا على أن العلماء الليبراليين هم أقل جودة بوصفهم مؤرخين من زملائهم الرجعيين، يقول بصحة النظرية التي هجرت بالنسبة إلى أوربا منذ أبحاث فون مورر، والتي تقول بأن المشاعيات لم تتشكل إلا في القرنيين السادس عشر والسابع عشر انطلاقا من استغلاليات فردية معزولة.. يقول بصحتها إذا ما طبقت على روسيا. ويضيف إلى هذا أن الاستغلال المشترك للحقول إنما نتج عن اختلاط الأراضي فيما بينها، وعن الملكية المشتركة والصراعات الحدودية، والسلطات العامة التي مارستها الجماعة، وعن مسؤولية الجماعة الضرائبية المشتركة بالنسبة إلى الضرائب الشخصية التي بديء بتطبيقها منذ القرن السادس عشر، أي أن تشيتشيرينا يقلب، بذهنية ليبرالية ضعيفة، رأسا على عقب، كافة العلاقات التاريخية، ويحول الأسباب إلى نتاج، وهذه الأخيرة إلى أسباب.
ولكن مهما كان رأينا بشأن قدم واصل المشاعية الفلاحية في روسيا، فمن المؤكد أنها ظلت على قيد البقاء بالرغم من الزمن الطويل الذي شهد تفاقم القنانة وإلغاءها.. ومرورا حتى الحقبة الأخيرة. غير أننا لن نتناول هنا سوى المصير الذي آلت إليه هذه المشاعية في القرن التاسع عشر. فحين أنجز القيصر الاسكندر الثاني عملية «تحرير الفلاحين»، عمد السادة إلى بيع أراضيهم إليه –وذلك على النمط البروسي- مما جعلهم يحصلون على تعويضات ضريبية على الأجزاء الأكثر سوءا من الأراضي الساداتية المزعومة، وعلى الحق في أن يفرضوا على الفلاحين، بالنسبة إلى الأراضي «المعارة»، قرضا قيمته 900 مليون روبل امتد أجل سداده إلى تسعة وأربعين عاما، بأقساط تبلغ 6 بالمئة. غير أن هذه الأراضي لم تعط، كما كان الأمر في روسيا، للعائلات على سبيل إنها ملكيات خاصة، بل إنها سلمت إلى جماعات بأسرها، على أساس أنها ملكيات جماعية. وعلى هذا النحو كانت الكوميونات مسؤولة بالتضامن إزاء مسألة القروض، وإزاء دفع كافة الضرائب والأتاوات كما كانت حرة في توزيع هذه الضرائب والأتاوات على مختلف أعضائها. وفي بداية تسعينات القرن التاسع عشر كان توزيع مجمل الأراضي في روسيا الأوربية (باستثناء بولندا وفنلندا وأراضي الكوزاك المجاورة لضفاف الدون) على الشكل التالي: أراضي الدولة التي كانت تتألف، بشكل عام، من غابات الشمال الفسيحة، ومن الأراضي الصحرواية. وتشمل 150 مليون ديسياتين (الديسياتين الواحد=1,09 هكتار)، والممتلكات الإمبراطورية تساوي 7 ملايين، والكنيسة والمدن تملك معا ما لا يقل عن 9 ملايين، وكان هناك 93 مليونا موزعة على شكل ملكيات خاصة منها 5 بالمئة تخص الفلاحين، والباقي يخص النبلاء، ولكن كان هناك في المقابل 131 مليون ديسياتين تعتبر ملكيات فلاحية جماعية. وفي العام 1900، كان الفلاحون يملكون بشكل جماعي 122 مليون هكتار، بينما هناك 22 مليون، تعتبر ملكيات خاصة فلاحية.
والآن إذا درسنا الأسلوب الذي كان الفلاحون الروس يستغلون تبعا له، هذه الأراضي الفسيحة حتى فترة قصيرة من الزمن، بل وحتى الآن جزئيا، سنتعرف -وبكل سهولة- على المؤسسات النموذجية الخاصة بالمشاعية الزراعية كما كانت قائمة، على الدوام، في ألمانيا كما في أفريقيا، وعلى ضفاف نهر الغانج كما البيرو. كانت الحقول مقسمة. أما الغابات والبراري والمياه فكانت تشكل معا أراض مملوكة بشكل جماعي لا يجوز اقتسامها. وكانت المناوبة الثلاثية هي النظام المهيمن، فأراضي المواسم الشتائية والصيفية كانت توزع تبعا لنوعية الأرض، وعلى هذا النحو كانت تقسم إلى قطع متفرقة. وكانت العادة تجري على الشكل التالي: الحقول الصيفية توزع في نيسان، والحقول الشتوية توزع في حزيران. والواقع أن المراقبة الدقيقة للمساواة القائمة في التوزيع كانت تؤدي إلى اختلاط غريب بحيث أنه بالنسبة إلى حكومة «موسكو» كان هناك ما معدله 11 نوعا من الحقول الصيفية و11 نوعا من الحقول الشتوية، وكان على كل فلاح أن يزرع ما لا يقل عن 22 قطعة من الأرض متفرقة. وكانت الجماعة تضع جانبا، الأراضي التي كانت تزرع احتياطا للحاجات الجماعية الاستثنائية، وأحيانا كان ثمة -لهذا الغرض مخازن احتياط كان على كل فلاح أن يضع فيها قسطا متوجبا عليه من الحب. وكان السهر على التطور التقني لعملية الاستغلال هذه يتم عن طريق السماح لكل عائلة فلاحية بالاحتفاظ بحصتها لمدة عشر سنين شرط أن تستمدها بنفسها، أو كانت توضع على حدة قطع من الأرض تسمد ثم لا توزع إلا مرة كل عشر سنين. وغالبا ما كانت حقول الكتان، والبساتين ومزارع المقولات تخضع لنفس القاعدة.
أما توزيع القطعان المشتركة على مختلف البراري والمراعي، والتقاعد مع الرعاة، وتسييج المراعي، وحماية الحقول، وتحديد مواعيد مختلف الأشغال، ونمط التوزيع وتاريخه، فكلها أمور كانت تسوي بشكل جماعي، أي عن طريق مجلس القرية. وأما بصدد مدة التوزيع، فكان ثمة اختلاف كبير يهيمن بين مكان وآخر. ففي العام 1877، وفي منطقة واحدة فقط، هي منطقة ساراتوف، ومن أصل 278 مشاعية قروية أخضعت للدراسة، وجد أن قرابة نصفها تقوم بعملية القرعة مرة كل عام، وهناك مشاعيات كانت تقوم بهذه القرعة مرة كل عامين، وأخرى كل ثلاثة أعوام، وخمسة وستة وثمانية وإحدى عشر، هذا بينما كانت هناك 38 مشاعية تمارس عملية تسميد الأرض، كانت قد تخلت نهائيا عن نظام التوزيع [88].
إن الأكثر لفتا للنظر في المشاعية الزراعية الروسية، هو نمط التوزيع الذي يتم فيها. فنحن ليس لدينا هنا، لا مبدأ القطع المتساوية كما عند الجرمانيين، ولا مبدأ تساوي القطع مع حاجات كل عائلة كما لدى البيروفيين، بل –وحسب- مبدأ القدرة الضريبية. لقد كانت المشاكل الضريبية تهيمن على حياة المشاعية كلها منذ «تحرير الفلاحين»، بحيث أن كافة مؤسسات القرية كانت تدور حول مسألة الضرائب. ويقينا أن الأساس الوحيد لفرض الضريبة، بالنسبة إلى الحكومة القيصرية، كان عدد «الأشخاص المحصيين». وهم كافة السكان الذكور في المشاعية دون أي تمييز في السن، وتبعا للتحديد الذي كان يجري مرة كل عشرين عاما عن طريق «إعادات النظر» الشهيرة، ابتداء من أول إحصاء فلاحي جرى على عهد بطرس الأكبر، وإعادات النظر هذه كانت الرعب الذي يعيش الشعب الروسي في ظله، والذي كانت قرى بأسرها تهرب في مواجته [89].
كانت الحكومة تفرض مقدار الضريبة على القرى تبعا لعدد السكان الذين يشملهم الإحصاء. وكانت الجماعة توزع القيمة الإجمالية للضريبة، على مختلف المزارع، وتبعا لعدد اليد العاملة ولحصة الأرض التي تخص كل مزرعة، كان يتم حساب القدرة الضريبية.
ومنذ العام 1861، كان توزيع الأرض في روسيا يتم استنادا إلى عملية دفع الضرائب، وليس إلى الغذاء الذي يناله الفلاحين، أي أن التوزيع لم يكن عملا خيرا هو من حق كل واحدة من المزارع، بل كان شيئا يجبر عليه كل فرد من أفراد الجماعة، باعتباره خدمة تقدم للدولة. لذا لم يكن ثمة ما هو أطراف من مجلس قروي روسي، وهو مجتمع لتوزيع الأرض. فمن كل جانب كان بامكان المرء أن يصغي على الاحتجاجات فكل واحد يحتج لكي لا يعطي قطعة كبيرة من الأرض، وعلى هذا النحو كانت العائلات الفقيرة، التي ليس لديها عدد كاف من اليد العاملة، والتي يتألف أكثر أعضائها من النساء والأطفال القصر، كانت تحرم من قطع الأرض بينما يحصل الأغنياء على القطع الكبيرة. فالعبء الضريبي الذي هو في مركز حياة المشاعيات الروسية كان عبئا ثقيلا للغاية.. فبالإضافة إلى الدين الواجب دفعه، هناك الضريبة المفروضة على كل فرد، وهناك الضريبة البلدية، وضريبة الكنيسة والضريبة على الملح الخ.. صحيح أن ضريبة الفرد وضريبة الملح الغيتا في ثمانينات القرن التاسع عشر، غير أن الضريبة الإجمالية ظلت من الضخامة والثقل بحيث أنها كانت تمتص كل ثروة الفلاحين الهزيلة. واستنادا إلى إحصاء أجري في التسعينات، نجد أن 70 بالمئة من الفلاحين كانوا يحصلون من قطع الأرض المعطاة لهم، أقل من الحد الأدنى الكافي للمعيشة، و20 بالمئة كانوا قادرين على إطعام أنفسهم بأنفسهم إنما دون أن يتمكنوا من اقتناء ماشية، وذلك مقابل 9 بالمئة فقط كانوا قادرين على بيع الفائض الذي يزيد عن حاجاتهم. والواقع أن المتخلفين عن دفع الضرائب كانوا يشكلون ظاهرة هامة من ظواهر القرية الروسية. وذلك في الفترة التي تلت «التحرير» مباشرة. فمنذ السبعينات، كان هناك دخل سنوي من الضرائب الفردية يصل إلى 50 مليون، يضاف إليه مبلغ 11 مليونا هو القيمة السنوية للضرائب المتخلفة. ولكن حتى بعد إلغاء الضريبة الفردية، استمر بؤس القرية الروسية في التفاقم، وذلك لأن الضرائب غير المباشرة أضحت أكثر فأكثر ثقلا. أما في العام 1907، فقد بلغ مجموع الضرائب المتأخرة ما يقارب الـ 127 مليون روبل، بحيث اضطرت السلطة إلى إعفاء الفلاحين من دفعها، بسبب عجزهم التام عن دفعها من جهة، وبسبب تفاقم المد الثوري، من جهة ثانية.
غير أن الضرائب سوف تمتص بعد ذلك، ليس فقط كافة المكاسب التي تحققها الاقتصاد الفلاحي، بل ستجبر الفلاحين على البحث عن أعمال مكسبة ملحقة. وهكذا كانت الأعمال الموسمية التي ما زالت حتى الآن تؤدي، في روسيا، إلى هجرات جماعية حقيقية، حيث أن القرويين الذكور الأكثر قوة كانوا يذهبون للعمل كمياومين في أملاك السادة الكبيرة، بينما كانوا يتركون قطع الأرض التي تخصهم، لكي تقوم بزراعتها النساء، مع الأطفال والعجائز، ومن جهة أخرى كانت المدينة بمصانعها، تشكل قطبا جاذبا بالنسبة للفلاحين. وعلى هذا النحو تشكلت في المراكز الصناعية، شرعية العمال المؤقتين الذين ما كانوا يؤمنون المدن إلا في الشتاء، ليعملوا بشكل خاص في مصانع النسيج، ومن ثم يعودون في الربيع إلى الحقول في قراهم ليمارسوا الزراعة حاملين معهم ما كسبوه في المدن. وفي كثير من المناطق كان ثمة عملا صناعيا في المنازل، كما كانت ثمة أعمال زراعية موسمية ملحقة ، مثل صناعة العربات وقطع الخشب وما شبه. ولكن بالرغم من كل هذا، كانت جمهرة الفلاحين بالكاد قادرة على سد الرمق. فالضرائب لم تكن تمتص ثمار الزراعة فقط، بل كذلك كل ما يحققه الفلاحون من الأعمال الصناعية الملحقة. وكانت الدولة قد زودت الجماعة بكل وسائل القهر القاسية.. خاصة وأن الجماعة المشاعية كانت هي المسؤولة، بالتكافل والتضامن، عن الضرائب المفروضة على أفرادها. ولذا كان بامكان الجماعة أن تؤجر إلى الخارج أولئك الذين كانوا يتخلفون عن دفع الضرائب، كما كان بامكاننا أن تعاد أموالهم، وكان من حقها أن تمنح أو تمنع، جواز السفر عن الأفراد.. وهم بدونه ما كان بامكانهم الابتعاد عن قريتهم. وكذلك كان من حق الجماعة أن تعاقب جسديا كل المتخلفين والمتمردين.
بشكل دوري، كانت القرية الروسية تقدم لنا صورة غريبة عن الأرض الروسية الفسيحة. فما أن يصل جابي الضرائب إلى القرية، حتى تبدأ عملية كانت روسيا القيصرية قد ابتكرت لها اسما تقنيا ذا مغزى هو «الحصول على المتخلف من الضرائب عن طريق الضرب». إذ عند ذاك كان مجلس القرية يجتمع بكامله، ويكون على المتأخرين في الدفع أن ينتزعوا سراويلهم ثم يستلقوا على مقعد طويل حيث يقوم رفاقهم القرويون بجلدهم حتى ينز الدم من جلودهم، ومن ثم يعمد إلى ضرب أعضائهم التناسلية بقوة. أما التوسل وبكاء الضحايا –وهم غالبا من الآباء أو من الكهول ذوي الشعر الأبيض –فكانا يرافقان السلطة العليا- أي ممثل هذه السلطة الذي، ما أن يتم إلحاق العقاب، حتى يعتلي عربته ليبدأ العملية نفسها في قرية أخرى. ولم يكن من النادر أن يفلت بعض الفلاحين من هذا العقاب العلني عن طريق الانتحار. وكان ثمة مخرج آخر من هذا الوضع هو «التسول الضريبي»، حيث يرحل الفلاحون الفقراء وهم يحملون عصي المتسولين، لكي يحاولوا جمع الضرائب المطلوبة عن طريق التسول والعودة بها إلى القرية. لقد كانت الدولة تسهر بقسوة وصرامة على مؤسسة المشاعيات الزراعية، التي تحولت على هذا النحو، إلى مجرد جهاز لتحصيل الضرائب. وينص قانون 1881 على أن الأراضي الفلاحية لا يجوز التخلي عنها من قبل المشاعيات، إلا إذا قرر ثلثا الفلاحين مثل هذا الأمر، ثم وافق عليه وزراء الداخلية والمال والأراضي. ولم يكن بوسع الفلاحين بيع ممتلكاتهم وحوائجهم التي يحصلون عليها عن طريق الوراثة، إلا لفلاحين آخرين ينتسبون إلى جماعتهم نفسها، وكان رهن الأرض الزراعية محظورا ثم في عهد الاسكندر الثالث، حرمت المشاعية القروية من أي استقلال ذاتي لها، وأخضعت لسلطة «الكابتن الريفي» الذي هو عبارة عن سلطة مشابهة للمجالس الريفية في بروسيا. وعلى هذا النحو كان ينبغي على كل قرار يتخذه مجلس القرية، أن يحصل على رضى هؤلاء الموظفين، الذين كان حتى توزيع الأراضي يتم تحت إشرافهم، وكذلك توزيع الضرائب وجبايتها. أما قانون 1893 فقد قدم بعض التنازلات إذ لم يسمح بتوزيع الأراضي إلا مرة كل دزينة من الأعوام. وفي الوقت نفسه لم يكن بوسع الفلاح أن يترك جماعته إلا بعد الحصول على إذن البلدية، وبشرط أن يكون قد سد كامل ديونه.
ولكن برغم هذه الروابط التي خلقها القانون، بشكل اصطناعي، داخل المشاعية القروية، وبرغم وصاية الوزارات الثلاث وتوطيد مراكز التشينوفيك (الموظفين الذين أشرنا إليهم أعلاه) لم يكن ممكنا تفادي تدهور المشاعية القروية على الإطلاق. فالعبء الضريبي الساحق، وانهيار الاقتصادي الزراعي بعد تحقق المكاسب عن طريق الأرباح الزراعية والصناعية الملحقة، وفقدان الأرض –ولاسيما المراعي والغابات التي كان النبلاء غالبا ما يعمدون إلى ضمها إلى أراضيهم- وفقدان الحقول القابلة للزراعة في نفس الوقت الذي كان فيه عدد السكان في التصاعد.. كل هذا أدى خلق نوعين من الظواهر الحاسمة في حياة القرية، الهروب إلى المدينة، وظهور الربا في القرية. فيما أن الجزء المخصص من الأرض، والعمل الصناعي أو الزراعي الملحق، لم يعودا بكافيين إلا لدفع الضرائب دون التمكن –حتى من هذا- حقا، ودون قدرة على سد أكثر الحاجات إلحاحا، أضحى الانتماء إلى المشاعية، سلاسل مربوطة حول رقبة الفلاح الجائع. ولذا كان الهدف الطبيعي، بالنسبة إلى الأكثر بؤسا، هو الإفلات من ربقة تلك السلطة. غير أن البوليس كان يعتقل مئات الهاربين، بتهمة التشرد وعدم حيازة جوازات مرور، ومن ثم يسلمهم إلى مجالس القرية التي كانت تعمد إلى معاقبتهم علنا، في وسط الحقول، ليعتبروا درسا وأمثولة لغيرهم. غير أن العقوبات، وجوازات المرور الإجبارية لم يكن بوسعها فعل شيء في مواجهة الرحيل الجماعي للفلاحين الذين كانوا يهربون، تحت جنح الليل وفي خبأة الضباب، من جحيم «الشيوعية القروية» ليتوجهوا إلى المدينة، حيث يختفون نهائيا وسط المحيط الصاخب الذي يؤلف البروليتاريا الصناعية. أما الآخرون الذين كانت روابطهم العائلية، وبعض الظروف الأخرى، تجعل هربهم مستحيلا، فكانوا يسعون إلى الخروج من المشاعية بالوسائل الشرعية. ولتحقيق هذا كان عليهم إيفاء كل ديونهم.. وهنا كان المرابي يهرع لإنقاذهم (!). ومنذ وقت مبكر كانت الضرائب والبيع الارغامي للحَبّ، ضمن أسوأ الشروط، تجعل الفلاح الروسي يلجأ إلى المرابي، خاصة وأن كل كارثة وكل حصاد سيء كانا يجعلان مسألة الاستعانة بالمرابي أمرا حتميا. وهكذا، للتحرر من ربقة المشاعية؟، لم يكن أمام الفلاح البائس إلا أن يخضع نفسه للربقة الربوية. ثم في الوقت الذي كان فيه الفلاحون الفقراء يبذلون كل جهودهم للإفلات من المشاعية، كان الفلاحون الأغنياء غالبا ما يديرون لها ظهورهم ويتركونها، طمعا بالإفلات من مسؤولية الضرائب الجماعية التي يحاول الفقراء الهروب منها. ولكن حتى حين لم يكن الفلاحون الأغنياء يبرحون الجماعة، شكليا، فإنهم كانوا يشكلون داخل المشاعية –علما بأنهم هم نفسهم المرابون- يشكلون في مواجهة الفلاحين البائسين، سلطة مهيمنة كانت تعرف كيف تستفيد من القرارات التي يتبناها الفلاحون المدينون والتابعون.
وهكذا قام داخل المشاعية، التي كانت قد ارتكزت أساسا على المساواة وعلى الملكية العامة، تمايز طبقي واضح: فمن جهة هناك برجوازية قروية، صغيرة العدد لكنها نافذة، ومن جهة أخرى هناك جمهرة من الفلاحين التابعين والبرولتاريين. وعلى هذا النحو بزغ الانهيار الداخلي للمشاعية القروية التي مزقها عبء الضرائب، والتهمها المرابي، وحلت في داخلها مختلف الانقسامات. ولقد أدى هذا، في سنوات الثمانين، إلى جعل المجاعات والانتفاضات الفلاحية في روسيا، ظواهر دورية وموسمية، كانت تضرب الحكومات من الداخل بشكل كان من القسوة بحيث أن قسوته باتت تفوق قسوة جباة الضرائب والجيش المكلف بـ«تهدئة» القرية.
وأضحت الأرياف الروسية مسرحا لأبشع المجاعات والقلاقل الدامية. وعرف الموجيك نفس المصير الذي عرفه الفلاح الهندي، ولم يعد ثمة من فرق بين «أوريسا» الهندية البائسة، وبين عشرات القرى الروسية المنتشرة على ضفاف الفولغا [90]. وحين اندلعت أخيرا، في عامي 1904 و1905 ثورة البروليتاريا المدينية في روسيا، ألقت الاضطرابات الفلاحية الكابوسية بكل ثقلها للمرة الأولى، في ميزان الثورة، بحيث أن المسألة الزراعية سرعان أضحت القضية المركزية للثورة. فالآن، إذ يجتاح الفلاحون، وكأنهم إعصار لا يقاوم، أراضي النبلاء ويحرقون المخازن، والآن إذ يعمد حزب العمال إلى التعبير عن استياء الفلاحين، عبر إذاعة مطالبهم الثورية المنادية بمصادرة الأراضي الكبيرة دون أي تعويض، ومن ثم إعادتها إلى الفلاحين، عمد القيصر، أخيرا، إلى هجر السياسة الزراعية التي كانت تمارس منذ قرون طويلة.. فبما أنه لم يعد بالامكان إنقاذ المشاعيات الزراعية من السقوط بات من الضروري التخلي عنها.
منذ عام 1902، وصل التصدع إلى جذور المشاعية القروية، ذات الشكل الروسي الخاص: ففي ذلك العام ألغيت المسؤولية الضريبية الجماعية. وكان قد صير إلى تحضير هذا الإجراء، بشكل نشط، عن طريق السياسة المالية القيصرية نفسها: فالآن صار من السهل على السلطة المسؤولة أن تتخلى عن مبدأ المسؤولية الجماعية في دفع الضرائب المباشرة. ولكن في الوقت نفسه كانت الضرائب غير المباشرة قد وصلت إلى نسبة يمكن إدراك أهميتها إذا عرفنا أن في العام 1906، كان الدخل الشامل الذي تنص عليه الميزانية 2030 مليون روبل، منه فقط 148 مليونا تأتي عن طريق الضرائب المباشرة، مقابل 1100 مليون عن طريق الضرائب غير المباشرة، منها 558 تأتي من احتكار السلطة لتجارة الخمور، وهو احتكار كان قد ابتكره الوزير «الليبرالي» دي ويت في سبيل الحد من انتشار الإدمان على المسكرات. وكما نرى، فإن قسما كبيرا من هذه الضرائب كان يأتي عن طريق بؤس الجماهير الفلاحية وجهلها ويأسها. وبين عامي 1905 و1906 انخفض الدين الفلاحي المخصص لشراء الأراضي مجددا، إلى النصف، لكنه الغي تماما في العام 1907. أما قانون «الإصلاح الزراعي» الذي صدر في العام 1907، فلقد حدد لنفسه هدفا علنيا هو خلق الملكية الخاصة الصغيرة للأراضي الزراعية. وكانت طريقة الوصول إلى هذا هي تجزئة أراضي الدولة وجزءا من الأملاك العقارية الكبيرة.
وعلى هذا النحو تكون ثورة القرن العشرين البروليتارية قد صفت بنفسها، في مرحلتها الأولى غير المنجزة، آخر بقايا القنانة في نفس الوقت الذي صفت فيه المشاعية الزراعية التي كان القيصر قد حافظ على بقائها بشكل مصطنع.
--------------------------------------------------------------------------------
(2)
مع المشاعية القروية الروسية انتهى المصير المضطرم للشيوعية البدائية الزراعية وانغلقت الدائرة على نفسها. والمشاعية الزراعية التي كانت، في بداياتها، نتاجا طبيعيا للتطور الاجتماعي، وضمانة لأفضل تقدم اقتصادي وازدهار مادي وذهني للمجتمع، سرعان ما أضحت وسيلة للتخلف السياسي والاقتصادي. وما مشهد الفلاح الروسي الذي يجلد بالسوط على أيدي جماعته الخاصة الذين يخدمون الحكم الروسي المطلق، سوى أقسى نقد تاريخي للحدود الضيقة للشيوعية البدائية، وسوى التعبير الأكثر اندهاشا عن واقع أن النمط الاجتماعي هو بدوره خاضع للقاعدة الديالكتيكية: فالعقل يصبح هباء، والخير يضحي آفة.
إن هناك واقعين يصدماننا حين ننظر بانتباه إلى مصائر المشاعية الزراعية في مختلف البلدان والقارات. فهذا النمط الأقصى والأكثر ارتفاعا في النظام الاقتصادي الشيوعي البدائي، بدلا من أن يظهر كنموذج جامد صلب، نراه يظهر لنا الكثير من التنوع والمرونة والقدرة على التكيف مع بيئته التاريخية. ففي كل بيئة وفي كل الظروف، مر هذا النمط بسيرورة تحول كانت تجري ببطء شديد، بحيث أن تحولها هذا لم يكن ممكنا أن ننظر إليه من الخارج، وكانت السيرورة تبدل، داخل المجتمع، البنى العتيقة ببنى جديدة، وهي، تحت كافة البنى الفوقية السياسية للمؤسسات الدولية الأصلية أو الأجنبية، في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، كانت على الدوام في حالة ولادة وموت، وتطور وتآكل.
وهذا النمط الاجتماعي كان ذا صلابة وصمود غريبين، وذلك بفضل مرونته وقدرته على التأقلم. ولقد وقف متحديا في وجه كافة عواصف التاريخ السياسي، بل وتحمل كل هذه العواصف إذ رزحت فوقه، وتركها تمر عليه خلال قرون من القمع والغزوات والاستبداد والسيطرة الخارجية والاستغلال ولكن كان هناك احتكاك واحد، لم تحمله هذا النمط، ولم يتمكن من البقاء بعد حدوثه: إنه الاحتكاك بالحضارة الأوربية.. أي بالرأسمالية. ففي كل مكان، ودون أي استثناء، كان الاصطدام بهذه الأخيرة مميتا بالنسبة إلى المجتمع القديم، وأدى على ما لم تؤد إليه أبدا، قرون طويلة من الغزوات الشرقية المتوحشة: لقد أدى انحلال تلك البنية الاجتماعية من داخلها، وإلى تحطيم كافة العلاقات التقليدية، وإلى تحويل المجتمع إلى كومة من الأطلال المشوهة.
إن النفخة المميتة التي مارستها الرأسمالية الأوربية، ليست في الواقع سوى العامل الأخير، وليس الوحيد، الذي جعل من الحتمي –على المدى الطويل أو القصير- انهيار المجتمع البدائي. وبذور هذا الانهيار تمركزت في داخل هذا المجتمع. فإذا ما لخصنا مختلف دروب ذلك الانهيار، على الشكل الذي درسنا أعلاه مختلف أمثلته، سيتبين لنا أن ثمة تعاقبا تاريخيا معينا. فالملكية الشيوعية لأدوات الإنتاج، التي هي الأساس لاقتصاد منظم بشكل صارم، ضمنت –خلال حقب طويلة من الزمن- إنتاجية هائلة للعمل، كما قدمت أفضل ضمان مادي للمجتمع. ولهذا كان من الضروري لهذا التطور البطيء –إنما الأكيد- لإنتاجية العمل، أن يدخل في صراع مع التنظيم الشيوعي. وبعد أن، أنجز داخل هذا التنظيم، التقدم الحاسم باتجاه التحول إلى الزراعة العليا- التي تتم عن طريق استخدام المحراث-، وبعد أن اتخذت المشاعية الزراعية على أساس هذه القاعدة، أشكالا ثابتة، بات التطور الذي أصاب تقنية الإنتاج، يتطلب زراعة للأرض أكثر كثافة، غير أن هذه الزراعة لم يكن بالامكان تحقيقها، عند هذا المستوى التقني، إلا عن طريق الاستغلالية الصغيرة المكثفة، وإلا عن طريق الارتباط الأكثر وثوقا وصلابة، بين قوة العمل الفردية وبين الأرض. ومن هنا بات الاستخدام الأكثر ديمومة لنفس قطعة الأرض من قبل نفس العائلة الفلاحية، شرطا أساسيا لحدوث زراعة أكثر إنتاجية ومعتني بها. والتسميد هو –بشكل خاص- أحد الأسباب المعروفة لعملية توزيع الأرض- لأزمان أكثر طولا- والتي عرفت في ألمانيا كما في روسيا.
وبشكل خاص علينا أن نلاحظ أن الاتجاه نحو توزيع الأرض يمتد لأزمان أكثر طولا، أخذ يظهر في كل مكان في المشاعيات الزراعية. مما أدى إلى التحول من «التوزيع عن طريق القرعة» إلى تحول ملكية الأرض عن طريق الوراثة. إذن فإن التحول من الملكية الجماعية إلى الملكية الخاصة، إنما يسير جنبا إلى جنب مع مسألة ازدياد كثافة العمل.. وفي الوقت الذي ظلت فيه الغابات المراعي، لأزمان أكثر طولا، أراض جماعية مشاعية، فتحت الحقول، المزروعة بشكل أكثر كثافة، الطريق في وجه تقسيم الأراضي الجماعية، كما فتحت الطريق في وجه مبدأ الوراثة. أما الملكية الخاصة لقطع الأرض الزراعية، فإنها لم تلغ التنظيم الجماعي للاقتصاد، إذ أن هذا التنظيم ظل قائما لفترة طويلة بسبب تمازج الأراضي، وبسبب مشاعية الغابات والمراعي. وكذلك علينا أن نلاحظ بأن المساواة الاقتصادية والاجتماعية لم تلغ في المجتمع القديم. فلقد تشكلت، في البداية، جمهرة من البلدان الصغيرة، ذات شروط الحياة المتشابهة، والتي يمكنها أن تعيش وتعمل طوال قرون طويلة من الزمان، ضمن نفس التقاليد القديمة. ومع هذا فإن الطريق قد فتحت بوجه اللامساواة، عن طريق الطابع الإرثي للملكية، وعن طريق الحق المعطى للابن البكر، وعن طريق إمكانية تخلي الفلاح عن أرضه.
إن هذه السيرورة لم تفجر التنظيم التقليدي للمجتمع، إلا بشكل بطيء للغاية. ومع هذا فلقد دخلت العملية عدة عوامل تاريخية أخرى، تحركت بشكل أكثر جذرية وسرعة: إنها النفقات العامة التي كانت تزداد حجما، بحيث أنها تجاوزت الحدود الطبيعية الضيقة للمشاعية الزراعية. ونحن نعلم سلفا، الأهمية الجاسمة لمسألة الري الاصطناعي بالنسبة إلى زراعة الحقول في الشرق. لقد كان لتكثف العمل هذا، وللنمو المتعاظم لإنتاجيته، نتائج تفوق في أهميتها تلك التي أسفر عنها تسميد الأرض في الغرب. فمنذ البداية أدت أعمال الري إلى قيام الأشغال ذات المستوى العريض الضخم. وبما أن المؤسسات الصالحة لمثل هذا لم تكن ذات وجود في داخل المشاعية الزراعية، صار ينبغي خلق المؤسسات الخاصة التي تقف خارج المشاعية وفوقها. ونحن نعرف أن إدارة الأشغال العامة المتعلقة بإيصال الماء وتوزيعه، كانت في أصل هيمنة الكهنة، وكافة أنواع الهيمنة في المجتمعات الشرقية. وفي الغرب كذلك كانت ثمة أشغال عامة متنوعة كان ينبغي تسويتها، بالرغم من ضآلة أهميتها بالمقارنة مع مثيلاتها في التنظيم الراهن للدولة، ولقد ازدادت هذه الأشغال عددا وأهمية مع تطور وتقدم المجتمع البدائي، بحيث باتت تتطلب، بالنتيجة وعلى المدى الطويل، مؤسسات متخصصة. ولقد لاحظنا في كل مكان –في ألمانيا كما في البيرو، وفي الهند كما في الجزائر –أن التحول من الانتخابية إلى الوراثية في تسلم المناصب العامة في المجتمع البدائي، كان سمة عامة من سمات التطور.
غير أن هذا التحول، الذي تم ببطء ودون أن يلحظه أحد، لا يشكل قطيعة مع أسس المجتمع الشيوعي. فتحول المناصب العامة إلى الانتقال عن طريق الوراثة، نتج أولا، بشكل طبيعي، عن واقع أن التقاليد والتجربة الشخصية المتراكمة، كانت في المجتمع الشيوعي البدائي، أفضل ضمان لإنجاز العمل بأفضل شكل. وعلى المدى الطويل، أدى الانتقال الوراثي للمناصب ضمن بعض العائلات، وبشكل حتمي، إلى تشكل اريستقراطية محلية صغيرة، تحولت من خدمة الجماعة إلى السيادة. والواقع أن الأراضي التي لا يجوز تجزئتها، والتي كانت السلطات العامة هي المسؤولة عنها بشكل مباشر، شكلت الأساس الاقتصادي لتكون تلك النبالة. أما سرقة الأراضي العامة وغير المستخدمة، فكانت الأسلوب المنتظم الذي استخدمه السادة المحليون أو الأجانب الذين ارتقوا فوق مستوى الجماهير الفلاحية واستعبدوها. فإذا كان الأمر يتعلق بشعب يعيش بعيدا عن مجاري الحضارة الرئيسية، سنلاحظ بأنه من الممكن ألا يكون لدى النبالة البدائية ما يميزها –في نمط حياتها- عن طريق الجماهير إلا بصعوبة، فهي كانت مرغمة على المساهمة في عملية الإنتاج، وعلى إخفاء فارق الثروة عن طريق بعض البساطة الديموقراطية: فالأرستقراطية الياقونية، مثلا، غنية فقط بما لديها من قطيع، وبالنفوذ الذي تمارسه في المسائل العامة وحسب. أما إذا أضفنا إلى هذا بعض الاحتكاك مع الشعوب الأكثر تحضرا وشيئا من التبادل الفعال، سنجد أن احتجاجات النبالة ستضحي أكثر تميزا، وستكف عن العمل، بحيث يؤدي هذا إلى تفريق حقيقي بين الشرائع المتواجدة داخل المجتمع. وما اليونان، في الحقبة التي تلت هوميروس، سوى المثال النموذجي على هذا.
إن تقسيم العمل داخل المجتمع البدائي، قد أدى –بسرعة تقل أو تزيد- إلى النهاية الحتمية التي قضت على المساواة السياسية والاقتصادية. والواقع أن منصبا ذا طابع عام، يلعب دورا أساسيا في هذه السيرورة ويؤثر بشكل أكثر قوة من كافة المناصب ذات الطابع السلمي: إنه السلوك الساري أيام الحرب. فالحرب التي كانت، في البداية، قضية يهتم بها الجميع، أضحت إثر تطور الإنتاج، شيئا تتخصص فيه بعض الأوساط في المجتمع البدائي. وكلما تطورت سيرورة العمل وأضحت أكثر انتظاما وتخطيطا داخل المجتمع، أضحى هذا الأخير أقل قدرة على تحمل اللاإنتظام، وفقدان الطاقة، المرتبطين بالحياة العسكرية. فإذا كانت الحملات العسكرية الدورية، نتيجة مباشرة للنظام الاقتصادي السائد لدى الشعوب التي تعيش من الصيد وتربية الماشية، فإن الزراعة مرتبطة إلى حد بعيد بنوع من الجمودية لدى المجتمع، لذا نراها تتطلب وجود شرعية خاصة من المحاربين تتولى الدفاع عنها. والحياة الحربية –هي نفسها ليست سوى التعبير عن الحدود الضيقة لإنتاجية العمل- تلعب دورا هاما لدى الشعوب البدائية، وتؤدي إلى نوع جديد من تقسيم العمل. والواقع أن انفصال النبالة المحاربة، أو القادة العسكريين، بشكل إحدى أقوى الصدمات التي اضطرت المساواة الاجتماعية إلى مجابهتها في المجتمع البدائي. فحيثما نجد مجتمعات بدائية، لا يمكننا على الإطلاق أن نعثر على العلاقات البشرية المتساوية بين بشر أحرار، التي وصفها مورغان لدى الشعوب الايروكية: فالتفاوت والاستغلال هما الميزتان اللتان تطبعان المجتمعات البدائية، واللتان سنعثر عليهما بوصفهما نتاجا لحقبة طويلة من التفكك، سواء بالنسبة إلى الشرائح المهيمنة في الشرق، أو الاريستقراطية الياقوتية، أو «العشائر الكبيرة» الكلتية في اسكوتلندا، أو لدى النبالة العسكرية في بلاد اليونان والرومان والجرمان أيام الهجرات ذات الحجم الكبير، أو أيضا لدى الاستبداديين الصغار في ممالك إفريقيا.
ولننظر على سبيل المثال، إلى إمبراطورية «مواتا كاسيمبي» في وسط جنوب أفريقيا إلى الشرق من امبراطورية لوندا، حيث كان البرتغاليون قد تسللوا في بداية القرن التاسع عشر، فها هنا سوف نرى، وحتى في المناطق التي بالكاد تمكن الأوربيون من الدخول إليها، على علاقات اجتماعية لم تعد تترك أي مكان للمساواة والحرية. والواقع أن حملة الماجور مونتيرو والكابتن غاميتو، التي جرت في العام 1831، انطلاقا من الزامبيزي نحو الداخل، ركضا وراء أهداف تجارية وعليمة، تصف لنا الوضع هناك على الشكل التالي: لقد وصلت الحملة، أولا، إلى بلاد المارافي، التي كانت تمارس زراعة بدائية تعتمد على جني ما تنتجه الأشجار، وكان سكانها يقطنون أكواخا هرمية الشكل ولا يرتدون سوى قطعها صغيرة من الملابس تحيط بمؤخراتهم. في الحقبة التي اجتاز فيها مونتيرو وغاميتو بلاد المارفي، كان يقود هذا الشعب زعيم مستبد يحمل لقب «نيدي». وكان هذا الزعيم يحكم في كافة الخلافات في عاصمته موتزيندا، ولم يكن يحق لأي شخص أن يحتج على أي حكم يصدره الزعيم. ولكن على سبيل الشكلية المحضة، كان الزعيم يجمع مجلسا يضم كبار السن، غير أنه كان يتوجب دائما على هذا المجلس أن يرى رأي الزعيم. أما البلاد كلها فكانت تقسم إلى أقاليم يديرها «المامبو»، وهذه الأقاليم نفسها كانت تقسم إلى مقاطعات يتولى إدارتها زعماء يعرفون باسم «فونوس». وكافة هذه المناصب كانت وراثية. «في الثامن من آب وصلنا إلى مقر الموكوندا، زعيم التشيفا القوي. وهذا الزعيم الذي كنا قد بعثنا إليه ببعض الهدايا من الأقمشة القطنية الحمراء والجواهر والملح..الخ، وصل في اليوم التالي إلى مخيمنا راكبا حصانا. وكان موكوندا رجلا في الستين إلى السبعين من عمره، وذا سمة مرحة وذات جلال. وكان الثوب الوحيد الذي يرتديه عبارة عن قطعة من القماش ملفوفة حول وسطه. لقد بقي بيننا زهاء ساعتين، ثم حين أراد الذهاب طلب لكل منا هدية بشكل مؤثر ولا يقاوم..
..إن دفن الزعماء، تصحبه لدى التشيفا احتفالات بربرية للغاية. فنساء الميت تسجن مع جثته في كوخ واحد، حتى الوقت الذي يصبح كل شيء فيه معد للدفن. وعلى الفور يتجه الموكب الجنائزي في طريقه نحو حفرة، ما أن يصل إليها حتى تنزل فيها امرأة الميت الأثيرة مع سبع نساء أخريات حيث يتمددن بسيقانهن الممدودة.. ثم ترمى فوقهن أكداس من القماش تغطيهن، وبعد هذا تلقي الجثة وفوقها ست نساء أخريات كانت قد قطعت رقابهن سلفا. وبعد هذا كله يغطي القبر، وينهي الاحتفال الرهيب بعد أن يخوزق شابان، أحدهما يحمل طنبورا ويكون خازوقه على رأس القبر، والثاني يخوزق عند أسفله وهو يحمل قوسا وسهما. ولقد شهد الماجور مونتيرو واحدة من هذه المراسيم خلال تجواله في بلاد التشيفا».
ومن هناك تابعت الرحلة سيرها باتجاه الجبال الواقعة في وسط الإمبراطورية. ولقد وصل البرتغاليون «إلى منطقة مرتفعة ومهجورة، ومحرومة عمليا من أي مادة غذائية أو كائنات حية، ولقد شوهدت في المنطقة بعض الآثار التي خلفتها الحملات العسكرية السابقة.. ولقد أحاطت المجاعة بالحملة الحالية وهددتها بأبشع العواقب. وعلى الفور بعث الرسل، مع بعض الهدايا، إلى أقرب زعيم «مامبو» ليطلبوا منه موافاة الحملة بدليل، لكن الرسل سرعان ما عادوا بأنباء رهيبة تقول بأنهم لم يجدوا في القرية سوى المامبو وأفراد عائلته وجميعهم على وشك الفناء بسبب الجوع.. وقبل وصولنا إلى قلب المملكة، قيّض لنا أن نشاهد العديد من الأدلة على نوعية العدالة البربرية التي تمارس، فغالبا ما كنا نصادف شبابا قطعت آذانهم وأيديهم وأنوفهم، وبعض أعضائهم الأخرى، عقابا لهم على مساوئ كانوا قد ارتكبوها. وفي التاسع عشر من نوفمبر، تمكنا أخيرا من الوصول إلى العاصمة، حيث أحدث الحمار الذي يركبه الكابتن غاميتو، صخبا وضجيجا. ووصلنا إلى شارع وضعت على جانبيه حواجز هي أشبه بالجدران. وعلى الجانبين كنا نشاهد في هذه الحواجز، أبواب مفتوحة. أما في نهاية الشارع فكان ثمة كوخا مربع الشكل لم يكن يفتح إلا لناحية الغرب، وفي وسط هذا الكوخ كان ثمة شكل إنساني لا يزيد طوله عن 70 سنتمترا، ومقطوع بشكل رهيب وموضوع على أريكة من الخشب، وفي الجانب المفتوح من الكوخ كان ثمة كومة تضم نحو 300 جمجمة. وفي هذا المكان كان الشارع يتحول إلى ساحة مربعة كبيرة المساحة، تمتد عند طرفاها غابة لا تفصلها عن الساحة سوى بعض الأعمدة. وعلى جانبي الباب وضع، على سبيل الزينة، ما يزيد عن 30 جمجمة.
«بعد هذا حل دور الاستقبال الذي أعده «مواتا» وبدأ في كل جلاله محاطا بقوته الحربية التي تعد بين 5000 و6000 رجلا. وكان جالسا على كرسي مغطاة بقماش أخضر وبجلود الأسود والنمرة. أما غطاء رأسه فكان عبارة عن قبعة أرجوانية مصنوعة من ريش يبلغ طول كل منها 50 سم. وعلى جبهته كان ثمة جواهر براقة معلقة. أما حول رقبته فثمة عقد علقت فيه قواقع وقطع من المرايا المكسرة وبعض الأحجار الكريمة المزيفة. وحول ذراعيه كانت هناك قطع من القماش الأزرق المغطى بالفراء، وأساوره مليئة بالحجارة الزرقاء.. أما أسفل جسده فكان ملفوفا بشرشف أصفر وأحمر وأزرق معلق بحزام. والأفخاذ كاليدين، كانت مزينة بالحجارة الزرقاء..
«كان الملك جالسا هناك، بكل تيه وكبرياء، تحميه سبع مظلات ملونة. ويقف حوله نحو دزينة من الزنوج يحملون المنافض ويتولون إبعاد أية حبة غبار قد يحلو لها إزعاج جلالته. أما حول المكان كله فكان ثمة بلاط معقد للغاية، فأولا هناك صفان من التماثيل التي يصل ارتفاع كل منها إلى 40 سنتمترا، وتمثل زنوجا حملوا قرون حيوانات.. ووسط هذه التماثيل كلها كان ثمة قفص فيه تمثال أصغر حجما. وأمام التماثيل كان ثمة زنجيان يحرقان أوراقا ذات رائحة نفاذا. وإضافة إلى هذا كله كانت ثمة امرأتان رئيسيتان، أحداهما ترتدي ثيابا على شاكلة ما يرتديه مواتا، وتشغلان معا مكاني الشرف. أما في المؤخرة فيوجد «الحريم» بأكمله، وهو مؤلف من نحو 400 امرأة كلهن عاريات إلا من بعض الزينة الضئيلة. وعدا هؤلاء، كان ثمة 200 امرأة أخرى واقفات على استعداد للاستجابة لأي طلب. وداخل المربع الذي شكلته النساء، كان يجلس كبار أعيان المملكة، وهم المعروفون باسم «كيلولو»، وكانوا يجلسون على جلود الأسود والنمرة، وكل منهم فوقه مظلة، ويرتدي ثيابا شبيهة بثياب مواتا، وعدا عن هذا كانت ثمة بعض الفرق الموسيقية التي تعزف على آلات فريدة من نوعها، محدثة أصواتا رهيبة، وبعض الخدم وكلهم يرتدون ثياب وقرون الحيوانات.
«وهؤلاء جميعا كانوا يحيطون بالملك مواتا كاسمبي، الذي جلس وسط كل هذه الفخامة ينتظر اقتراب البرتغاليين منه. والواقع أن «مواتا» -ومعناها السيد-، هو الذي يحكم بشكل مطلق شعبه بأسره. وكمساعدين له، ثمة أولا الكيلولو أو النبلاء الذين ينقسمون بدورهم إلى طبقتين. ومن بين النبلاء الأكثر امتيازا، هناك ولي العهد وأقرباء «المواتا»، والقائد الأعلى للقوات العسكرية. وللمواتا على كل هؤلاء سلطة غير محدودة، تشمل أيضا حياة وممتلكات كافة النبلاء.
«إذا كان الطاغية ذا مزاج سيء، لم يكن ليتورع عن إصدار الأمر بقطع إذن ذاك الذي لم يفهم أمرا أصدر إليه ويطلب منه تكراره «لكي يتعلم كيف يصغي بشكل أفضل في المرة القادمة». وكل سرقة كانت ترتكب في أملاك الملك، كانت تسبب لمرتكبها قطع أذنيه ويديه، أما الذي يجرؤ على مقابلات إحدى نسائه أو التحدث إليها فيعاقب بالقتل أو بقطع كل أعضائه. وكان الملك يتمتع بين شعبه المتطير باحترام كبير إلى درجة أن أي واحد سيلمسه سيموت بسبب سحره. ولكن بما أنه لم يكن من الممكن تفادي مثل هذا اللمس على الدوام، ابتكر الملك ترياقا للحيلولة دون موت لامسه. وتبعا لهذا الترياق يكون على من يلمس الملك أن يركع في حضرته، فيعمد الملك إلى لمسه محررا إياه على هذا النحو من السحر القاتل» [91].
تلكم هي صورة مجتمع ابتعد كثيرا عن الأسس الأصيلة لأية مشاعية بدائية، كما ابتعد عن كل ديموقراطية ومساواة. وليس من المستبعد أن تكف العلاقات الشيوعية والملكية الجماعية للأرض، والتنظيم المشترك للعمل، عن الوجود والبقاء ضمن هذا الشكل الاستبدادي. والبرتغاليون الذين لاحظوا بدقة الشكل الخارجي للملابس وللقاءات هاهنا، لم يكن لديهم –مثلهم مثل كافة الأوربيين- أية مصلحة تحملهم على إصدار حكم على علاقات اقتصادية، لاسيما إذا كانت هذه العلاقات تسير بشكل يختلف عن الشكل الذي تسير عليه الملكية الخاصة الأوربية. وعلى أي حال، نجد أن التفاوت الاجتماعي والاستبداد السائدين في المجتمعات المتمدنة، يتميزان تماما عن ذنيك السائدين في المجتمعات المتمدنة، واللذين عادا وأدخلا المجتمعات البدائية. إن ارتفاع مستوى النبالة البدائية، والسلطة الاستبدادية التي يتمتع بها الزعيم البدائي، ما هما سوى نتاجين طبيعين لهذا المجتمع تماما مثل شروط وجوده الأخرى. وما هما سوى تعبير آخر عن عجز المجتمع في مواجهة البيئة المحيطة، وفي مواجهة علاقاته الاجتماعية الخاصة، وهذا العجز يتبدى من خلال الممارسات السحرية العبودية، ومن خلال المجاعات الدورية حيث يتعفن الزعماء المستبدون، تعفنا نصفيا أو كليا مثلهم مثل رعاياهم. ولهذا نجد أن هذه السيطرة التي تمارسها النبالة والزعماء، تبدو متناسقة تمام التناسق مع السمات المادية والذهنية الأخرى للحياة الاجتماعية، وهو أمر ملحوظ من خلال واقع أن السلطة السياسية للزعماء البدائيين تكون على الدوام مرتبطة وثيق الارتباط بالدين الطبيعي البدائي، بعبادة الأموات وتبجيلهم. وانطلاقا من وجهة النظر هذه. نجد أن المواتا كاسمبي –زعيم زنوج لوندا، الذي ترافقه 14 امرأة حية في قبره، والذي له مطلق الصرف بحياة وموت أتباعه تبعا لمزاجه الخاص، ولأنه هو نفسه وشعبه يعتقدان، بحزم، أنه ذو قوة سحرية، أو أن أمير «كازنغو» عند ضفاف نهر لوماني، الذي –بعد ذلك بأربعين عاما- ذبح، على سبيل التحية الموجهة إلى الإنكليزي كاميرون، راقصة وهو يرتدي ثياب النساء وجلود القردة ويضع منديلا وسخا على رأسه محاطا بابنتيه العاريتين وبكبار مساعديه وشعبه، إن هذين هما في ذواتهما ظاهرتان أقل عبثية من ظاهرة السيطرة عن طريق «الفضل الالوهي» التي يمارسها رجل لا يمكن حتى لألذ أعدائه أن يقول بأنه ساحر، على شعب يتألف من 68 مليون نسمة، سبق له أن أنتج أشخاصا مثل كنت وهلمهولتز [92] وغوته!
إن المجتمع الشيوعي البدائي، انطلاقا من تطوره الداخلي نفسه، يقود إلى اللامساواة وإلى الاستبداد. غير أنه لا يمكنه أن يختفي بسبب هذا التطور، بل على العكس بامكان هذا الأخير أن يضمن له بقاء يستمر ألوف السنين. وعلى سبيل الانتظام، تصبح مثل هذه المجتمعات، آجلا أو عاجلا، فريسة للمحتلين الأجانب. ومن هنا تحدث التحولات الاجتماعية الكبيرة. وفي هذا المجال نجد أن الهيمنة الإسلامية هامة للغاية، لأنها –وفي كثير من الأماكن- استبقت السيطرة الأوربية في آسيا وإفريقيا. ونلاحظ انه حيثما وطد شعب من البدو المسلمين (سواء أكانوا من المنغول أو من العرب) سلطته في بلد محتل، نمت تلك السيرورة التي أطلق عليها هنري مين وكافالوفسكي اسم FEODALISATION. فالمحتلون دون أن يستولوا على الأراضي بأنفسهم، كانوا يسعون وراء هدفين: إبراء الذمة من الأتاوات، والتعزيز العسكري لسيطرتهم على البلد. والواقع أن التنظيم العسكري والإداري الدقيق كان يخدم هدفين: كان البلد يقسم إلى عدة ولايات يتولى فيها موظفون مسلمون مهمة جمع الضرائب والإدارة العسكرية. وعلى هذا النحو كانت أراض غير مزروعة تستخدم لتأسيس مستوطنات عسكرية.
وهذه المؤسسات، بالإضافة إلى نشر الشريعة الإسلامية، كانت تؤدي إلى حدوث تغير أساسي في أوضاع العيش العامة في المجتمعات البدائية، أما الأوضاع الاقتصادية فلم يكن يصيبها الكثير من التبدل. فأسس وتنظيم الإنتاج كانت تظل هي نفسها وتدوم لقرون طويلة –بالرغم من الاستغلال والضغط العسكري. غير أن السيطرة الإسلامية لم تهتم –في كل مكان- نفس الاهتمام بشروط حياة السكان الأصليين. فلقد مارس العرب، على الساحل الشرقي لإفريقيا، وطوال قرون من الزمان، تجارة العبيد السود.. ولقد قادتهم هذه التجارة إلى حملات طرد عنيفة للعبيد في وسط إفريقيا، وإلى تفريغ القرى من سكانها وتدميرها بشكل كلي، وإلى تعاظم استبدادية الزعماء المحليين الذين كانوا يربحون من جراء بيع أتباعهم للعرب، أو بيع هؤلاء أبناء القبائل المستعبدة المجاورة. غير أن هذا التحول، الذي أدى إلى كل هذه النتائج التي أثرت على مصير المجتمع الإفريقي، لم يكن سوى النتيجة المباشرة للتأثيرات الأوربية: فتجارة العبيد السود لم تزدهر إلا مع الاكتشافات والغزوات التي قام بها الأوربيون في القرن السادس عشر، وإلا عندما احتاج الأمر إلى السود للعمل في المزارع والمناجم التي كان الأوربيون يستغلونها في أمريكا وآسيا.
وعلى جميع الأحوال نجد أن العامل المميت للعلاقات الاجتماعية البدائية، لك يكن سوى التسلل الذي قامت به الحضارة الأوربية. فالمحتلون الأوربيون هم الأول الذين لم يهدفوا فقط إلى استعباد السكان المحليين واستغلالهم اقتصاديا، بل أيضا إلى الاستيلاء على الأرض وعلى أدوات الإنتاج. وللقيام بهذا، حرمت الرأسمالية الأوربية النظام الاجتماعي البدائي من ركيزته الأساسية. وأنها لأسوا من كل قمع واستغلال، تلك الفوضى الأوربية الشاملة وتلك الظاهرة الأوربية الخاصة التي هي عدم أمان الوجود الاجتماعي. إن الشعوب الخاضعة، إذ فصلت عن أدوات إنتاجها، لم تعد تعتبر من مثل الرأسمالية الأوربية، سوى قوة عمل، وهي إن كانت تساوي شيئا بالنسبة إلى أهداف رأس المال، فهي لا تساويه إلا إذا حوّلت إلى عبيد، وإلا جازت إبادتها. لقد رأينا هذا المنهج يطبق في المستعمرات الأسبانية والإنكليزية والفرنسية، والمجتمع البدائي الذي تمكن من البقاء خلال كل مراحله التاريخية السابقة، استسلم أمام المسيرة الرأسمالية. وكما استسلم، نجد أن بقية ما بقي من آثاره، تكنس اليوم من على سطح الأرض، فيما تعمد الرأسمالية إلى امتصاص عنصرية الرئيسين: قوة العمل وأدوات الإنتاج. لقد زال المجتمع الشيوعي البدائي –وذلك لأنه، في التحليل الأخير، تم تجاوزه من قبل التقدم الاقتصادي- وأخلى مكانه لآفاق التطور الجديد. وهذا التطور وذاك التقدم، سوف لن يتم التعبير عنهما لفترة طويلة قادمة، إلا عن طريق المناهج الدنيئة التي يتبعها مجتمع الطبقات، وسيظل يتبعها حتى اللحظة التي يتجاوزه فيها التقدم ويزيله.
والعنف ليس هنا سوى الخادم الذي يعمل لمصلحة التطور الاقتصادي.
(1)
والآن يحسن بنا أن نتفحص المؤسسات الداخلية للجماعة الجرمانية في منطقة «المارك»، وهي الجماعة التي درست أفضل من غيرها. كان الجرمانيون يتمركزون في قبائل وعشائر GESCHLECHTER وفي كل عشيرة كان يعطي لكل رب عائلة قطعة من الأرض يقيم عليها بيتا له ومزرعة. وبعد هذا كان قسم من الأرض يستخدم للزراعة، بحيث تنال كل عائلة قطعة منه. وتبعا للشهادة التي تركها لنا «سيزار» نجد أنه كانت هناك، في بداية العصر المسمى قبيلة ألمانية (هي السويف أو السواب) كانت تزرع الحقول بشكل جماعي دون أن تقسمها بين العائلات، غير أن التقسيم السنوي للأرض إلى قطع، كان معمولا به، ولاسيما أيام المؤرخ الروماني تاسيتيوس في القرن الثاني. وفي بعض المناطق، مثلما في مقاطعة فريكهوفن، «في منطقة ناساو»، كانت عمليات التوزيع السنوي للأرض سارية حتى القرنين السابع عشر والثامن عشر. وفي القرن التاسع عشر، في بعض مقاطعات منطقة «بالاتينات» البافارية على ضفة نهر الرين، كان ثمة نظام للقرعة معمولا به، ولو خلال فترات زمانية أكثر طولا: أي مرة كل ثلاث، أو أربع أو تسع سنوات، أو حتى 12 و14 و18 سنة. وهذه الحقول لم تصبح ملكيات خاصة، نهائيا، إلا نحو منتصف القرن الثامن عشر وكذلك في بعض أقاليم اسكوتلاندا، كان تقسيم الحقول ما يزال ساري المفعول حتى الحقب الأخيرة في الأصل، كانت كافة القطع متساوية في مساحتها، بشكل يتناسب مع متوسط احتياجات كل عائلة، وتبعا لخصوبة التربة وإنتاجية العمل وكانت مساحة القطعة تصل، تبعا لنوعية الأرض، إلى 15 أو 30 أو 40 اربنتا أو أكثر، وذلك في مختلف المناطق في الجزء الأكبر من أوربا، تحولت قطع الأرض المعطاة تبعا لنظام القرعة، تحولت منذ القرنين الخامس والسادس، إلى أراض تملكها العائلات الزوجية بشكل وراثي، ويمكنها أن تورثها... وعلى هذا تقلص نظام القرعة تدريجيا حتى اختفى تماما. غير أن هذا كان فقط بالنسبة إلى الحقول، أما الأراضي الباقية: الغابات، البراري، المياه والمناطق غير المستقلة، فظلت ممتلكات للمجموعة كلها في المارك، لا يمكن اقتسامها. فالمواد التي كانت الغابات توفرها، على سبيل المثال، كانت تستخدم لسد الحاجات الجماعية وللاتفاق العام... أما الباقي فكان يقسم بين الجميع. وكذلك المراعي كانت تستخدم بشكل جماعي.. ولقد ظلت على حالها هذا لزمن طويل، بل ويمكن العثور عليها حتى الآن أيضا في منطقة الألب البافارية، والتيرول وسويسرا، كما في فرنسا والنرويج والسويد.
ولضمان مساواة كاملة في عملية توزيع الحقول، كان يبدأ بتقسيم الأرض، تبعا لنوعية التربة وبقية المواصفات، إلى بضعة أحياء (تسمى OESH أو GEWANN) وكان كل واحد من هذه الأحياء يقسم إلى قطع ضيقة يساوي عددها عدد أصحاب الحق في الحصول عليها. فإذا كان ثمة لدى أحدهم من شك بصدد عدالة التوزيع، كان يمكنه، في أية لحظة يشاء، أن يطالب بإجراء قياس جديد لكل الأرض، بحيث أن عقابا صارما كان يطال من يحاول منعه من هذا.
ثم حين أهملت تماما مسألتا اعتماد القرعة، والتوزيع الدوري للأراضي، ظل عمل كافة أعضاء الجماعة في الحقول، عملا مشتركا خاضعا لقوانين جماعية وصارمة. ولقد نتج عن هذا، بالنسبة إلى كل عضو من أعضاء الجماعة، أن كل واحد كان مجبرا على العمل بشكل عام. وذلك لأنه لا يكفي الواحد أن يقيم في تلك الأراضي لكي يكون حقا عضوا في الجماعة. بل كان ينبغي عليه أن يقيم لنفسه، بنفسه سكنا، وأن يزرع حاجاته بنفسه. وكل واحد كان يتخلف، لعدة سنوات متتالية عن زراعة أرضه، كان يفقدها دون أية إجراءات قانونية، بحيث يصبح بمقدور الجماعة أن تعطيها إلى أيد فرد آخر لكي يتولى زراعتها، أما هذا العمل نفسه فكان يتم بإشراف الجماعة كلها. في سنوات الاستيطان الجرماني الأولى، كانت تربية المواشي في مركز الحياة الاقتصادية، وكانت تمارس في المراعي والبراري المشتركة تحت قيادة الرعاة المشتركين. ولتربية الماشية كان يجري استخدام الأراضي البور، والحقول بعد حصادها. وعن هذا وحده نتج أن فترات البذار والحصاد، وتعاقب الزراعة واستراحة الأراضي بالنسبة إلى كل قسم من أقسام الأرض المشتركة، وتعاقب فترات البذار، كانت كلها أمور تسوي بشكل مشترك، بحيث كان على كل واحد أن يخضع للقوانين العامة. وكان كل حي يحاط بسياج وأبواب، ويظل مغلقا ما بين موسم البذار وموسم الحصاد، أما مواعيد الفتح والإغلاق فكان يجري تقريرها عن طريق القرية كلها. أما كل حي فكان يخضع لإدارة مراقب يعتبر موظفا عاما من موظفي المجموعة، ويكون مسؤولا عن تطبيق النظام المعمول به، أما مسألة تحديد الأحياء فكانت مناسبة لإقامة احتفالات تشترك فيها كافة القرى، بكل سكانها، بما فيهم الأطفال الذين يعاملون بخشونة لكي يفهموا تماما معنى الحدود، ويدركوا مغازيها.
تربية المواشي، كذلك، كانت تمارس بشكل جماعي، بحيث كان يمنع على أي عضو من أعضاء الجماعة أن يحتفظ بقطعانه معزولة. كما أن كافة حيوانات القرية كانت توزع إلى قطعان مشتركة، تبعا لصنف الحيوان، وكان لكل قطيع رعيانه، بالإضافة إلى حيوان قائد له، وكان من القوانين المرعية ضرورة تعليق جرس في رقبة كل حيوان. أما الحق في القنص والصيد، في الأراضي المشاعية، فكان حقا مشتركا. بحيث أن ما من واحد كان يحق له أن يغضب الشباك والأفخاخ في قطعته إن لم يخطر سلفا، بهذا، بقية أفراد الجماعة. هذا بينما المعادن والفلذات، وكل ما كان يعثر عليه في جوف الأرض، على عمق يزيد عما يمكن للمحراث حفره، فكان يعتبر ملكا للجماعة كلها، وليس لذاك الذي عثر عليه. وداخل كل جماعة كان ينبغي أن يتواجد العدد اللازم من الحرفيين الماهرين. صحيح أن العائلات الفلاحية كانت تصنع، بنفسها معظم الأدوات التي تستخدمها في حياتها اليومية: ففي البيت كان يتم الطهو على نار الموقدة، وكانت تعقد البيرة، وتحاك أقمشة الثياب. ومع هذا، منذ زمن مبكر، أخذ البعض يتخصصون في ممارسة عدد من المهن، ولاسيما تلك التي تتعلق بصناعة الأدوات الزراعية. وهكذا مثلا نرى كيف أن كافة أعضاء جماعة «وولب» التي تعيش بالقرب من الغابات في منطقة الساكس الدنيا، كان عليهم أن يكون من بينهم «رجلا متخصصا في كل مهنة من مهن الغابات، يمكنه أن يصنع –شيئا مفيدا- من الخشب»، وفي كل مكان كان يحدد سلفا، للحرفيين، نوع الخشب الذي يمكنهم استخدامه، والكمية التي يسمح لهم بها، وكان هذا من أجل توفير القسم الأكبر من الغابة، وعدم صنع ما يزيد عن حاجة أعضاء الجماعة من المواد الضرورية. وكان الحرفيون يتلقون، من الجماعة، كل ما كانوا بحاجة إليه لعيشهم، وكان لهم –بشكل عام- نفس الوضع الذي يتمتع به كافة الفلاحين، غير أنه لم تكن لهم نفس الحقوق –وذلك لأنهم لم يكونوا من العاملين في الزراعة التي تعتبر النشاط الاقتصادي الأول في الحياة العامة، بحيث أن كافة الحقوق والواجبات كانت تدور من حولها [69].
وهذا هو السبب في أنه لم يكن بامكان كل من يشاء، أن يصبح فردا من الجماعة. إذ كان ينبغي –لكي يتم توطين غريب ما- الحصول على إذن بالإجماع من كافة أعضاء الجماعة. ولم يكن لأي واحد من هؤلاء أن يتنازل عن قطعة الأرض التي تخصه، لأي غريب، بل فقط لواحد من الجماعة، وعلنا أمام المحكمة الخاصة بهذا.
على رأس الجماعة كان هناك مختار القرية الذي كان ينطلق عليه اسم «دورففراف» أو «شولتهايس» أو حتى «ماركميستر» و«سنتر». وكان هذا ينتخب بواسطة جميع أفراد الجماعة. والواقع أن هذا الانتخاب لم يكن ليعتبر تشريفا للمنتخب، بل وظيفة أساسية: لذا لم يكن من حقه أن يرفض الانتخاب، تحت طائلة العقاب. ولكن نعرف جميعا أن هذه الوظيفة أضحت، مع مرور الزمن، وظيفة وراثية تخص عددا من العائلات. ومن هنا لم يكن ثمة سوى خطوة واحدة تجتازها هذه الوظيفة حتى تصبح شيئا يباع ويشتري –بسبب الجاه والثراء اللذين كانت توفرهما لحاملهما. لتتحول بالتالي من وظيفة ديموقراطية وانتخابية، إلى وسيلة للسيطرة على الجماعة. ومع هذا، لم يكن الزعيم، في عز تلك الأيام، سوى منفذ لرغبات الجماعة. أما كافة المسائل والقضايا فكانت تسوى عن طريق مجالس تضم كافة أعضاء الجماعة، وتتولى التحكيم في كافة الخلافات وفرض العقوبات. وكان المجلس هو الذي يقرر مسألة تنظيم الأعمال في الحقول، وشق الطرقات والبناء، وتعيين رجال الأمن للحقول والقرية. ولهذا المجلس كان كافة الأعضاء يقدمون الحسابات التي كانت تدون في «سجلات المشاعية». وكانت كافة الأحكام القضائية تقال، من قبل المساعدين، شفهيا وعلنا، وذلك بإشراف الزعيم. وكان أعضاء الجماعة هم الوحيدين الذين يحق لهم حضور جلسات المحاكم، هذا الحضور الذي كان ممنوعا على الغرباء. وكان –كذلك- أعضاء الجماعة ممنوعين من الشهادة من أجل بعضهم البعض، بالرغم من أنهم جميعا كانوا مجبرين على التعاون فيما بينهم، بكل أمانة وأخوة، في حالات الحرائق والهجمات الخارجية..الخ، وفي داخل الجيش، كان أعضاء كل جماعة مشاعية، يشكلون فرقتهم الخاصة ويقاتلون –على هذا النحو- جنبا إلى جنب. وفي حالة الجرائم والخسائر التي تجري داخل الجماعة، أو من قبل أحد أفرادها في الخارج، كانت الجماعة كلها تعتبر مسؤولية بالتكافل والتضامن. وكان أعضاؤها مجبرون على إيواء المسافرين ومساعدة المعوزين. والجماعة «الماركية» كان تشكل كلها، في الأصل جماعة دينية، ثم منذ دخول المسيحية –التي دخلت بشكل متأخر جدا، لدى جزء من الجرمانيين، ولدى الساكسون مثلا- أضحت الجماعة تشكل رعية كنسية واحدة، ثم، أخيرا، كانت الجماعة كلها، وبشكل عام، توفر معلم مدرسة يتولى تعليم شبيبة القرية.
ليس بوسعنا بالطبع، أن نتصور شيئا أكثر بساطة وتناسقا من هذا النظام الاقتصادي الذي عاش في ظله أهالي الماركات الجرمانية القديمة. إن كل آلية الحياة الاجتماعية، هنا، يشبه سماء صافية: تخطيط صارم وتنظيم دقيق يشمل نشاط كل واحد ويدخله كعنصر من كل متناسق. إن الحاجات المباشرة للحياة اليومية، وإرضاء هذه الحاجات بالنسبة إلى جميع، هما نقطة الانطلاق لهذا التنظيم، كما أنهما هدفه النهائي. فالجميع هنا يعملون سوية في سبيل الجميع، ويقررون كل شيء شراكة. فمن أين أتى، وعلام يستند هذا التنظيم، وهذه السلطة التي تمارسها الجماعة على الفرد؟ لقد أتت من شيوعية الأرض، أي من الامتلاك الجماعي لأهم أداة من أدوات الإنتاج. ومع هذا ستظهر السمات النموذجية للتنظيم الاقتصادي للشيوعية البدائية بشكل أفضل إن نحن درسناها بالمقارنة على الصعيد العالمي، لكي ندركها على هذا النحو كقوة عالمية للإنتاج في تنوعه وفي مرونته العالميين.
لنتجه الآن بأبصارنا شطر إمبراطورية الأنكا القديمة في أمريكا الجنوبية. لقد كانت الأرض الخاصة بهذه الإمبراطورية، والتي تغطي ما يعرف اليوم بـ«البيرو» و«الشيلي» و«بوليفيا» -أي ما تصل مساحته الحالية إلى 3364600 كلم مربع، وعدد سكانه إلى 12 مليون نسمة- كانت تدار في الزمن الذي جرى فيه غزوها على يد بيزارو، بنفس الأسلوب الذي كانت به تدار في العصور السالفة. فنحن، في تلك الإمبراطورية، نجد نفس المؤسسات التي وجدناها لدى الجرمانيين القدماء، فكل عائلة ها هنا، تشكل مشاعة، وتكون في الوقت نفسه كتيبة من الرجال القادرين على حمل السلاح، وهذه العائلة المشاعية تشتغل قطعة من الأرض تملكها، ويطلق عليها –ويا للغرابة!- نفس الاسم الذي يطلق على مثيلتها لدى الجرمان: الـ«ماركا». كانت الأراضي القابلة للزراعة تفصل عن أرض الماركا، وتقسم إلى قطع تعطى –تبعا للقرعة- كل عام قبل موسم البذار، بين العائلات. وكانت مساحة القطع تقاس تبعا لحجم العائلة المعنية، أي –بالتالي- تبعا لحجم حاجات هذه العائلة. أما زعيم القرية، الذي –عند زمن تأسيس الإمبراطورية- أي في القرنين العاشر والحادي عشر- لم يعد ينتخب انتخابا، بل ينال وظيفته عن طريق الوراثة، فكان يحصل على القطعة الأكبر. في شمال البيرو لم تكن كل عائلة تزرع أرضها بشكل مستقل، بل كانت كل عشر عائلات تعمل سوية تحت إشراف زعيم –وهو تنظيم يشير بعض العلماء إلى وجود ما يشابهه لدى الجرمانيين-. وكانت العائلات العشر تتولى، واحدة بعد أخرى، زراعة كافة قطع الأرض التي تعود لكل منها، بل وحتى للغائبين الذين يكونون منهمكين في الحرب، أو في أعمال السخرة خدمة للأباطرة. كانت كل عائلة تتلقى الثمار التي تجنى في أرضها. ولم يكن من حق أي واحد، من غير القاطنين في الماركا، والمنتمين على العشيرة، أن يحصل على قطعة من الأرض. وكان على كل واحد أن يزرع أرضه بنفسه، أما الذي يهمل أرضه خلال عدة سنوات (ثلاث سنوات في المكسيك) فكان يفقد حقه فيها. أما الحصص من الأرض، فلم يكن بالامكان لا بيعها ولا شراؤها.. ولا حتى تقديمها مجانا. وكان من الممنوع بتاتا مغادرة الماركا الخاصة، والإقامة في ماركا أخرى.. ومما لاشك فيه أن هذا ذو علاقة بمسألة روابط الدم بين العشائر القروية. كما أن زراعة الحقل، في المناطق الساحلية حيث لا تهطل الأمطار إلا بشكل موسمي، كانت تتطلب قنوات تحفرها الجماعة بشكل مشترك. ولقد كانت هناك قواعد صارمة تتعلق باستخدام الماء وتوزيعه بين مختلف القرى، وداخل كل قرية. وكانت هناك في كل قرية حقول تعرف باسم «حقول الفقراء» يتولى زراعتها كافة أعضاء الجماعة، ويتم توزيع محصولها، عن طريق زعيم القرية، بين العجائز والأرامل، وبقية المعوزين. أما بقية الأراضي التي تقع خارج نطاق الحقول فكانت تسمى «ماركا باتشا» أي «الأراضي المشتركة».
في الجزء الجبلي من البلاد، حيث لم تنجح عملية زراعة الحقول، كان نوع من تربية الماشية، يقتصر تقريبا على تربية حيوان اللاما، يشكل أساس وجود السكان الذين، بين وقت وآخر، كانوا يحملون نتاجهم من الصوف إلى الوديان ليبادلوه، مع الفلاحين، بالذرة والجزر وبعض التوابل. وفي الجبال، كانت توجد، منذ عهد الغزو، قطعان تعتبر ملكية خاصة، كما كان ثمة تفاوت حقيقي في الثروات. فالفرد الواحد في الماركا كان يملك بين ثلاث وعشر لامات، بينما كانت تصل ممتلكات الزعيم، من هذا الحيوان إلى خمسين أو مائة. أما الأرض والغابات والمراعي فكانت تعتبر ملكية عامة (مشاعية) وكان هنا، إضافة إلى القطعان الخاصة، قطعان تملكها القرية كلها. وفي مواعيد محددة، كان يتم ذبح جزء من القطعان المشتركة، ليوزع لحمها وصوفها بين العائلات. وفي تلك المجتمعات، لم يكن ثمة وجود للحرفيين، إذ أن كل عائلة كانت تصنع ما هي بحاجة إليه. وكانت هناك قرى تعرف بمهارتها الخاصة في هذا النشاط أو ذاك: الحياكة، صنع الآنية، أو الأشغال المعدنية. وعلى رأس كل قرية كان هناك زعيم، كان يعين بالانتخاب أصلا، لكن المنصب أضحى وراثيا بعد ذلك، وكان هذا الزعيم يسهر على زراعة الحقول، أما بالنسبة إلى القضايا الهامة فكان يعمد إلى استشارة مجلس القرية التي تضم البالغين، ويكون من حقه استدعاؤها حالما تدعو الحاجة.
حتى الآن نلاحظ بان الماركا البيروفية القديمة، لها نفس الملامح والصفات الموجودة لدى الماركات الجرمانية. أما الشيء الذي تختلف فيه عن الصورة التي تعرفها، فمسألة من شأنها أن تتيح لنا الدخول في طبيعة هذا النظام الاجتماعي بشكل أفضل. فالشيء الخاص بإمبراطورية الأنكا القديمة، كان أن الأمر يتعلق هنا ببلد تعرض للغزو، أو هو الآن خاضع لسيطرة أجنبية. صحيح أن الغزاة، أي الأنكا، كانوا يشكلون جزءا من القبائل الهندية بدوره، غير أنهم عمدوا إلى إخضاع قبائل ألفشوا المسالمة الزراعية، لمجرد أنها كانت تعيش معزولة عن العالم، حيث كانت كل قرية تهتم بنفسها، دون أية علاقة تربطها بالمناطق الأخرى، ودون أدنى اهتمام بما من شأنه أن يحدث خارج أراضي الماركا. بشكل عام، ترك الغزاة الأنكا، هذا التنظيم الانعزالي على حاله، خاصة وأنه هو الذي سهل لهم الغزو. وكل ما في الأمر أنهم طعموه بنظام استغلال اقتصادي وسيطرة سياسية، معدل. إذ أن كل ماركا تم غزوها كان عليها أن تضع جانبا بعض الحقول التي تسميها «حقول الأنكا» أو «حقول الشمس».. وهذه الحقول تظل مملوكة للماركا، غير إن نتاجها يذهب إلى الأنكا وإلى كهنتهم. وكذلك كان على قبائل الرعاة الجبلية أن تحتفظ بقسم من قطعانها، يعتبر «ملكا للسادة». أما حراسة هذه القطعان ورعيها، تماما مثل زراعة حقول الانكا وكهنتهم، فعمل سخرة يقوم به أعضاء الجماعة إذ هو مفروض عليهم فرضا. أضف إلى هذا كله، عمل السخرة الذي كان أبناء الماركات يؤدونه في المناجم والأشغال العامة من شق للطرقات وبناء للجسور، وهي أعمال كان السادة يشرفون عليها، وهذا دون أن ننسى الخدمة العسكرية ذات النظام الصارم التي كان يؤديها الشبان، فيما كان عدد من الفتيات يقدم، أما كقرابين وضحايا للآلهة، وأما كجاريات لخدمة الأسياد.
غير أن نظام الاستغلال القاسي هذا، لم يحدث أي تغيير في الحياة الداخلية للجماعات أو لمؤسساتها الشيوعية الديموقراطية، وذلك لأن أقوام الماركات تحملوا أعمال السخرة وكل ما فرض عليهم، بشكل جماعي. ومن الأمور الجديرة بالانتباه أن التنظيم القروي الشيوعي لم يكن، كما كان يحدث غالبا في مجريات التاريخ، مجرد الركيزة الصلبة والدؤوبة لنظام استغلال واستعباد، بل كان لهذا النظام نفسه تنظيم شيوعي. فالواقع أن الأنكا الذين عاشوا عيشة مريحة على حساب القبائل البيروفية الخاضعة، كانوا هم أنفسهم يعيشون في تجمعات عشائرية تمت إلى نظام الماركا بأكثر من صلة، بحيث أن مقرهم الرئيسي، مدينة كوزكو، لم يكن سوى تجمع يضم دزينة ونصف من المساكن التي كان كل واحد منها مقر حياة جماعية لعشيرة بأكملها، كما كان لكل مسكن مدفن مشترك في داخله، ويحظى بنوع من العبادة خاص به تتم طقوسه بشكل مشترك. وحول هذه المساكن العشائرية الفسيحة، كانت تمتد أراضي الأنكا التي تحوي غابات ومراع مشتركة، وحقول مقسمة، تزرع بشكل جماعي. فهؤلاء المستغلون والمسيطرون، لأنهم كانوا شعبا بدائيا، لم يكونوا قد تخلوا بعد عن العمل، كل ما في الأمر أنهم كانوا يستغلون وضعهم كأسياد، لكي يعيشوا عيشة أفضل من تلك التي يعيشها أتباعهم، ويقدموا المزيد والمزيد من الضحايا لآلهتهم. أم الفن الحديث، فن العيش بفضل عمل الآخرين، وجعل اللهو في كل الأوقات إحدى مكاسب التسلط، فأمر كان غريبا عن ذاك التنظيم الاجتماعي حيث كانت الملكية المشاعية، والإرغام العام على العمل، يشكلان عادات شعبية متجذرة بصورة عميقة. أما ممارسة السلطة السياسية فكانت منظمة بشكل يجعلها أشبه بوظيفة مشتركة بين عائلات الأنكا. فالمديرون الأنكا المقيمون في أقاليم البيرو، والذين كان عملهم مماثلا لعمل المقيمين الهولنديين في الأرخبيل الماليزي، كانوا يعتبرون مندوبين لعشائرهم في كوزكو، حيث كانوا يحتفظون بمكان لهم في المساكن الجماعية ويساهمون في حياة جماعتهم الخاصة بهم. وفي كل عام كان هؤلاء المندوبون يعودون إلى كوزكو للاحتفال بأعياد الصيف، حيث يقدمون تقريرا حول الطريقة التي بها مارسوا وظيفتهم، ومن ثم يحتفلون بالعيد الديني الكبير، برفقة أعضاء عشائرهم الآخرين.
إن لدينا هنا، وإلى حد ما، فئتين اجتماعيتين، أحداهما متميزة عن الأخرى، والاثنتان معا منتظمتان داخليا تبعا للنمط الشيوعي، وكل منهما تعيش تبعا لوضعها الاجتماعي: أحداهما مستغلة –بفتح الغين- والأخرى مستغلة -بكسر الغين-. للوهلة الأولى قد تبدو هذه الظاهرة عسيرة على الإدراك، لأنها في تناقض صارخ مع مبادئ المساواة والأخوة والديموقراطية، التي كانت تشكل أساس تنظيم المشاعيات الزراعية. غير أن لدينا هنا الدليل الحي على أن المؤسسات الشيوعية البدائية كانت ذات علاقة يسيرة للغاية، في الحقيقة، مع أي مبدأ من مبادئ المساواة والحرية الشاملتين. فهذه «المبادئ» المطبقة في مفهومها الشامل على كافة البلدان، أو على الأقل في البلدان «المتمدنة»، أي في بلدان الحضارة الرأسمالية، أي على «الإنسان» المطلق، على كافة البشر، ليست سوى المنتوج المتأخر للمجتمع البرجوازي الحديث، وهي مبادئ كانت الثورات –الأمريكية والفرنسية..الخ.- هي أول من نادى بها. أما المجتمع الشيوعي البدائي فكان يجهل المبادئ العامة التي تسري على كافة البشر: وذلك لأن المساواة والتضامن في هذا المجتمع إنما كانا نتاجا للتقاليد الشيوعية العائدة إلى روابط الدم، وإلى الملكية المشاعية لأدوات الإنتاج. فها هنا لم تكن المساواة في الحقوق، وتضامن المصالح ليصلان إلى أبعد مما كانت تصل إليه روابط الدم وهذه الملكية. وكل ما كان يقوم خارج هذه الحدود –التي كانت تقع ضمن أراضي القرية أو القبيلة في أحسن الأحوال- كان غريبا، بل ومعاديا أحيانا. أما الجماعات، القائمة في الداخل على أساس التضامن الاقتصادي، فكانت مجبرة أحيانا وبشكل دوري، بسبب انخفاض مستوى نمو الإنتاج، والمدخول المتدني ونفاذ مصادر الغذاء وازدياد عدد السكان، مجبرة على الدخول في صراع مصالح قاتل فيما بينها، وبينها وبين الجماعات الأخرى المشابهة لها. عند ذاك كان من شأن العراك الحيواني، أي الحرب، أن يقرر مصير الصراع: إبادة أحد المعسكرين أو –في أغلب الأحوال- إقامة علاقات استغلال بين المتصارعين. إذن لم يكن التعلق بمبادئ المساواة والحرية المطلقة، في أساس الشيوعية البدائية، بل كانت الضرورة الماسة ضمن ذلك المستوى المنخفض من مستويات تطور الحضارة البشرية، هي التي تشكل أساسها، بالإضافة إلى العجز البشري في مواجهة الطبيعة، هذا العجز الذي كان يفرض على القبيلة، كشرط مطلق لبقائها، كان يفرض عليها أن تعيش بشكل تضامني في جماعات كبيرة الحجم، وأن تعمل بشكل موحد، وكذلك أن توحد نضالها في سبيل الحياة والبقاء.
غير أن سيطرة الطبيعة المحدودة نفسها، كانت تقلص المخطط والعمل المشتركين لتحصرهما في أراض ضيقة تضم بعض المراعي والحقول المحيطة بالقرية، وتمنع هذه الأخيرة من أن تمد عملها المشترك إلى أبعد من تلك المراعي والحقول. فالواقع أن المستوى البدائي للزراعة لم يكن ليسمح بزراعات تتجاوز أرض القرية، وهذا كان يضع حدودا ضيقة للغاية لمسألة تضامن المصالح. وكان هذا المستوى المخفض لإنتاجية العمل، يؤدي دوريا إلى قيام صراعات بين مختلف الجماعات الاجتماعية، مما كان يجعل العنف، الأسلوب الوحيد لتسوية تلك الصراعات. أي أن الحرب ظلت الأسلوب الدائم لحل صراعات المصالح بين الجماعات الاجتماعية، وذلك حتى الوقت الذي جاء فيه المستوى الأعلى لنمو إنتاجية العمل، أي سيطرة الإنسان التامة على الطبيعة، ليضع حدا لصراعات المصالح المادية. ولكن إذا كان الصدام بين مختلف الجماعات الشيوعية البدائية، معطى دائما. فإن المخرج من هذا الوضع كان إذا يحدد بدوره، مستوى تطور إنتاجية العمل. فبالنسبة، مثلا، إلى صراع بين شعبين من البدو مربي الماشية، يتنازعان على استخدام المراعي، نجد أن العنف القاسي وحده كان القادر على تقرير مّن من الشعبين سيظل سيدا في هذه المراعي، ومن هو الشعب الذي سيطرد باتجاه المناطق الجافة غير الصالحة لاستقبال الإنسان، هذا إذا لم يباد. أما حيث كانت الزراعة قد ازدهرت بشكل لا بأس به بحيث كانت قادرة على ضمان غذاء جيد، دون امتصاص كل قوة عمل، وكل حياة، القوم المعنيين، فكان يقوم كذلك الأساس الصالح لوجود استغلال منتظم للفلاحين على يد غزاة أجانب. وعلى هذا النحو، مثلا، شهدنا وجود وضع مثل وضع البيرو، كان فيه المجتمع الشيوعي يستغل مجتمعا شيوعيا آخر. والواقع أن هذه البنية الخاصة بإمبراطورية الأنكا مسألة هامة للغاية، إذ أنها تتيح لنا فهم سلسلة من التشكيلات الاجتماعية المشابهة التي قامت في الزمن الكلاسيكي القديم، ولاسيما في بدايات التاريخ اليوناني.
عندما يعلمنا التاريخ المدون، بشكل عابر، بأن السكان المستعبدين، في جزيرة كريت التي يسيطر عليها الدوريون، كانوا مجبرين على أن يقدموا كل إنتاج حقولهم إلى «الجماعة»، بعد أن يحسموا منه ما هم بحاجة إليه لغذائهم وغذاء عائلاتهم، وللإنتاج المدفوع كأتاوة، كان يغذي الولائم المشتركة للأشخاص الأحرار (أي السادة الدوريون): أو يعلمنا بأنه كان في سبارطة، وهي بدورها مدينة دورية، كان يوجد «عبيد للدولة» هم الهيلوطس، الذين كانت أراضي هؤلاء.. عندما يعلمنا التاريخ كل هذا، نشعر بأن هذه الأوضاع هي أقرب إلى الأحجية. وعلى سبيل تفسير هذه التقاليد الغربية التي عرفها التاريخ، يقدم لنا عالم برجوازي هو ماكس فيبر، الأستاذ المقيم في هايدلبرغ، يقدم لنا أغرب الافتراضات، من جهة نظر الوضع الراهن ومفاهيمه إذ يقول:
«إن السكان المستعبدين يعاملون هنا (في سبارطة) على أساس أنهم عبيد للدولة، بحيث أن الأتاوات العينية التي يقدمونها، إنما تخدم لتغذية المحاربين، وبشكل مشترك جزئيا، وجزئيا بشكل يعيش معه الفرد، من إنتاج بعض الحقول التي يزرعها العبيد، وهي حقول يتملكها بأشكال مختلفة، لم تكن الوراثة اقلها.. بل كانت عامل تملك يزداد أهمية مع الزمن. ويقول لنا التاريخ بأن هبات جديدة تشمل قطعا من الأرض، وتقسيما جديدا للأراضي، أضحت أمورا ممكنة خلال الحقبة التاريخية المدونة. غير أن هذه لم تكن، طبعا، عمليات إعادة توزيع للحقول (و«طبعا» لأن أستاذا برجوازيا لا يمكنه أن يقر بمثل هذا التوزيع.. إن استطاع) بل –بشكل من الأشكال- إعادة توزيع للريع العقاري. أما التفاصيل فتقررها الاعتبارات العسكرية، وبشكل خاص سياسة عسكرية تتعلق بالسكان هي التي تقرر كافة التفاصيل. إن طابع الفيودالية (الإقطاعية) المدينية لهذه السياسة يبرز أمامنا بشكل يتميز في أن الأملاك العقارية لشخص حر، تزرع على يد عبد، تكون –في غورتين- خاضعة للقانون العسكري الخاص: فهذه الأملاك تشكل ما يعرف باسم KLAROS وتكون خاضعة لضرورة إعاشة عائلة المحارب (فإذا ما ترجمنا هذه اللغة الأستاذية إلى لغة واضحة ينتج عنها ما يلي: إن قطع الحقول تعتبر ملكية للمدينة كلها، ولهذا لا يجوز اغتصابها ولا توزيعها بعد موت صاحبها، وهو الأمر الذي يفسره الأستاذ فيبر بعد ذلك بأنه إجراء حكيم يهدف إلى «منع تمزيق الثروة إربا» وأنه «في مصلحة الحفاظ على قطع الأراضي اللائقة بوضع المحارب»). إن ذروة هذا التنظيم تكون في مسألة إقامة الطاولة المشتركة لكافة المحاربين، وذلك عن طريق التعليم المشترك للأطفال بواسطة الدولة لجعلهم جميعا من المحاربين.. وذلك تماما مثلما يحدث بالنسبة إلى صف الضباط في ألمانيا» [70].
وعلى هذا النحو، هاكم اليونانيون زمن الأبطال، زمن هكتور وآخيل، وقد تحولوا إلى ضباط بروسيين، بكل ما لدى هؤلاء من حفلات العهر التي تسودها الشمبانيا «وهي وسيلة تليق بوضعهم». وعلى هذا النحو أيضا يتحول الشبان والشابات العراة في سبارطة، والذين يتلقون دراسة شعبية مشتركة، يتحولون إلى أشياء تشبه المقيمين في مؤسسة صف الضباط الشبيهة بـ غروس-ليخترفيلد في برلين، التي هي بالسجن أشبه.
بالنسبة إلى من يعرف البنية الداخلية لإمبراطورية الأنكا، لن يمثل الوضع المرسوم أعلاه، أية صعوبات على الإطلاق، فهو، دون أدنى شك، نتاج وجود تشكيلتين اجتماعيتين شيوعيتين، أحداهما مجتمع زراعي تستغله التشكيلة الأخرى. أما إلى أية درجة تدوم الركائز الشيوعية في عادات السادة وفي وضع المستغلين –بفتح الغين- فمسألة ترتبط بدرجة تصور واستمرار هاتين التشكيلتين، وبيئتهما. مما لا شك فيه أن إمبراطورية الأنكا، حيث يعمل السادة بأنفسهم، وحيث ظلت الملكية العقارية للمضطهدين –بفتح الهاء- على حالها، وحيث كانت كل تشكيلية اجتماعية منظمة بشكل مغلق، إمبراطورية الأنكا هذه يمكن اعتبارها أقدم أشكال علاقات الاستغلال التي لم يقدر لها أن تبقى إلا بفعل مستوى بدائي، نسبيا، من الحضارة، وإلا بفضل العزلة التي عاش فيها هذا البلد بعيدا عن العالم طوال قرون عديدة من الزمن. أما بالنسبة على مستوى أكثر تقدما، فترينا المعلومات التي نقلت إلينا عن جزيرة كريت، أن الجماعة الفلاحية المستغلة، كانت مجبرة على تسليم كل نتاج عملها، باستثناء ما هي بحاجة ماسة إليه، إلى الجماعة المسيطرة التي لم تكن تعيش بفضل عملها في الحقول، بل بفضل ما تقدمه لها الجماعة الخاضعة، ومع هذا كانت تستهلك هذه الأتاواة بشكل جماعي شيوعي. فإذا ما تقدمنا خطوة أخرى على طريق التطور نصل إلى سبارطة حيث لم تعد الأرض ملكا للجماعة المستعبدة، بل ملكا للسادة الذين يوزعونها فيما بينهم عن طريق القرعة. إن فقدان الحق في ملكية الأرض، أدى إلى تمزيق التنظيم الاجتماعي للجماعة المستعبدة، بحيث تحول أعضاؤها أنفسهم إلى عبيد تمتلكهم جماعة السادة، أي أنهم أصبحوا قوة العمل التي يجري تقسيمها بشكل شيوعي بين السادة تبعا لتنظيم يتم بـ«اسم الدولة». أما السادة السبارطيون فظلوا يعيشون تبعا لنمط جماعي صارم. ومثل هذا الوضع يبدو أنه هيمن، بشكل أو بآخر، في تيساليا، حيث خضع سكان المنطقة الأصليون، البنستوس، (أو القوم الفقراء)، لسيطرة الأيوليين، وفي بيثينيا حيث استعبدت قبائل تراسيوس (التراقية) سكان المنطقة الأصليين من «المارياندين».
إن هذا الوجود الطفيلي، قد أدى –بشكل لا يقاوم- إلى إدخال بذرة تحلل واضمحلال الجماعة المهيمنة نفسها. فالغزو وضرورة تحويل الاستغلال إلى مؤسسة دائمة، أديا إلى تطور هائل للجهاز العسكري، وهي ظاهرة نلاحظها كذلك في دولة الأنكا وفي الدول السبارطية. وهذه الظاهرة هي أساس اللامساواة، وأساس قيام الشرائح المتمتعة بالامتيازات داخل جمهرة الفلاحين المتساوين والأحرار أصلا. عن ذاك بات يكفي أن تصبح الظروف الجغرافية والتاريخية ملائمة، وأن يوقظ الاصطدام بالشعوب الأكثر تحضرا، حاجات أكثر تطورا ورغبة في التغيير حتى تعم اللامساواة لدى السادة، وحتى يضعف التماسك الشيوعي، مخليا مكانه لملكية خاصة أدت إلى انفصال حاد بين الأغنياء والفقراء. والواقع أن بدايات التاريخ اليوناني بعد الاصطدام بالحضارات الشرقية القديمة، توفر لنا مثالا كلاسيكيا على هذه الظواهر. فالحقيقة أن نتيجة خضوع جماعة شيوعية بدائية لأخرى، هي على المدى الطويل، وعلى الدوام، نفسها: تتفكك الروابط الشيوعية التقليدية عند السادة كما عند العبيد، ويتكون مجتمع جديد تسوده الملكية الخاصة والاستغلال والتفاوت. إن تاريخ المشاعيات الزراعية في الأزمان الكلاسيكية القديمة يؤدي، من جهة، إلى التعارض بين جمهرة من صغار الفلاحين المديونين، وبين النبلاء الذين يحتفظون بالخدمة العسكرية حقا لهم، وبالتالي يهيمنون على الوظائف العامة والتجارة ويتملكون الأراضي المشتركة، ومن جهة أخرى إلى التعارض بين مجتمع الرجال الأحرار هذا ككل، وبين العبيد الخاضعين للاستغلال.
والحقيقة أنه لم تكن ثمة سوى خطوة واحدة بين هذه الأشكال المتعددة للاستغلال الطبيعي للبشر الخاضعين عسكريا لسيطرة جماعة أخرى، وبين شراء الأفراد للعبيد ولقد اجتاز اليونانيون هذه الخطوة بسرعة، بفضل المبادلات البحرية، وبفضل التجارة العالمية مع الدول البحرية الأخرى، وما نتج عنها. ويلاحظ العالم تشيكوتي أن ثمة اختلاف بين نمطين من العبودية: «فأولا هناك النمط الأكثر قدما، والأكثر أهمية وانتشارا، وهو نمط الاستعباد الاقتصادي، الذي نجده عند عتبة التاريخ اليوناني، وهذا الاستعباد ليس هو العبودية بل هو نمط من العبودية يمكننا أن نطلق عليه اسم: الاستتباع». أما ثيوبومبوس فيلاحظ أن «أول اليونانيين، بعد التبساليين واللاكدمونيين، الذين استخدموا العبيد، كان سكان جزيرة «كيو»، غير أنهم لم يتملكوهم كما فعل أولئك.. ونحن يمكننا أن نرى بأن اللاكدمونيين والتيساليين، قد صنعوا لأنفسهم طبقة عبيد مؤلفة من اليونانيين الذين وجدوا في البلاد قبلهم، وذلك عبر إرغامهم الأخيين والبربيين والمانتيتيين على خدمتهم بعد أن أطلقوا عليهم اسم الهلوطس أو البنستيس. أما سكان «كيو» فلقد جاؤوا بعبيدهم من البرابرة غير اليونانين، وكانوا يشترونهم مقابل أثمان محددة»، ويضيف تشيكوتي، على صواب، بأن سبب هذا التمايز يعود إلى درجات التطور المختلفة لشعوب الداخل، من جهة، وشعوب الجزر من جهة أخرى. فالغياب التام له، أولا جدوى، الثروة المتراكمة، والتطور غير الكافي للمبادلات التجارية كانا يستبعدان، في أولى الحالتين، قيام إنتاج مباشر ومتعاظم عن طريق المالكين، كما كانا يستبعدان أي استخدام مباشر للعبيد، وكانا يؤديان إلى نوع بدائي من فرض الأتاوة، وإلى تقسيم للعمل، وإلى تكون للطبقات، وكلها أمور كانت تجعل من الطبقة المسيطرة فريقا مسلحا، ومن الطبقة الخاضعة للسيطرة جمهرة من الفلاحين» [71].
لقد كشف لنا التنظيم الداخلي لإمبراطورية الأنكا عن سمة هامة من سمات المجتمع البدائي، واظهر لنا –في الوقت نفسه- واحدة من الدروب التي أدت به إلى التدهور. ونحن، حين ندرس الفصل التالي من تاريخ الهنود البيروفين، وهنود المستعمرات الأسبانية الأخرى في أمريكا، سنرى دربا آخر سار فيه هذا الشكل من أشكال المجتمع. لاسيما وأن لدينا هاهنا منهجا آخر للغزو لم تعرفه السيطرة التي مارستها الأنكا. فالواقع أن السيطرة الأسبانية، والأسبان هم أول الأوربيين الذين وصلوا إلى العالم الجديد، بدأت باكرا عن طريق إبادة، لا تعرف الرحمة، للشعوب الخاضعة. واستنادا إلى شهادات جاءت على لسان شهود عيان أسبانيين، نجد أن عدد الهنود الذين أبادهم الأسبان خلال السنوات القليلة التي تلت اكتشاف أمريكا قد وصل إلى ما بين 12 و15 مليون هندي. وهن هذا يقول «لاس كازاس»: «إننا مخولون بالقول بأن الأسبانيين، عن طريق تعاملهم الوحشي واللاانساني مع سكان المنطقة الأصليين، أبادوا نحو 12 مليون رجل وامرأة وطفل، وأنا أرى، شخصيا، بأن عدد السكان الأصليين الذين –اختفوا- في ذلك الوقت قد زاد حتى عن 15 مليون» [72].
أما هاندعان فيقول: «في جزيرة هايتي، بلغ عدد السكان الأصليين الذين وجدهم الأسبانيون، في عام 1492، مليون نسمة، ولكن في العام 1508 لم يكن قد بقي منهم سوى 60 ألفا، ثم بعد تسع سنوات فقط هبط العدد إلى 14 ألف، بحيث أن الأسبان اضطروا إلى استيراد الهنود من الجزر المجاورة لكي يحصلوا على ما يلزمهم من اليد العاملة. وهكذا، خلال العام 1508 وحده، نقلإلى هايتي نحو 40 ألف هندي من جزر الباهاما وحدها، ليحولوا إلى عبيد» [73].
لقد مارس الأسبانيون عملية مطاردة لا ترحم، ولا هوادة فيها، لذوي الجلد الأحمر، وكانت العملية من القسوة بحيث أن شاهدا عليها ومشاركا فيها، هو الإيطالي جيرولامو بنزوي يصفها لنا على النحو التالي: «جزئيا بسبب افتقارهم إلى الطعام، وجزئيا بسبب الحزن الذي خلفه لديهم انفصالهم عن أبائهم وأمهاتهم وأبنائهم، مات معظم الهنود الـ 4000 الذين طوردوا في جزيرة كومانغا ثم أسروا، وذلك خلال نقلهم إلى ميناء كوماني. ففي كل مرة يبدو على هندي أنه أكثر إرهاقا من أن يتمكن من مواكبة رفاقه، كان الأسبانيون يغرزون في مؤخرته خناجرهم ويقتلونه بشكل وحشي، وذلك خوفا من أن يخلفوه وراءهم فيرتد عليهم ويقتلهم. لقد كان مشهدا يدمي القلوب، ذاك الذي كنا نشاهد فيه أولئك التعساء، وهم عراة منهكون مثخنون بالجراح، وأهلكهم الضعف الناتج عن الجوع الذي برّح بهم، بحيث كانوا بالكاد قادرين على الصمود. وفوق هذا كله كانت سلاسل الحديد تحيط برقابهم وأيديهم وأقدامهم. ولم يترك الأسبان بينهم امرأة إلا واغتصبوها، مما أدى إلى إصابة الكثيرين بمرض الزهري الخبيث، أما كافة السكان الأصليين المعتبرين أرقاء، فلقد دمغوا بالحديد الأحمر. وكان توزيع العبيد يتم على أساس أن يحتفظ الضباط لأنفسهم بالعدد الأكبر، ومن ثم يوزعون الباقي على الجنود. وهؤلاء كانوا يراهنون –يلعبون القمار- عليهم، أو يبيعونهم إلى المستوطنين الأسبان. وكان ثمة تجار يحصلون على العبيد مقابل الخمر والطحين والسكر وبعض المواد الضرورية الأخرى، ومن ثم ينقلونهم إلى المناطق المستوطنة، حيث كان الطلب على العبيد في ازدياد. وخلال عملية النقل كان قسم من أولئك البائسين يهلك بسبب فقدان الماء، وبسبب تعفن الهواء في الكبائن، حين كان التجار يكدسونهم فوق بعضهم البعض في قاع السفن، دون أن يتركوا لهم فسحة يجلسون فيها، أو حيزا يؤمن نقل هواء نقي إليهم ليتنفسوا» [74]. في هذه الأثناء، ولكي يوفروا على أنفسهم مشقة مطاردة ذوي الجلد الأحمر، وتكاليف شرائهم، وطد الأسبانيون في الجزر وفي القارة الأمريكية نظاما يقال له «ريبارتيمينتيس»- أي نظام اقتسام الأرض-. وتبعا لهذا النظام كانت كافة الأراضي المحتلة تقسم إلى مناطق على زعمائها أن يتولوا بأنفسهم إعطاء الأسبانيين العدد المطلوب من العبيد. وكان كل مستوطن أسباني ينال، دوريا، من الحاكم، عددا من العبيد شرط أن يهتم «بتنصيرهم»- أي بجعلهم مسيحيين- [75]. أما المعاملة السيئة التي كان العبيد يعاملون بها فكانت تتجاوز كل خيال. بل وأن القتل نفسه كان يعتبر ثوابا، إن مورس على الهنود. ويقول أحد معاصري تلك المرحلة: «إن كافة السكان الأصليين الذين يؤسرون من قبل الأسبان، كانوا يرغمون على القيام بأعمال مرهقة وشاقة في المناجم، بعيدا عن قبائلهم وعائلاتهم، وتحت التهديد الدائم بأبشع أنواع العقوبات الجسدية. لذا لم يكن من المدهش أن ألوف العبيد، الذين لم يكونوا ليجدون أية وسيلة أخرى للخلاص من هذا المصير البشع، كانوا لا يكتفون بوضع حد لحياتهم عن طريق الشنق أو الغرق أو بوسائل أخرى، بل كانوا يستبقون هذا بقتل نسائهم وأطفالهم، على أمل أن يتمكنوا بهذا من إنهاء تعاستهم المشتركة التي لا مهرب آخر منها. ومن جهة ثانية كانت النساء يلجأن إلى الإجهاض، أو يتفادين معاشرة الرجال لكيلا يؤدي هذا بهن إلى توليد مزيد من العبيد البؤساء» [76].
ولقد علم المستوطنون، عن طريق كاهن إمبريالي فاسد هو الأب غارسيا دي لويوزا، بأن ثمة مرسوما أصدره شارل كان ينص، بشكل إجمالي، على أن الهنود العبيد يكونون ملكا للمستوطنين الأسبان عن طريق الوراثة أيضا. ويزعم بنزوني أن هذا المرسوم لم يكن يطبق إلا في جزر الكاراييب، غير أنه –أي المرسوم- فسر طويلا وطبق باعتباره يسري على كافة الهنود. أما المستوطنون الأسبان، وعلى سبيل تبرير أفعالهم الوحشية الشنيعة، فقلد نشروا، بشكل مستمر ودائب، حكايات رهيبة عن عمليات أكل لحوم البشر، وغيرها من «الجرائم المذهلة» التي كان الهنود يقومون بها، ولقد انتشرت مثل هذه الحكايات بشكل جعل مؤرخا فرنسيا معاصرا يدعي مارلي دي شاتيل، يروي في كتابه «التاريخ العام للهند العربية» الصادر في باريس العام 1569 أن «الله قد عاقبهم –أي الهنود الحمر- بسبب خبثهم ورذائلهم وفرض عليهم أن يصبحوا عبيدا، إذ حتى سام بن نوح لم يخطئ في حق أبيه، بشكل زاد عن الخطايا التي ارتكبها الهنود في حق الله». ومع هذا ثمة كاتب أسباني، معاصر بدوره، اسمه أكوستا كتب في مؤلف له عنوانه «التاريخ الطبيعي والأخلاقي للهنود» صدر في برشلونة العام 1591، يقول بأن هؤلاء الهنود أنفسهم كانوا «طيبين، وعلى استعداد دائم لتقديم الخدمات إلى الأوربيين، لقد كانوا شعبا يبدي، في سلكوه، براءة مذهلة وإخلاصا يكفي لمعاملتهم بحنان وحب، لولا أن المتعاملين معهم كانوا وحوشا محرومين من كل صفة إنسانية».
لقد كان من الواضح أن ثمة محاولات جرت للتصدي لتلك الوحشية. ففي العام 1531، مثلا، نشر البابا بولس الثالث، منشورا كنسيا أعلن فيه أن الهنود هم جزء من الجنس البشري، ولذا يجب ألا يتحولوا إلى عبيد أرقاء. وكذلك أعلن المجلس الإمبريالي الأسباني لشؤون الهند الغربية، بدوره، أنه يقف ضد العبودية. غير أن هذه الجهود كلها إنما تشهد على الفشل الذي أصابها، أكثر مما تشهد على إخلاصها.
إن ما حرر الهنود من العبودية، لم يكن العمل الطيب الذي قام به رجال الدين الكاثوليك، ولا الاحتجاجات التي تقدم بها الملوك الأسبان، بل واقع أن وضعهم الجسماني والنفساني، قد جعلهم –في آخر الأمر- غير قادرين على القيام بالعمل العبودي الشاق. وعلى المدى الطويل، لم يكن بامكان وحشية الأسبان المذهلة أن تفعل شيئا تجاه هذه الاستحالة –استحالة الاستمرار في العمل- فذوو الجلد الأحمر العبيد كانوا يموتون كالذباب، كانوا يهربون أو ينتحرون.. أي أن العملية كلها لم تعد مربحة على الإطلاق. والعملية كلها لم تتوقف إلا حين واتت الأسقف لاس كازاس، المدافع الحار النشيط عن الهنود، فكرة استبدال الهنود غير القادرين على العمل، بزنوج عمالقة أقوياء يستوردون من أفريقيا.. وعند هذا فقط توقفت التجارب اللامجدية التي مورست على الهنود طويلا. ولقد كان لهذا الاكتشاف العمل مفعول أكثر سرعة وحسما من كافة البيانات التي كان لاس كازاس قد أصدرها بصدد الفظائع الأسبانية. وهكذا، بعد عدة عقود من السنين، تحرر الهنود من العبودية، ليبدأ استعباد الزنوج.. هذا الاستعباد الذي دام أربعة قرون. وعند نهاية القرن الثامن عشر حمل نبيل ألماني اسمه نتلبك (من كلبرغ)، وهو قبطان سفينة، حمل معه من غينيا إلى غويانا، حيث كان ثمة «ألمان نبلاء آخرون» ينهبون المزارع الفسيحة، حمل مئات من العبيد السود الذين كان قد حصل عليهم في أفريقيا عن طريق المقايضة مع بعض البضائع، وكدسهم في قعر سفينته، تماما مثلما كان يفعل التجار الأسبان في القرن السادس عشر.
كان الأمر مماثلا، غير أن تقدمية عصر الأنوار وإنسانيته برزتا هنا، حين كان نتبلك يدفع عبيده إلى الرقص كل مساء فوق سطح السفينة، كدواء ضد الحزن الذي كانوا يشعرون به، وهي فكرة لم تراود أبدا أذهان تجار العبيد الأسبان المفعمين بالشر. وعند نهاية القرن التاسع عشر، وبالتحديد في العام 1871، كتب النبيل دافيد ليفنغستون، الذي كان قد أمضى ثلاثين عاما في أفريقيا بحثا عن منابع النيل، كتب يقول في رسالته الشهيرة إلى الأمريكي غوردون بنيت: «إذا كان ما أمطت عنه اللثام حول الوضع في ودجيدجي من شأنه أن يضع حدا لتجارة العبيد الرهيبة في أفريقيا الشرقية، أجدني مهتما بالوصول إلى هذه النتيجة، أكثر ألف مرة من اهتمامي باكتشاف منابع النيل كلها. لقد ألغي الرق عندنا، فهات مد لنا يدك المنقذة والقوية، للوصول إلى هذه النتيجة. إن هذا البلد مصاب بلعنة رهيبة، هي لعنة كلي القدرة..»
ومع هذا فإن وضع الهنود في المستعمرات الأسبانية لم يعرف أي تحسن على الإطلاق. وكل ما في الأمر أن نظام استيطان جديد حل مكان النظام القديم. وبدلا من نظام «الديبارتيمينتس»، الذي كان يهدف مباشرة إلى استبعاد السكان الأصليين، صار هناك نظام يعرف بـ«الأننكومينداس». وضمن هذا النظام كان يعترف للسكان بحريتهم الشخصية وبملكيتهم الكاملة للأرض. أما الأراضي كلها فأخضعت لإدارة المستوطنين الأسبان المتحدرين، في معظمهم، من صلب الغزاة الأول، والذين بات عليهم الآن بوصفهم «الكومنديروس» ممارسة وصاية على الهنود الذين اعتبروا قاصرين، كما بات عليهم، وبشكل خاص، أن يبشروا بينهم بالدين المسيحي. ومن أجل تغطية مصاريف إنشاء الكنائس، كما من أجل التعويض على التعب الذي يصيب الأسبان من جراء ممارستهم للوصاية المذكورة، كان يحق لهؤلاء، شرعيا، أن يفرضوا على السكان «أتاوات معتدلة، نقدية وعينية». والواقع أن هذه المراسيم كانت كافية لتحويل الـ«الكومينداس»، وبشكل سريع، إلى شيء أشبه بالجحيم بالنسبة إلى الهنود. لقد تركت لهؤلاء الأرض، بوصفها ملكا للقبيلة لا يقسم. غير أن الأسبان لم يضموا هذه الأرض، أو بالأحرى لم يشاؤوا أن يضموا إليها، سوى الأراضي المشجرة. أما الأراضي غير المزروعة، أو حتى تلك التي تعيش فترة استراحتها، فكانت سرعان ما تصادر بوصفها «أراض مهجورة»، ولقد مورست هذه المصادر بشكل منتظم ومخجل، دفع واحدا مثل زويتا لكي يكتب حول هذا الأمر قائلا: «ليس هناك قطعة من الأرض أو مزرعة لم تعلن ملكا للأوربيين، دون أدنى اهتمام بالإساءة التي يلحقها هذا الأمر بمصالح وحقوق السكان الأصليين، الذين يرغمون –انطلاقا من هنا- على ترك الأراضي التي يقطنون فيها منذ ساحق الزمن. بل وليست نادرة تلك المرات التي تؤخذ فيها منهم، الأراضي التي زرعوها بأنفسهم بدعوى إنهم لم يبذروا الحب فيها إلا لكي يمنعوا الأوربيين من مصادرتها. وبفضل هذا النظام تمكن الأسبانيون من توسيع أملاكهم في بعض الأقاليم، بشكل لم يتركوا معه أية قطعة أرض يمكن للهنود زراعتها» [77]. وفي الوقت نفسه زاد «النكومنديروس» -الأوصياء- من كمية الأتاوات «المعتدلة» التي كانت، بحملها الثقيل، تسحق الهنود. ويقول زوريتا نفسه حول هذا الأمر: «أن كل أملاك الهندي لا تكفيه لدفع الضرائب المفروضة عليه. لذا كان غالبا ما نلتقي بين الهنود، أشخاصا لا تصل ثروتهم إلى ما يعادل البيزو –عملة أسبانية- الواحد، فيضطرون إلى القيام بالعمل المأجور لكسب معيشتهم، بل ولم يكن ليتبقى لدى أولئك التعساء ما يمكنهم من إعالة أسرهم لهذا نجد معظم الشبان يفضلون العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وخاصة حين لا يكون أهلهم، يملكون أربع أو خمس ريالات. إنه لمن الصعب على الهنود الحصول على ثمن الألبسة، ولأن كثيرين منهم غير قادرين على سراء الثياب، كانوا كثيرا ما يتخلفون عن حضور القداس في الكنائس فهل ندهش بعد هذا إن علمنا أن كثيرين منهم يصابون باليأس، إذا لا يجدون وسيلة تمكنهم من الحصول على الطعام الضروري لهم ولعائلتهم؟ لقد علمت خلال رحلاتي الأخيرة أن هنودا كثيرين قد شنقوا أنفسهم يأسا من الحياة، بعد أن شرحوا لنسائهم وأطفالهم إنما يفعلون هذا بسبب عجزهم عن دفع الضرائب المفروضة عليهم» [78].
ومن أجل استكمال سرقة الأراضي والضغط بالضرائب، استنبط العملا الإرغامي. ففي بداية القرن السابع عشر عاد الأسبانيون إلى النظام الذي كانوا قد تخلوا عنه شكليا خلال القرن السادس عشر. لقد ألغي الرق بالنسبة إلى الهنود، غير أنه استبدل بنظام عمل إرغامي خاص، لم يكن ثمة الكثير من الفرق بينه وبين الرق. ومنذ أواسط القرن السادس عشر، إليكم الصورة التي كان عليها وضع الهنود المأجورين العاملين لدى الأسبانيين، حسب ما جاء على لسان زوريتا: «خلال كل هذا الوقت لم يكن لدى الهنود ما يأكلونه سوى خبز الذرة.. وكان الانكوميندورس يشغلهم منذ الصباح حتى المساء، تاركا إياهم عراة الأجسام في مواجهة جليد الصباح والمساء، وفي وجه العواصف والأعاصير، دون أن يعطيهم للغذاء سوى خبز نصف يابس وعفن. وكان الهنود يمضون لياليهم في الهواء بلا غطاء ولا دثار. وبما أن الأجر لم يكن يدفع لهم سوى في نهاية حقبة العمل الإرغامي، لم يكن لدى الهنود ما يشترون به الثياب الدافئة الضرورية لهم. إذن، ضمن هذه الأوضاع لم يكن من المدهش أن العمل لدى الانكومندورس، كان عملا شاقا متعبا، بل ويمكن اعتباره واحدا من أهم الأسباب التي أدت إلى فناء ذوي الجلد الأحمر».. [79]
بيد أن نظام العمل الارغامي المأجور هذا، توطد على يد التاج الأسباني في بداية القرن السابع عشر. ويفسر لنا قانون هذا النظام، في حيثياته، أن الهنود لم يكونوا راغبين في العمل تلقائيا، وان المناجم -بدونهم- كانت بلا نفع، إذ لا يمكن استخراج ثرواتها، بالرغم من تواجد الزنوج. لذا كانت السلطات تجبر القرى على تقديم العدد المطلوب من العمال (وهو سبع عدد سكان البيرو، وربع عدد سكان «أسبانيا الجديدة»)، وهؤلاء العمال كانوا جميعا يوضعون تحت رحمة «الانكومندروس». وهكذا سرعان ما تمخض هذا النظام عن نتائج مميتة بشعة. وفي رسالة مجهولة المؤلف، موجهة إلى فيليب الرابع وتحمل عنوانا يقول: «تقرير حول الوضع الخطير في مملكة الشيلي، ومن وجهة نظر زمنية وروحية» يمكننا أن نقرأ ما يلي: «أن السبب المعلوم للتناقض السريع الحاصل في عدد السكان الأصليين، وهو نظام العمل الارغامي في مناجم الانكومندورس وحقولهم. فمع أن لدى الأسبانيين عددا هائلا من الزنوج، وبالرغم من أنهم فرضوا على الهنود ضرائب فادحة، لم يسبق لهؤلاء أن دفعوا مثلها لزعمائهم قبل الاحتلال، إلا أنهم –أي الأسبانيين- يعتبرون من المستحيل التخلي عن نظام العمل الارغامي» [80].
بالإضافة إلى هذا كان من نتيجة العمل الارغامي، أن الهنود غالبا ما كانوا يعجزون عن زراعة حقولهم مما كان يوفر للأسبانيين فرصة طيبة لمصادرة هذه الحقول باعتبارها «أرض مهجورة». ولقد قدم انهيار الزراعة الهندية، بشكل تلقائي، أرضية طيبة لتفاقم الربا. ويقول زوريتا أن «الهنود لم يكونوا يعرفون الربا والمرابين، أيام كانوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم».. ولقد أتى الأسبان ليعرفوهم، بشكل وثيق، على هذا النتاج «الرائع» من مخلفات الاقتصاد النقدي والضغط الضرائبي. وهكذا، بعد أن غرقت بالديون، تحولت الأراضي الهندية التي لم يكن الأسبان قد استولوا عليها بعد، تحولت بشكل جماعي إلى أيدي الرأسماليين الأسبان.. والحقيقة أن هذا الأمر بالذات يشكل فعلا أسود من تاريخ الدناءة الأوربية. فسرقة الأرض والضرائب والعمل الارغامي والربا، شكلت على السواء سيفا من الحديد ضرب وحطم وجود المشاعيات الزراعية الهندية. بحيث أن تدهور هذه الأوضاع الاقتصادية كان كاف ليفكك النظام التقليدي السائد، وكافة الروابط الاجتماعية التي كانت قائمة فيما بين الهنود بل ولم يكتف الأسبان بهذا، بل عمدوا، إلى إحداث تمزيق نهائي ومنتظم لتلك الأوضاع الاقتصادية، وذلك عبر إلغاء السلطات التقليدية وإزاحتها. وعلى هذا النحو أصبح الانكومندورس الأسبان هم الذين يصادقون على بقاء زعماء القرى والقبائل في مهامهم، وعلى هذا كان الأسبان ينتهزون الفرصة لتعيين أتباعهم وعملائهم، وهم من بين الأفراد الأكثر انحطاطا ودناءة في المجتمع الهندي. وإضافة إلى هذا كان الأسبان كثيرا ما يعمدون إلى إثارة الهنود ضد زعمائهم. وبالاستناد إلى التبرير المسيحي القائل بـ«ضرورة حماية السكان إزاء استغلال الزعماء لهم»، كانوا غالبا ما يحرروهم من كل ما يجبرهم على دفع الأتاوات لهؤلاء الزعماء. ويقول زوريتا: «يعتقد الأسبانيون أن بامكانهم الاستناد إلى ما يحدث حاليا في أسبانيا، لكي يؤكدوا على أن الزعماء يستغلون قبائلهم، غير أنهم هم –أي الأسبانيين- المسؤولون عن هذا النهب، لأنهم هم الذين حرموا الزعماء القدامى من مكانتهم ومن مداخيلهم، واستبدلوهم بزعماء جدد اختاروهم من بين صنائعهم» [81].
وكذلك كان الأسبان يسعون إلى استثارة انتفاضات حين كان زعماء القرى أو القبائل يحتجون ضد النهب غير الشرعي الذي تتعرض له أراضي هذا أو ذاك من أفراد الجماعة، على يد الأسبان. وكانت نتيجة هذا ثورات وانتفاضات مزمنة. وسلسلة من الدعاوي والمحاكمات بين السكان الأصليين بسبب عمليات التقسيم غير الشرعي للأراضي. وهكذا أضيفت الفوضى إلى البؤس والجوع والعبودية، لتجعل هذه كلها من حياة الهنود جحيما حقيقيا. أما حصيلة تلك الوصاية الأسبانية والمسيحية فيمكن تلخيصها على النحو التالي: تملك الأسبانيين للأراضي، صحبته إبادة جماعية للهنود. وعن هذا يقول زوريتا: «في كافة الأراضي الهندية التي نهبها الأسبانيون، كانت القبائل الهندية تندثر كليا، أو تتضاءل حجما وعددا.. هذا بالرغم من أن البعض يحاولون الادعاء بأن العكس هو الصحيح. كان السكان الأصليون يهجرون ديارهم وأراضيهم التي فقدت، بالنسبة إليهم، كل قيمتها بالنظر إلى الأتاوات العينية والنقدية الهائلة التي كانوا يجبرون على دفعها، وكانوا يتوجهون إلى بلدان أخرى، متشردين بشكل دائم، بين منطقة وأخرى، أو مختبئين في الغابات مغامرين بأن يصبحوا ذات يوم فريسة سهلة للحيوانات المفترسة. كان الكثيرون منهم ينهبون حياتهم انتحارا، وهو أمر شهدته بنفسي مرارا وتكرارا عن طريق الملاحظة الشخصية، أو خلال أحاديث كنت أطرحها على بعض السكان» [82]. بعد ذلك بنحو نصف قرن، كتب موظف كبير آخر من موظفي الحكومة الأسبانية في البيرو، هو خوان اورتيو دي سر فانتس، كتب يقول: «أن عدد السكان الأصليين في المستعمرات الأسبانية يتقلص بشكل متزايد، فهم يهجرون ديارهم ويتركون أراضيهم بدون زراعة، بحيث أن الأسبانيين كانوا بالكاد يجدون ما يكفيهم من المزارعين والرعاة. وقبيلة «الميتاي» التي بدونها كان من المستحيل استخراج الثروات من مناجم الذهب، كانت إما تترك نهائيا المدن التي يقطنها الأسبانيون، أو يتناقص عددها وتزول بسرعة تدعو إلى العجب، إن هي بقيت» [83]. والواقع أنه ينبغي علينا أن نبدي إعجابنا بالمقاومة المذهلة التي كان يبديها السكان الهنود، دفاعا عن مؤسساتهم الشيوعية الزراعية التي ظلت لها بقايا قائمة حتى القرن التاسع عشر بالرغم عن كل الظروف السيئة التي تحدثنا عنها.
من جهة ثانية نجد أن المستعمرات الإنكليزية في الهند، ترينا مصائر المشاعية الزراعية القديمة، في سمة أخرى من سماتها فها هنا، وبشكل أفضل مما في أي ركن آخر من العالم، بامكاننا أن ندرس أكثر أشكال ملكية الأرض اختلافا، وهي أشكال تصور لنا تاريخيا يمتد إلى أزمان موغلة في القدم. فهنا توجد المشاعيات القروية جنبا إلى جنب مع المشاعيات العشائرية، ويوجد توزيع دوري لقطع متساوية من الأرض جنبا إلى جنب مع تمليك قطع غير متساوية من الأرض لمدى الحياة، وتوجد زراعة جماعية الأرض إلى جانب الاستغلال الفردي الخاص لها، وتوجد مساواة بين كافة سكان القرية بالنسبة إلى حقوقهم في الأراضي المشتركة إلى جانب امتيازات تعطى لعدد من الجماعات... وأخيرا، إلى جانب كل أشكال الملكية العامة هذه، ثمة وجود لملكية خاصة الأرض، إما على شكل قطع زراعية صغيرة، وإما على شكل مزارع تعطى لآماد قصيرة، وإما على شكل إقطاعيات كبيرة- إن هذا كله هو الذي كان بالامكان دراسته بحجم طبيعي منذ بضع عشرات من السنين، في الهند. أما أن تكون المشاعيات الزراعية شيئا قديم الوجود في الهند، فأمر تشهد عليه الوثائق القضائية الهندية، ومنها ذلك القانون القديم المتعارف عليه والمسمى «المانو» ويعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وهو يحوي عددا من البنود التي تنص على تخطيط الحدود بين المشاعيات، وإقامة مشاعيات جديدة على الأراضي التي تخص المشاعيات القديمة، ولا يمكن تقسيمها.
وهذا القانون العرفي لا يعترف بالملكية إن لم تكن قائمة على العمل الشخصي، وهو يأتي على ذكر العمل الحرفي بوصفه عملا ملحقا بالزراعة.. ويحاول أن يقضي على القوة الاقتصادية للكهنة (البراهمين)، عبر عدم السماح لهم بتلقي هدايا تخرج عن نطاق المواد المنقولة. أما أمراء المستقبل (الراجات) فلا يذكرهم القانون إلا باعتبارهم زعماء منتخبين للقبائل. أما القانونان العرفيان الأكثر حداثة (البادجنافالكبا والنارادا) العائدان إلى القرن الخامس، فينظران أيضا إلى مسألة التنظيم الاجتماعي، ضمن الشراكة العشائرية، والقوة العامة والعدالة، على أنها أمور يجب أن تكون بين أيدي مجلس الجماعة. وهذا المجلس يكون مسؤولا بالتكافل والتضامن، عن كافة الخسائر والجرائم التي يحدثها أعضاء جماعته. والزعيم المنتخب يوضع على رأس القرية. وينصح القانونان المذكوران باختيار الرجال العادلين والمسالمين لممارسة هذه المهمة وبضرورة إطاعتهما من قبل الجميع. ويمير قانون «نارادا» بين نوعين من المشاعيات: «المشاعيات القائمة على روابط القربى العشائرية» و«التعايشيات» أي المشاعيات القائمة على روابط الجوار. والقانونان معا لا يعترفان، كما ذكرنا أعلاه، إلا بالملكية القائمة على أساس العمل الشخصي: ومن هنا كانت أي أرض مهجورة تعطى للذي يأخذها ليزرعها، أما التملك غير المشروع فلا يعترف به، حتى ولو لبعد ثلاثة أجيال متعاقبة، إلا إذا كان يصحبه عمل شخصي.
إذن، نرى حتى الآن هذا الشعب الهندي عائشا تبعا لنفس العلاقات الاجتماعية، وضمن نفس العلاقات الاقتصادية البدائية. وذلك لقرون طويلة من الزمن، في أراضي الهندوس، ثم بعد ذلك خلال العهد البطولي، عهد الغزوات التي طالت ضفاف الغانج، والتي تروي لنا حكاياتها، الملحمتان الشعبيتان المعروفتان باسم: الرامايانا والمهابهاراتا. ونحن، لولا التعليقات الواردة في هذين القانونين، وهي تعليقات تعتبر على الدوام، الدليل المميز للتبدلات الاجتماعية الحاصلة وللجهد المبذول في سبيل تفسير بعض المبادئ الحقوقية القديمة تبعا للمصالح الجديدة، أقول لولا هذه التعليقات العائدة إلى القرن الرابع عشر، لما حصلنا على أي دليل يقول لنا بان المجتمع الهندي –في تلك الحقبة- كان قد عرف تبدلات اجتماعية عميقة. وفي هذه الأثناء كانت قد تكونت شرعية من الكهنة سرعان ما ارتفعت ماديا وحقوقيا، فوق مستوى الجماهير الفلاحية.. ومن هنا بدا الشراح والمفسرون –تماما كما فعل زملاؤهم المسيحيون في الغرب الإقطاعي- بمحاولة تفسير اللغة الجلية التي تسود القوانين القديمة، بشكل يجعلها تبرر الملكية العقارية التي استحوذ عليها الكهنة، وتشجع تقديم الهبات غير المنقولة (الأراضي) للبراهمين، وتنشط –على هذا النحو- عملية تقسيم أراضي المشاعيات، وتكوين ملكيات عقارية كبيرة عقارية كبيرة تخص الكهنة، وذلك على حساب الجماهير الفلاحية. والواقع أن هذه الظاهرة كانت أحد الأشياء التي تميز مصير كافة المجتمعات الشرقية.
إن المسألة [84] الحيوية بالنسبة إلى كل زراعة متطورة بعض الشيء، في معظم مناطق الشرق، هي مسألة الري الصناعي. ففي الهند كما في مصر، نلاحظ منذ أزمان مبكرة أن ثمة أعمال ري هائلة الحجم، تعتبر أساسا صلبا للزراعة، وهي عبارة عن قنوات أو منابع، أو إجراءات منتظمة تضمن تكييف الزراعة مع الفيضانات الدورية. والواقع أن هذه الأشغال تتجاوز –ومنذ البداية- قوى المشاعيات الزراعية المعزولة، ومبادرتها ومخططاتها الاقتصادية. إذ يحتاج الأمر، في سبيل إدارة هذه الأشغال وإنجازها، إلى سلطة تضع نفسها فوق مستوى المشاعيات القروية، التي كان بامكانها أن توحد لها قواها العاملة، وكذلك كان الأمر يحتاج إلى سيطرة على الطبيعة، تكون على مستوى أعلى من ذاك الذي يمكن أن يصل إليه فلاحون منعزلون ضمن حدود قراهم. ومن هذه الاحتياجات كلها، ولد الدور الهام الذي لعبه كهنة الشرق: فهم عن طريق ملاحظاتهم للطبيعة التي بها يرتبط كل دين طبيعي، وعن طريق تحررهم من كل مساهمة مباشرة في الأعمال الزراعية، كانوا أقدر من غيرهم على إدارة أشغال الري العامة ذات الحجم الكبير. وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا الدور الاقتصادي البحت، على المدى الطويل، إلى إعطاء الكهنة قوة وسيطرة اجتماعية خاصة، أي تخصص قطاع من المجتمع، هذا التخصص الناتج عن تقسيم العمل، حول هذا القطاع إلى شريحة وراثية على حدة، لديها كل المصالح التي للمستغلين –بكسر الغين- في مواجهة الجماهير الفلاحية. وكانت هذه العملية تكتمل بشكل يقل أو يزيد سرعة، ويقل أو يزيد جذرية، حسب الشعوب المعنية، وكانت تظل عند حدودها الجنينية، كما لدى هنود البيرو، أو تصل إلى نوع من الأوتوقراطية، كما عند العبرانيين القدامى أو في مصر، وذلك تبعا للظروف الجغرافية والتاريخية الخاصة، وتبعا للصدامات الدموية مع الشعوب المجاورة، وهي صدامات كانت تؤدي إلى تطور شريحة قوية من المحاربين، إلى جانب شريحة الكهنة، كانت غالبا ما تقف منها موقف المنافس. وفي جميع الأحوال كانت الحدود الانعزالية الخاصة للمشاعية الشيوعية القديمة، ذات التنظيم العاجز عن القيام بمهمات ضخمة ذات طبيعة اقتصادية أو سياسية، كانت تجبر هذه المشاعيات على القبول بهيمنة السلطات التي كانت تتولى تلك المهمات، وذلك بشكل خارج عنها وأعلى من مستواها. والواقع أن هذه المهام هي التي فتحت الطريق أمام السيطرة السياسية والاستغلال الاقتصادي اللذين طالا الجماهير الفلاحية التي هيمن عليها غزاة الشرق (سواء أكانوا من المنغول أم من الفرس أو العرب) هؤلاء الغزاة الذين تولوا، في البلدان المحتلة، كافة المسائل المتعلقة بالأشغال العامة الكبرى، التي هي الشرط الحيوي للزراعة.. ناهيك عن السلطة العسكرية. وتماما مثلما فعل الأنكا في البيرو، حين اعتبروا من امتيازاتهم وكذلك من واجبهم، وضع يدهم على أشغال الري وإنشاء الطرق والموانئ، هكذا كان الحال مع المستبدين الآسيويين الذين تعاقبوا على حكم الهند طوال قرون من الزمن.. وتوجهوا نفس ذاك التوجه.
غير أن القرية الهندية استمرت في حياتها الهادئة والمتواضعة بالرغم من تكوّن الشرائح، وبالرغم من السيطرة الأجنبية التي هيمنت في البلاد، وبالرغم من كافة التقلبات السياسية. وفي داخل كل قرية استمرت القواعد والنظم التقليدية في تحريك الجماعة، وتحت حمأة عواصف التاريخ السياسي كان لتلك تاريخها الداخلي الخاص، وكانت تسير على هدي أشكال تحولاتها العريقة، عابرة من حالة الازدهار إلى حالة الانهيار فحالة التحلل فحالة الولادة من جديد. إنه لمن الغريب أن أي مدون للتاريخ لم يعمد إلى تسجيل هذه الظواهر، وبينما نجد أن التاريخ العالمي قد أتى على وصف الحملة الجريئة التي قام بها الاسكندر منطلقا من مقدونيا إلى الهند، وعلى وصف قرقعة السلاح الدموي الذي شهره تيمرولنك والمنغول، نجد أنه –أي التاريخ- قد صمت تماما دون التحدث عن التاريخ الاقتصادي الداخلي للشعب الهندي. إن الآثار والبقايا هي وحدها التي تتيح لنا إعادة بناء الصورة الافتراضية لهذا التطور الذي عرفته المشاعية الهندية، ولعل الفضل في القيام بهذه المهمة العلمية الهامة يعود بالدرجة الأولى إلى المؤرخ كوفالفسكي. وهذا العالم الفذ يخبرنا بأن مختلف أنماط المشاعيات الزراعية التي كانت تلاحظ في الهند حتى أواسط القرن التاسع عشر، تنقسم حسب المراحل التاريخية التالية:
1-الشكل الأكثر قدما، وهو الشكل المشاعي العشائري البحت الذي يشمل مجموع الأقرباء –قربى الدم- الذين يمتلكون الأرض بشكل جماعي ويزرعونها كذلك بشكل جماعي. في هذه الحالة لا يتم تقسيم الحقول بل الذي يقسم هو منتوج العمل الذي يجمع في عنابر جماعية. إن هذا النمط من المشاعية القروية، وهو نمط بدائي للغاية، لم يستمر باقيا إلا في مناطق نادرة وقليلة في شمال الهند، حيث يشمل جزءا قليلا من السكان المتحدرين من الأقوام القديمة. ويرى كوفالفسكي في هذا النمط، المشابه لنمط «زادروغا» الذي يوجد في بوسينا وهرزغوفينا –في البلقان- نتاجا لتحلل علاقات الدم التي توزعت، إثر التعاظم المتسارع في عدد لسكان، إلى عدة عائلات كبرى افترقت بعضها البعض، هي وأراضيها. وفي نحو أواسط القرن الماضي، كان ثمة مشاعيات قروية هامة من هذا النمط تضم بعضها 150 فردا، وبعضها الآخر يصل عدد أفراده إلى 400 نسمة. أما الشكل المهيمن، على أي حال، فكان المشاعيات القروية الصغيرة التي لم تكن لتجتمع مع بعضها البعض إلا في حالات نادرة، منها على سبيل المثال الحالة التي تفرض عليها أن تتخلى عن جزء من ملكيتها العقارية. إما في حياتها العادية فكانت تعيش تلك الحياة المعزولة والمنظمة بشكل دقيق، التي وصفها كارل ماركس، باختصار، في «رأس المال» استنادا على المصادر الإنكليزية على النحو التالي [85]:
«إن هذه المشاعيات الهندية الصغيرة التي بوسعنا تتبع آثارها حتى ساحق الأزمان، والتي ما يزال لها وجود جزئي، ترتكز إلى مبدأ الملكية الجماعية للأرض، وإلى نوع من الإتحاد المباشر بين الزراعة وبين الحرفة، وإلى تقسيم عمل لا يتبدل، وهو تقسيم يصح اعتباره نموذجيا ومثالا يحتذى كل مرة تتشكل فيها مشاعيات جديدة. وهذه المشاعيات المقامة على أرض تبلغ مساحتها بين 100 وبضعة ألوف من الاكرات [86] تشكل هيئات إنتاج متكاملة وتكفي نفسها بنفسها. هنا نجد أن القسم الأكبر من الإنتاج يخصص للاستهلاك المباشر للجماعة، وهو لا يتحول إلى سلعة على الإطلاق، وذلك لأن الإنتاج مستقل عن تقسيم العمل المتكيف مع عمليات التبادل القائمة في مجمل المجتمع الهندي. أما الفائض فيتحول، وحده، إلى بضاعة ليقع أولا بين أيدي الدولة التي كانت تستحوذ، في الأزمان الغابرة، على جزء من الريع على شكل عيني. لقد كانت هذه المشاعيات ترتدي أشكالا مختلفة في مختلف أجزاء الهند. والمشاعية، في أشكالها الأكثر بساطة، كانت تزرع الأرض بشكل جماعي، وتقسم المنتوج بين أعضائها، فيما كانت كل عائلة، تقوم في مسكنها، بالأشغال المنزلية كالحياكة والنسيج..الخ. وإلى جانب هذا الجمهور المنهمك بأشغاله بشكل أحادي، نجد «المواطن الرئيسي» أي القاضي وقائد الشرطة وجابي الضرائب.. وكل هذه المهام كانت تجتمع في شخص واحد، ونجد ماسك الدفاتر الذي يسوّي الحسابات الزراعية وغيرها، ويدون كل ما يتعلق بها، أما الموظف العام الثالث فهو الذي يلاحق المجرمين ويحمي المسافرين الأجانب بمرافقتهم من قرية إلى أخرى، ونجد أيضا رجل –الحدود الذي يمنع أي تسلل قد تحاول القيام به المشاعيات المجاورة، ومفتش الماء الذي يوزع الماء المتدفق من الخزانات المشتركة تبعا لاحتياجات الزراعة، والبراهمي الذي يتولى شؤون العبادة، ومعلم المدرسة الذي يعلم أبناء الجماعة القراءة والكتابة على الرمل، والبراهمي- التقويم، الذي بصفته عالما بالفلك، يحدد فترات البذار والحصاد والأوقات الملائمة لمختلف الأشغال الزراعية، كما نجد حدادا وفحاما يتوليان صناعة وتصليح كافة الأدوات الزراعية، وصانع الآنية الذي يصنع آنية القرية كلها، والحلاق، والغسال والجوهري، وأحيانا.. الشاعر الذي يحل في بعض الجماعات محل الجوهرجي، وفي بعضها الآخر محل معلم المدرسة. إن هذه الدزينة من الأشخاص تعيش على حساب الجماعة. أما بالنسبة إلى السكان الجدد، فسرعان ما تقام مشاعية جديدة على غرار المشاعيات القديمة، وهي تقام في أراض غير مزروعة، أما القانون الذي يسوي تقسيم العمل داخل الجماعة، فإنه ذو مفعول لا يخرق، تماما وكأنه قانون موضوع بشكل مادي.. إن بساطة التنظيم الإنتاجي لهذه المشاعيات التي تكفي نفسها بنفسها، وتعيد إنتاج نفسها بشكل دائب تبعا لنفس النمط، ثم ما أن تدمر بشكل عرضي، حتى تعاد إقامتها في نفس المكان وتحت نفس الاسم، إن هذه البساطة هي التي تقدم لنا مفتاح «جمود المجتمعات الآسيوية» وهو جمود يتناقض بشكل غريب مع تحلل هذه «الدول» الأسيوية وإعادة إقامتها بشكل دائب، ومع التبدلات العنيفة التي تحصل فيها. غير أن بنية العناصر (العوامل) الاقتصادية الأساسية للمجتمع، تظل –على أي حال- بعيدة عن متناول كافة التحولات والأعاصير السياسية» [87].
2-في الوقت الذي كان فيه الغزو الإنكليزي قائما، كانت المشاعية العشائرية البدائية، بأراضيها غير المجزأة قد تحللت، في جزء كبير منها. ومن تحللها هذا، قامت المشاعية المرتكزة على رابطة القربى حيث كانت الحقول تجزأ إلى قطع عائلية غير متساوية يرتبط حجمها بدرجة القرى مع الجد الأكبر البدائي. وكان هذا النمط منتشرا في شمال غربي الهند وفي البنجاب. أما قطع الأرض فلم تكن تعطي، لا لمدى الحياة، ولا بشكل وراثي، بل كانت تظل ملكا للعائلات طالما أن تعاظم السكان، أو ضرورة لجوء أقارب كانوا غائبين لفترة من الزمن لم يكونا يجبران على أية قسمة للأرض. وغالبا ما كانت طلبات إعادة توزيع الأرض الجديدة يستجاب لها عن طريق أراض تؤخذ من الجزء غير المزروع من الأرض. وعلى هذا النحو كانت القطع تعطى لمدى الحياة بل ويمكن توريثها. وإلى جانب هذه الحقول الموزعة بشكل غير متساوي، تظل الغابات والمناطق المستنقعية والبراري والأراضي غير المزروعة ملكا مشتركا بين كافة العائلات وتستخدم بشكل جماعي. والحقيقة أن هذا التنظيم الشيوعي الغريب والمبني على اللامساواة، كان على المدى البعيد، يدخل في تناقض مع المصالح الجديدة. إذ مع مجيء كل جيل جديد كان يضحى أكثر فأكثر صعوبة تحديد درجة قرابة كل واحد، وهكذا تضعف تقاليد علاقة القربى، وتزداد حدة اللامساواة بين القطع العائلية، بحيث أن الأمر يعتبر ظلما من قبل الذين تقل استفادتهم عن غيرهم. ومن جهة أخرى، في كثير من المناطق، كان رحيل قسم من الأقارب، وحروب الإبادة التي تصيب قسما آخر من المقيمين، وإقامة واستقبال قادمين جدد، كانت كلها أمور تؤدي إلى اختلاط بين السكان. وبالرغم من الجمود الظاهر للعلاقات، كانت الأراضي تقسم فيما بين مختلف الفئات تبعا لنوعية الأرض، بحيث أن كل عائلة كانت تتلقى قطعا مختلفة، سواء من أصل الأراضي المروية بشكل جيد، أو من الأراضي الأقل جودة. في البداية، وعلى الأقل قبل الغزو الإنكليزي لم يكن ثمة تقسيم دوري، عن طريق القرعة، للأرض، بل كان هذا يحدث حين يؤدي التزايد الطبيعي لعدد السكان إلى تفاوت فعلي في الوضع الاقتصادي للعائلات. وكانت هذه هي حالة المشاعيات التي كان لديها احتياطي يمكن استخدامه من الأرض، مثلا. أما في المشاعيات الأقل حجما، فكان التقسيم الجديد يحدث مرة كل عشر، أو ثماني أو خمس سنوات.. بل غالبا مرة كل عام، وكان التقسيم يحدث مرة كل عام بشكل خاص هناك حيث الافتقار إلى الأراضي الصالحة كان يجعل من المستحيل إجراء تقسيم عادل بين كافة الأعضاء، وحيث لم يكن بالامكان تحقيق المساواة إلا عن طريق استخدام الأراضي بشكل دوري (أي لكل عائلة بدورها..) ونلاحظ في هذا المجال أن المشاعية العشائرية الهندية الآيلة إلى الانحلال، انتهت بالشكل الذي ارتدته، تاريخيا، المشاعية الجرمانية في بداياتها.
لقد رأينا في الهند البريطانية وفي أمريكا نموذجين كلاسيكيين، من نماذج النضال اليائس والنهاية المأساوية للتنظيم الاقتصادي الشيوعي القديم، حين دخل في صراع مع الرأسمالية الأوربية. والواقع أن الصورة التي نقدمها عن المصائر المتقلبة للمشاعية الزراعية، لن تكتمل إذا لم تأخذ في اعتبارنا، على سبيل الختام، النموذج الهام الذي كانه البلد الذي يبدو تاريخه وكأنه سار في مجرى مختلف تمام الاختلاف، وحيث الدولة لم تجهد لتدمير المشاعية الزراعية عن طريق القوة، بل على العكس أنقذتها وتولت حمايتها بكل الوسائل. وهذا البلد هو روسيا القيصرية.
نحن لن نهتم هنا بالجدال النظري الذي ظل قائما لعشرات السنين، بصدد جذور وأصل المشاعية الفلاحية الروسية. فلقد كان طبيعيا جدا، ومتطابقا تمام التطابق مع الذهنية العامة للعلم البرجوازي المعاصر –المعادي لفكرة الشيوعية البدائية- ذلك الاكتشاف الذي جاء به البروفسور الروسي تشيتشيرينا في العام 1858، ليقول من خلاله أن المشاعية الفلاحية في روسيا لم تكن نتاجا تاريخيا أصيلا، بل نتاجا مصطنعا للسياسة الضريبية التي اتبعها القياصرة، وكان من الطبيعي أن يلقي هذا الاكتشاف الكثير من الترحيب لدى العلماء الألمان الذين أبدوا له كل تأييد. فتشيتشيرينا، الذي يبرهن لنا مجددا على أن العلماء الليبراليين هم أقل جودة بوصفهم مؤرخين من زملائهم الرجعيين، يقول بصحة النظرية التي هجرت بالنسبة إلى أوربا منذ أبحاث فون مورر، والتي تقول بأن المشاعيات لم تتشكل إلا في القرنيين السادس عشر والسابع عشر انطلاقا من استغلاليات فردية معزولة.. يقول بصحتها إذا ما طبقت على روسيا. ويضيف إلى هذا أن الاستغلال المشترك للحقول إنما نتج عن اختلاط الأراضي فيما بينها، وعن الملكية المشتركة والصراعات الحدودية، والسلطات العامة التي مارستها الجماعة، وعن مسؤولية الجماعة الضرائبية المشتركة بالنسبة إلى الضرائب الشخصية التي بديء بتطبيقها منذ القرن السادس عشر، أي أن تشيتشيرينا يقلب، بذهنية ليبرالية ضعيفة، رأسا على عقب، كافة العلاقات التاريخية، ويحول الأسباب إلى نتاج، وهذه الأخيرة إلى أسباب.
ولكن مهما كان رأينا بشأن قدم واصل المشاعية الفلاحية في روسيا، فمن المؤكد أنها ظلت على قيد البقاء بالرغم من الزمن الطويل الذي شهد تفاقم القنانة وإلغاءها.. ومرورا حتى الحقبة الأخيرة. غير أننا لن نتناول هنا سوى المصير الذي آلت إليه هذه المشاعية في القرن التاسع عشر. فحين أنجز القيصر الاسكندر الثاني عملية «تحرير الفلاحين»، عمد السادة إلى بيع أراضيهم إليه –وذلك على النمط البروسي- مما جعلهم يحصلون على تعويضات ضريبية على الأجزاء الأكثر سوءا من الأراضي الساداتية المزعومة، وعلى الحق في أن يفرضوا على الفلاحين، بالنسبة إلى الأراضي «المعارة»، قرضا قيمته 900 مليون روبل امتد أجل سداده إلى تسعة وأربعين عاما، بأقساط تبلغ 6 بالمئة. غير أن هذه الأراضي لم تعط، كما كان الأمر في روسيا، للعائلات على سبيل إنها ملكيات خاصة، بل إنها سلمت إلى جماعات بأسرها، على أساس أنها ملكيات جماعية. وعلى هذا النحو كانت الكوميونات مسؤولة بالتضامن إزاء مسألة القروض، وإزاء دفع كافة الضرائب والأتاوات كما كانت حرة في توزيع هذه الضرائب والأتاوات على مختلف أعضائها. وفي بداية تسعينات القرن التاسع عشر كان توزيع مجمل الأراضي في روسيا الأوربية (باستثناء بولندا وفنلندا وأراضي الكوزاك المجاورة لضفاف الدون) على الشكل التالي: أراضي الدولة التي كانت تتألف، بشكل عام، من غابات الشمال الفسيحة، ومن الأراضي الصحرواية. وتشمل 150 مليون ديسياتين (الديسياتين الواحد=1,09 هكتار)، والممتلكات الإمبراطورية تساوي 7 ملايين، والكنيسة والمدن تملك معا ما لا يقل عن 9 ملايين، وكان هناك 93 مليونا موزعة على شكل ملكيات خاصة منها 5 بالمئة تخص الفلاحين، والباقي يخص النبلاء، ولكن كان هناك في المقابل 131 مليون ديسياتين تعتبر ملكيات فلاحية جماعية. وفي العام 1900، كان الفلاحون يملكون بشكل جماعي 122 مليون هكتار، بينما هناك 22 مليون، تعتبر ملكيات خاصة فلاحية.
والآن إذا درسنا الأسلوب الذي كان الفلاحون الروس يستغلون تبعا له، هذه الأراضي الفسيحة حتى فترة قصيرة من الزمن، بل وحتى الآن جزئيا، سنتعرف -وبكل سهولة- على المؤسسات النموذجية الخاصة بالمشاعية الزراعية كما كانت قائمة، على الدوام، في ألمانيا كما في أفريقيا، وعلى ضفاف نهر الغانج كما البيرو. كانت الحقول مقسمة. أما الغابات والبراري والمياه فكانت تشكل معا أراض مملوكة بشكل جماعي لا يجوز اقتسامها. وكانت المناوبة الثلاثية هي النظام المهيمن، فأراضي المواسم الشتائية والصيفية كانت توزع تبعا لنوعية الأرض، وعلى هذا النحو كانت تقسم إلى قطع متفرقة. وكانت العادة تجري على الشكل التالي: الحقول الصيفية توزع في نيسان، والحقول الشتوية توزع في حزيران. والواقع أن المراقبة الدقيقة للمساواة القائمة في التوزيع كانت تؤدي إلى اختلاط غريب بحيث أنه بالنسبة إلى حكومة «موسكو» كان هناك ما معدله 11 نوعا من الحقول الصيفية و11 نوعا من الحقول الشتوية، وكان على كل فلاح أن يزرع ما لا يقل عن 22 قطعة من الأرض متفرقة. وكانت الجماعة تضع جانبا، الأراضي التي كانت تزرع احتياطا للحاجات الجماعية الاستثنائية، وأحيانا كان ثمة -لهذا الغرض مخازن احتياط كان على كل فلاح أن يضع فيها قسطا متوجبا عليه من الحب. وكان السهر على التطور التقني لعملية الاستغلال هذه يتم عن طريق السماح لكل عائلة فلاحية بالاحتفاظ بحصتها لمدة عشر سنين شرط أن تستمدها بنفسها، أو كانت توضع على حدة قطع من الأرض تسمد ثم لا توزع إلا مرة كل عشر سنين. وغالبا ما كانت حقول الكتان، والبساتين ومزارع المقولات تخضع لنفس القاعدة.
أما توزيع القطعان المشتركة على مختلف البراري والمراعي، والتقاعد مع الرعاة، وتسييج المراعي، وحماية الحقول، وتحديد مواعيد مختلف الأشغال، ونمط التوزيع وتاريخه، فكلها أمور كانت تسوي بشكل جماعي، أي عن طريق مجلس القرية. وأما بصدد مدة التوزيع، فكان ثمة اختلاف كبير يهيمن بين مكان وآخر. ففي العام 1877، وفي منطقة واحدة فقط، هي منطقة ساراتوف، ومن أصل 278 مشاعية قروية أخضعت للدراسة، وجد أن قرابة نصفها تقوم بعملية القرعة مرة كل عام، وهناك مشاعيات كانت تقوم بهذه القرعة مرة كل عامين، وأخرى كل ثلاثة أعوام، وخمسة وستة وثمانية وإحدى عشر، هذا بينما كانت هناك 38 مشاعية تمارس عملية تسميد الأرض، كانت قد تخلت نهائيا عن نظام التوزيع [88].
إن الأكثر لفتا للنظر في المشاعية الزراعية الروسية، هو نمط التوزيع الذي يتم فيها. فنحن ليس لدينا هنا، لا مبدأ القطع المتساوية كما عند الجرمانيين، ولا مبدأ تساوي القطع مع حاجات كل عائلة كما لدى البيروفيين، بل –وحسب- مبدأ القدرة الضريبية. لقد كانت المشاكل الضريبية تهيمن على حياة المشاعية كلها منذ «تحرير الفلاحين»، بحيث أن كافة مؤسسات القرية كانت تدور حول مسألة الضرائب. ويقينا أن الأساس الوحيد لفرض الضريبة، بالنسبة إلى الحكومة القيصرية، كان عدد «الأشخاص المحصيين». وهم كافة السكان الذكور في المشاعية دون أي تمييز في السن، وتبعا للتحديد الذي كان يجري مرة كل عشرين عاما عن طريق «إعادات النظر» الشهيرة، ابتداء من أول إحصاء فلاحي جرى على عهد بطرس الأكبر، وإعادات النظر هذه كانت الرعب الذي يعيش الشعب الروسي في ظله، والذي كانت قرى بأسرها تهرب في مواجته [89].
كانت الحكومة تفرض مقدار الضريبة على القرى تبعا لعدد السكان الذين يشملهم الإحصاء. وكانت الجماعة توزع القيمة الإجمالية للضريبة، على مختلف المزارع، وتبعا لعدد اليد العاملة ولحصة الأرض التي تخص كل مزرعة، كان يتم حساب القدرة الضريبية.
ومنذ العام 1861، كان توزيع الأرض في روسيا يتم استنادا إلى عملية دفع الضرائب، وليس إلى الغذاء الذي يناله الفلاحين، أي أن التوزيع لم يكن عملا خيرا هو من حق كل واحدة من المزارع، بل كان شيئا يجبر عليه كل فرد من أفراد الجماعة، باعتباره خدمة تقدم للدولة. لذا لم يكن ثمة ما هو أطراف من مجلس قروي روسي، وهو مجتمع لتوزيع الأرض. فمن كل جانب كان بامكان المرء أن يصغي على الاحتجاجات فكل واحد يحتج لكي لا يعطي قطعة كبيرة من الأرض، وعلى هذا النحو كانت العائلات الفقيرة، التي ليس لديها عدد كاف من اليد العاملة، والتي يتألف أكثر أعضائها من النساء والأطفال القصر، كانت تحرم من قطع الأرض بينما يحصل الأغنياء على القطع الكبيرة. فالعبء الضريبي الذي هو في مركز حياة المشاعيات الروسية كان عبئا ثقيلا للغاية.. فبالإضافة إلى الدين الواجب دفعه، هناك الضريبة المفروضة على كل فرد، وهناك الضريبة البلدية، وضريبة الكنيسة والضريبة على الملح الخ.. صحيح أن ضريبة الفرد وضريبة الملح الغيتا في ثمانينات القرن التاسع عشر، غير أن الضريبة الإجمالية ظلت من الضخامة والثقل بحيث أنها كانت تمتص كل ثروة الفلاحين الهزيلة. واستنادا إلى إحصاء أجري في التسعينات، نجد أن 70 بالمئة من الفلاحين كانوا يحصلون من قطع الأرض المعطاة لهم، أقل من الحد الأدنى الكافي للمعيشة، و20 بالمئة كانوا قادرين على إطعام أنفسهم بأنفسهم إنما دون أن يتمكنوا من اقتناء ماشية، وذلك مقابل 9 بالمئة فقط كانوا قادرين على بيع الفائض الذي يزيد عن حاجاتهم. والواقع أن المتخلفين عن دفع الضرائب كانوا يشكلون ظاهرة هامة من ظواهر القرية الروسية. وذلك في الفترة التي تلت «التحرير» مباشرة. فمنذ السبعينات، كان هناك دخل سنوي من الضرائب الفردية يصل إلى 50 مليون، يضاف إليه مبلغ 11 مليونا هو القيمة السنوية للضرائب المتخلفة. ولكن حتى بعد إلغاء الضريبة الفردية، استمر بؤس القرية الروسية في التفاقم، وذلك لأن الضرائب غير المباشرة أضحت أكثر فأكثر ثقلا. أما في العام 1907، فقد بلغ مجموع الضرائب المتأخرة ما يقارب الـ 127 مليون روبل، بحيث اضطرت السلطة إلى إعفاء الفلاحين من دفعها، بسبب عجزهم التام عن دفعها من جهة، وبسبب تفاقم المد الثوري، من جهة ثانية.
غير أن الضرائب سوف تمتص بعد ذلك، ليس فقط كافة المكاسب التي تحققها الاقتصاد الفلاحي، بل ستجبر الفلاحين على البحث عن أعمال مكسبة ملحقة. وهكذا كانت الأعمال الموسمية التي ما زالت حتى الآن تؤدي، في روسيا، إلى هجرات جماعية حقيقية، حيث أن القرويين الذكور الأكثر قوة كانوا يذهبون للعمل كمياومين في أملاك السادة الكبيرة، بينما كانوا يتركون قطع الأرض التي تخصهم، لكي تقوم بزراعتها النساء، مع الأطفال والعجائز، ومن جهة أخرى كانت المدينة بمصانعها، تشكل قطبا جاذبا بالنسبة للفلاحين. وعلى هذا النحو تشكلت في المراكز الصناعية، شرعية العمال المؤقتين الذين ما كانوا يؤمنون المدن إلا في الشتاء، ليعملوا بشكل خاص في مصانع النسيج، ومن ثم يعودون في الربيع إلى الحقول في قراهم ليمارسوا الزراعة حاملين معهم ما كسبوه في المدن. وفي كثير من المناطق كان ثمة عملا صناعيا في المنازل، كما كانت ثمة أعمال زراعية موسمية ملحقة ، مثل صناعة العربات وقطع الخشب وما شبه. ولكن بالرغم من كل هذا، كانت جمهرة الفلاحين بالكاد قادرة على سد الرمق. فالضرائب لم تكن تمتص ثمار الزراعة فقط، بل كذلك كل ما يحققه الفلاحون من الأعمال الصناعية الملحقة. وكانت الدولة قد زودت الجماعة بكل وسائل القهر القاسية.. خاصة وأن الجماعة المشاعية كانت هي المسؤولة، بالتكافل والتضامن، عن الضرائب المفروضة على أفرادها. ولذا كان بامكان الجماعة أن تؤجر إلى الخارج أولئك الذين كانوا يتخلفون عن دفع الضرائب، كما كان بامكاننا أن تعاد أموالهم، وكان من حقها أن تمنح أو تمنع، جواز السفر عن الأفراد.. وهم بدونه ما كان بامكانهم الابتعاد عن قريتهم. وكذلك كان من حق الجماعة أن تعاقب جسديا كل المتخلفين والمتمردين.
بشكل دوري، كانت القرية الروسية تقدم لنا صورة غريبة عن الأرض الروسية الفسيحة. فما أن يصل جابي الضرائب إلى القرية، حتى تبدأ عملية كانت روسيا القيصرية قد ابتكرت لها اسما تقنيا ذا مغزى هو «الحصول على المتخلف من الضرائب عن طريق الضرب». إذ عند ذاك كان مجلس القرية يجتمع بكامله، ويكون على المتأخرين في الدفع أن ينتزعوا سراويلهم ثم يستلقوا على مقعد طويل حيث يقوم رفاقهم القرويون بجلدهم حتى ينز الدم من جلودهم، ومن ثم يعمد إلى ضرب أعضائهم التناسلية بقوة. أما التوسل وبكاء الضحايا –وهم غالبا من الآباء أو من الكهول ذوي الشعر الأبيض –فكانا يرافقان السلطة العليا- أي ممثل هذه السلطة الذي، ما أن يتم إلحاق العقاب، حتى يعتلي عربته ليبدأ العملية نفسها في قرية أخرى. ولم يكن من النادر أن يفلت بعض الفلاحين من هذا العقاب العلني عن طريق الانتحار. وكان ثمة مخرج آخر من هذا الوضع هو «التسول الضريبي»، حيث يرحل الفلاحون الفقراء وهم يحملون عصي المتسولين، لكي يحاولوا جمع الضرائب المطلوبة عن طريق التسول والعودة بها إلى القرية. لقد كانت الدولة تسهر بقسوة وصرامة على مؤسسة المشاعيات الزراعية، التي تحولت على هذا النحو، إلى مجرد جهاز لتحصيل الضرائب. وينص قانون 1881 على أن الأراضي الفلاحية لا يجوز التخلي عنها من قبل المشاعيات، إلا إذا قرر ثلثا الفلاحين مثل هذا الأمر، ثم وافق عليه وزراء الداخلية والمال والأراضي. ولم يكن بوسع الفلاحين بيع ممتلكاتهم وحوائجهم التي يحصلون عليها عن طريق الوراثة، إلا لفلاحين آخرين ينتسبون إلى جماعتهم نفسها، وكان رهن الأرض الزراعية محظورا ثم في عهد الاسكندر الثالث، حرمت المشاعية القروية من أي استقلال ذاتي لها، وأخضعت لسلطة «الكابتن الريفي» الذي هو عبارة عن سلطة مشابهة للمجالس الريفية في بروسيا. وعلى هذا النحو كان ينبغي على كل قرار يتخذه مجلس القرية، أن يحصل على رضى هؤلاء الموظفين، الذين كان حتى توزيع الأراضي يتم تحت إشرافهم، وكذلك توزيع الضرائب وجبايتها. أما قانون 1893 فقد قدم بعض التنازلات إذ لم يسمح بتوزيع الأراضي إلا مرة كل دزينة من الأعوام. وفي الوقت نفسه لم يكن بوسع الفلاح أن يترك جماعته إلا بعد الحصول على إذن البلدية، وبشرط أن يكون قد سد كامل ديونه.
ولكن برغم هذه الروابط التي خلقها القانون، بشكل اصطناعي، داخل المشاعية القروية، وبرغم وصاية الوزارات الثلاث وتوطيد مراكز التشينوفيك (الموظفين الذين أشرنا إليهم أعلاه) لم يكن ممكنا تفادي تدهور المشاعية القروية على الإطلاق. فالعبء الضريبي الساحق، وانهيار الاقتصادي الزراعي بعد تحقق المكاسب عن طريق الأرباح الزراعية والصناعية الملحقة، وفقدان الأرض –ولاسيما المراعي والغابات التي كان النبلاء غالبا ما يعمدون إلى ضمها إلى أراضيهم- وفقدان الحقول القابلة للزراعة في نفس الوقت الذي كان فيه عدد السكان في التصاعد.. كل هذا أدى خلق نوعين من الظواهر الحاسمة في حياة القرية، الهروب إلى المدينة، وظهور الربا في القرية. فيما أن الجزء المخصص من الأرض، والعمل الصناعي أو الزراعي الملحق، لم يعودا بكافيين إلا لدفع الضرائب دون التمكن –حتى من هذا- حقا، ودون قدرة على سد أكثر الحاجات إلحاحا، أضحى الانتماء إلى المشاعية، سلاسل مربوطة حول رقبة الفلاح الجائع. ولذا كان الهدف الطبيعي، بالنسبة إلى الأكثر بؤسا، هو الإفلات من ربقة تلك السلطة. غير أن البوليس كان يعتقل مئات الهاربين، بتهمة التشرد وعدم حيازة جوازات مرور، ومن ثم يسلمهم إلى مجالس القرية التي كانت تعمد إلى معاقبتهم علنا، في وسط الحقول، ليعتبروا درسا وأمثولة لغيرهم. غير أن العقوبات، وجوازات المرور الإجبارية لم يكن بوسعها فعل شيء في مواجهة الرحيل الجماعي للفلاحين الذين كانوا يهربون، تحت جنح الليل وفي خبأة الضباب، من جحيم «الشيوعية القروية» ليتوجهوا إلى المدينة، حيث يختفون نهائيا وسط المحيط الصاخب الذي يؤلف البروليتاريا الصناعية. أما الآخرون الذين كانت روابطهم العائلية، وبعض الظروف الأخرى، تجعل هربهم مستحيلا، فكانوا يسعون إلى الخروج من المشاعية بالوسائل الشرعية. ولتحقيق هذا كان عليهم إيفاء كل ديونهم.. وهنا كان المرابي يهرع لإنقاذهم (!). ومنذ وقت مبكر كانت الضرائب والبيع الارغامي للحَبّ، ضمن أسوأ الشروط، تجعل الفلاح الروسي يلجأ إلى المرابي، خاصة وأن كل كارثة وكل حصاد سيء كانا يجعلان مسألة الاستعانة بالمرابي أمرا حتميا. وهكذا، للتحرر من ربقة المشاعية؟، لم يكن أمام الفلاح البائس إلا أن يخضع نفسه للربقة الربوية. ثم في الوقت الذي كان فيه الفلاحون الفقراء يبذلون كل جهودهم للإفلات من المشاعية، كان الفلاحون الأغنياء غالبا ما يديرون لها ظهورهم ويتركونها، طمعا بالإفلات من مسؤولية الضرائب الجماعية التي يحاول الفقراء الهروب منها. ولكن حتى حين لم يكن الفلاحون الأغنياء يبرحون الجماعة، شكليا، فإنهم كانوا يشكلون داخل المشاعية –علما بأنهم هم نفسهم المرابون- يشكلون في مواجهة الفلاحين البائسين، سلطة مهيمنة كانت تعرف كيف تستفيد من القرارات التي يتبناها الفلاحون المدينون والتابعون.
وهكذا قام داخل المشاعية، التي كانت قد ارتكزت أساسا على المساواة وعلى الملكية العامة، تمايز طبقي واضح: فمن جهة هناك برجوازية قروية، صغيرة العدد لكنها نافذة، ومن جهة أخرى هناك جمهرة من الفلاحين التابعين والبرولتاريين. وعلى هذا النحو بزغ الانهيار الداخلي للمشاعية القروية التي مزقها عبء الضرائب، والتهمها المرابي، وحلت في داخلها مختلف الانقسامات. ولقد أدى هذا، في سنوات الثمانين، إلى جعل المجاعات والانتفاضات الفلاحية في روسيا، ظواهر دورية وموسمية، كانت تضرب الحكومات من الداخل بشكل كان من القسوة بحيث أن قسوته باتت تفوق قسوة جباة الضرائب والجيش المكلف بـ«تهدئة» القرية.
وأضحت الأرياف الروسية مسرحا لأبشع المجاعات والقلاقل الدامية. وعرف الموجيك نفس المصير الذي عرفه الفلاح الهندي، ولم يعد ثمة من فرق بين «أوريسا» الهندية البائسة، وبين عشرات القرى الروسية المنتشرة على ضفاف الفولغا [90]. وحين اندلعت أخيرا، في عامي 1904 و1905 ثورة البروليتاريا المدينية في روسيا، ألقت الاضطرابات الفلاحية الكابوسية بكل ثقلها للمرة الأولى، في ميزان الثورة، بحيث أن المسألة الزراعية سرعان أضحت القضية المركزية للثورة. فالآن، إذ يجتاح الفلاحون، وكأنهم إعصار لا يقاوم، أراضي النبلاء ويحرقون المخازن، والآن إذ يعمد حزب العمال إلى التعبير عن استياء الفلاحين، عبر إذاعة مطالبهم الثورية المنادية بمصادرة الأراضي الكبيرة دون أي تعويض، ومن ثم إعادتها إلى الفلاحين، عمد القيصر، أخيرا، إلى هجر السياسة الزراعية التي كانت تمارس منذ قرون طويلة.. فبما أنه لم يعد بالامكان إنقاذ المشاعيات الزراعية من السقوط بات من الضروري التخلي عنها.
منذ عام 1902، وصل التصدع إلى جذور المشاعية القروية، ذات الشكل الروسي الخاص: ففي ذلك العام ألغيت المسؤولية الضريبية الجماعية. وكان قد صير إلى تحضير هذا الإجراء، بشكل نشط، عن طريق السياسة المالية القيصرية نفسها: فالآن صار من السهل على السلطة المسؤولة أن تتخلى عن مبدأ المسؤولية الجماعية في دفع الضرائب المباشرة. ولكن في الوقت نفسه كانت الضرائب غير المباشرة قد وصلت إلى نسبة يمكن إدراك أهميتها إذا عرفنا أن في العام 1906، كان الدخل الشامل الذي تنص عليه الميزانية 2030 مليون روبل، منه فقط 148 مليونا تأتي عن طريق الضرائب المباشرة، مقابل 1100 مليون عن طريق الضرائب غير المباشرة، منها 558 تأتي من احتكار السلطة لتجارة الخمور، وهو احتكار كان قد ابتكره الوزير «الليبرالي» دي ويت في سبيل الحد من انتشار الإدمان على المسكرات. وكما نرى، فإن قسما كبيرا من هذه الضرائب كان يأتي عن طريق بؤس الجماهير الفلاحية وجهلها ويأسها. وبين عامي 1905 و1906 انخفض الدين الفلاحي المخصص لشراء الأراضي مجددا، إلى النصف، لكنه الغي تماما في العام 1907. أما قانون «الإصلاح الزراعي» الذي صدر في العام 1907، فلقد حدد لنفسه هدفا علنيا هو خلق الملكية الخاصة الصغيرة للأراضي الزراعية. وكانت طريقة الوصول إلى هذا هي تجزئة أراضي الدولة وجزءا من الأملاك العقارية الكبيرة.
وعلى هذا النحو تكون ثورة القرن العشرين البروليتارية قد صفت بنفسها، في مرحلتها الأولى غير المنجزة، آخر بقايا القنانة في نفس الوقت الذي صفت فيه المشاعية الزراعية التي كان القيصر قد حافظ على بقائها بشكل مصطنع.
--------------------------------------------------------------------------------
(2)
مع المشاعية القروية الروسية انتهى المصير المضطرم للشيوعية البدائية الزراعية وانغلقت الدائرة على نفسها. والمشاعية الزراعية التي كانت، في بداياتها، نتاجا طبيعيا للتطور الاجتماعي، وضمانة لأفضل تقدم اقتصادي وازدهار مادي وذهني للمجتمع، سرعان ما أضحت وسيلة للتخلف السياسي والاقتصادي. وما مشهد الفلاح الروسي الذي يجلد بالسوط على أيدي جماعته الخاصة الذين يخدمون الحكم الروسي المطلق، سوى أقسى نقد تاريخي للحدود الضيقة للشيوعية البدائية، وسوى التعبير الأكثر اندهاشا عن واقع أن النمط الاجتماعي هو بدوره خاضع للقاعدة الديالكتيكية: فالعقل يصبح هباء، والخير يضحي آفة.
إن هناك واقعين يصدماننا حين ننظر بانتباه إلى مصائر المشاعية الزراعية في مختلف البلدان والقارات. فهذا النمط الأقصى والأكثر ارتفاعا في النظام الاقتصادي الشيوعي البدائي، بدلا من أن يظهر كنموذج جامد صلب، نراه يظهر لنا الكثير من التنوع والمرونة والقدرة على التكيف مع بيئته التاريخية. ففي كل بيئة وفي كل الظروف، مر هذا النمط بسيرورة تحول كانت تجري ببطء شديد، بحيث أن تحولها هذا لم يكن ممكنا أن ننظر إليه من الخارج، وكانت السيرورة تبدل، داخل المجتمع، البنى العتيقة ببنى جديدة، وهي، تحت كافة البنى الفوقية السياسية للمؤسسات الدولية الأصلية أو الأجنبية، في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، كانت على الدوام في حالة ولادة وموت، وتطور وتآكل.
وهذا النمط الاجتماعي كان ذا صلابة وصمود غريبين، وذلك بفضل مرونته وقدرته على التأقلم. ولقد وقف متحديا في وجه كافة عواصف التاريخ السياسي، بل وتحمل كل هذه العواصف إذ رزحت فوقه، وتركها تمر عليه خلال قرون من القمع والغزوات والاستبداد والسيطرة الخارجية والاستغلال ولكن كان هناك احتكاك واحد، لم تحمله هذا النمط، ولم يتمكن من البقاء بعد حدوثه: إنه الاحتكاك بالحضارة الأوربية.. أي بالرأسمالية. ففي كل مكان، ودون أي استثناء، كان الاصطدام بهذه الأخيرة مميتا بالنسبة إلى المجتمع القديم، وأدى على ما لم تؤد إليه أبدا، قرون طويلة من الغزوات الشرقية المتوحشة: لقد أدى انحلال تلك البنية الاجتماعية من داخلها، وإلى تحطيم كافة العلاقات التقليدية، وإلى تحويل المجتمع إلى كومة من الأطلال المشوهة.
إن النفخة المميتة التي مارستها الرأسمالية الأوربية، ليست في الواقع سوى العامل الأخير، وليس الوحيد، الذي جعل من الحتمي –على المدى الطويل أو القصير- انهيار المجتمع البدائي. وبذور هذا الانهيار تمركزت في داخل هذا المجتمع. فإذا ما لخصنا مختلف دروب ذلك الانهيار، على الشكل الذي درسنا أعلاه مختلف أمثلته، سيتبين لنا أن ثمة تعاقبا تاريخيا معينا. فالملكية الشيوعية لأدوات الإنتاج، التي هي الأساس لاقتصاد منظم بشكل صارم، ضمنت –خلال حقب طويلة من الزمن- إنتاجية هائلة للعمل، كما قدمت أفضل ضمان مادي للمجتمع. ولهذا كان من الضروري لهذا التطور البطيء –إنما الأكيد- لإنتاجية العمل، أن يدخل في صراع مع التنظيم الشيوعي. وبعد أن، أنجز داخل هذا التنظيم، التقدم الحاسم باتجاه التحول إلى الزراعة العليا- التي تتم عن طريق استخدام المحراث-، وبعد أن اتخذت المشاعية الزراعية على أساس هذه القاعدة، أشكالا ثابتة، بات التطور الذي أصاب تقنية الإنتاج، يتطلب زراعة للأرض أكثر كثافة، غير أن هذه الزراعة لم يكن بالامكان تحقيقها، عند هذا المستوى التقني، إلا عن طريق الاستغلالية الصغيرة المكثفة، وإلا عن طريق الارتباط الأكثر وثوقا وصلابة، بين قوة العمل الفردية وبين الأرض. ومن هنا بات الاستخدام الأكثر ديمومة لنفس قطعة الأرض من قبل نفس العائلة الفلاحية، شرطا أساسيا لحدوث زراعة أكثر إنتاجية ومعتني بها. والتسميد هو –بشكل خاص- أحد الأسباب المعروفة لعملية توزيع الأرض- لأزمان أكثر طولا- والتي عرفت في ألمانيا كما في روسيا.
وبشكل خاص علينا أن نلاحظ أن الاتجاه نحو توزيع الأرض يمتد لأزمان أكثر طولا، أخذ يظهر في كل مكان في المشاعيات الزراعية. مما أدى إلى التحول من «التوزيع عن طريق القرعة» إلى تحول ملكية الأرض عن طريق الوراثة. إذن فإن التحول من الملكية الجماعية إلى الملكية الخاصة، إنما يسير جنبا إلى جنب مع مسألة ازدياد كثافة العمل.. وفي الوقت الذي ظلت فيه الغابات المراعي، لأزمان أكثر طولا، أراض جماعية مشاعية، فتحت الحقول، المزروعة بشكل أكثر كثافة، الطريق في وجه تقسيم الأراضي الجماعية، كما فتحت الطريق في وجه مبدأ الوراثة. أما الملكية الخاصة لقطع الأرض الزراعية، فإنها لم تلغ التنظيم الجماعي للاقتصاد، إذ أن هذا التنظيم ظل قائما لفترة طويلة بسبب تمازج الأراضي، وبسبب مشاعية الغابات والمراعي. وكذلك علينا أن نلاحظ بأن المساواة الاقتصادية والاجتماعية لم تلغ في المجتمع القديم. فلقد تشكلت، في البداية، جمهرة من البلدان الصغيرة، ذات شروط الحياة المتشابهة، والتي يمكنها أن تعيش وتعمل طوال قرون طويلة من الزمان، ضمن نفس التقاليد القديمة. ومع هذا فإن الطريق قد فتحت بوجه اللامساواة، عن طريق الطابع الإرثي للملكية، وعن طريق الحق المعطى للابن البكر، وعن طريق إمكانية تخلي الفلاح عن أرضه.
إن هذه السيرورة لم تفجر التنظيم التقليدي للمجتمع، إلا بشكل بطيء للغاية. ومع هذا فلقد دخلت العملية عدة عوامل تاريخية أخرى، تحركت بشكل أكثر جذرية وسرعة: إنها النفقات العامة التي كانت تزداد حجما، بحيث أنها تجاوزت الحدود الطبيعية الضيقة للمشاعية الزراعية. ونحن نعلم سلفا، الأهمية الجاسمة لمسألة الري الاصطناعي بالنسبة إلى زراعة الحقول في الشرق. لقد كان لتكثف العمل هذا، وللنمو المتعاظم لإنتاجيته، نتائج تفوق في أهميتها تلك التي أسفر عنها تسميد الأرض في الغرب. فمنذ البداية أدت أعمال الري إلى قيام الأشغال ذات المستوى العريض الضخم. وبما أن المؤسسات الصالحة لمثل هذا لم تكن ذات وجود في داخل المشاعية الزراعية، صار ينبغي خلق المؤسسات الخاصة التي تقف خارج المشاعية وفوقها. ونحن نعرف أن إدارة الأشغال العامة المتعلقة بإيصال الماء وتوزيعه، كانت في أصل هيمنة الكهنة، وكافة أنواع الهيمنة في المجتمعات الشرقية. وفي الغرب كذلك كانت ثمة أشغال عامة متنوعة كان ينبغي تسويتها، بالرغم من ضآلة أهميتها بالمقارنة مع مثيلاتها في التنظيم الراهن للدولة، ولقد ازدادت هذه الأشغال عددا وأهمية مع تطور وتقدم المجتمع البدائي، بحيث باتت تتطلب، بالنتيجة وعلى المدى الطويل، مؤسسات متخصصة. ولقد لاحظنا في كل مكان –في ألمانيا كما في البيرو، وفي الهند كما في الجزائر –أن التحول من الانتخابية إلى الوراثية في تسلم المناصب العامة في المجتمع البدائي، كان سمة عامة من سمات التطور.
غير أن هذا التحول، الذي تم ببطء ودون أن يلحظه أحد، لا يشكل قطيعة مع أسس المجتمع الشيوعي. فتحول المناصب العامة إلى الانتقال عن طريق الوراثة، نتج أولا، بشكل طبيعي، عن واقع أن التقاليد والتجربة الشخصية المتراكمة، كانت في المجتمع الشيوعي البدائي، أفضل ضمان لإنجاز العمل بأفضل شكل. وعلى المدى الطويل، أدى الانتقال الوراثي للمناصب ضمن بعض العائلات، وبشكل حتمي، إلى تشكل اريستقراطية محلية صغيرة، تحولت من خدمة الجماعة إلى السيادة. والواقع أن الأراضي التي لا يجوز تجزئتها، والتي كانت السلطات العامة هي المسؤولة عنها بشكل مباشر، شكلت الأساس الاقتصادي لتكون تلك النبالة. أما سرقة الأراضي العامة وغير المستخدمة، فكانت الأسلوب المنتظم الذي استخدمه السادة المحليون أو الأجانب الذين ارتقوا فوق مستوى الجماهير الفلاحية واستعبدوها. فإذا كان الأمر يتعلق بشعب يعيش بعيدا عن مجاري الحضارة الرئيسية، سنلاحظ بأنه من الممكن ألا يكون لدى النبالة البدائية ما يميزها –في نمط حياتها- عن طريق الجماهير إلا بصعوبة، فهي كانت مرغمة على المساهمة في عملية الإنتاج، وعلى إخفاء فارق الثروة عن طريق بعض البساطة الديموقراطية: فالأرستقراطية الياقونية، مثلا، غنية فقط بما لديها من قطيع، وبالنفوذ الذي تمارسه في المسائل العامة وحسب. أما إذا أضفنا إلى هذا بعض الاحتكاك مع الشعوب الأكثر تحضرا وشيئا من التبادل الفعال، سنجد أن احتجاجات النبالة ستضحي أكثر تميزا، وستكف عن العمل، بحيث يؤدي هذا إلى تفريق حقيقي بين الشرائع المتواجدة داخل المجتمع. وما اليونان، في الحقبة التي تلت هوميروس، سوى المثال النموذجي على هذا.
إن تقسيم العمل داخل المجتمع البدائي، قد أدى –بسرعة تقل أو تزيد- إلى النهاية الحتمية التي قضت على المساواة السياسية والاقتصادية. والواقع أن منصبا ذا طابع عام، يلعب دورا أساسيا في هذه السيرورة ويؤثر بشكل أكثر قوة من كافة المناصب ذات الطابع السلمي: إنه السلوك الساري أيام الحرب. فالحرب التي كانت، في البداية، قضية يهتم بها الجميع، أضحت إثر تطور الإنتاج، شيئا تتخصص فيه بعض الأوساط في المجتمع البدائي. وكلما تطورت سيرورة العمل وأضحت أكثر انتظاما وتخطيطا داخل المجتمع، أضحى هذا الأخير أقل قدرة على تحمل اللاإنتظام، وفقدان الطاقة، المرتبطين بالحياة العسكرية. فإذا كانت الحملات العسكرية الدورية، نتيجة مباشرة للنظام الاقتصادي السائد لدى الشعوب التي تعيش من الصيد وتربية الماشية، فإن الزراعة مرتبطة إلى حد بعيد بنوع من الجمودية لدى المجتمع، لذا نراها تتطلب وجود شرعية خاصة من المحاربين تتولى الدفاع عنها. والحياة الحربية –هي نفسها ليست سوى التعبير عن الحدود الضيقة لإنتاجية العمل- تلعب دورا هاما لدى الشعوب البدائية، وتؤدي إلى نوع جديد من تقسيم العمل. والواقع أن انفصال النبالة المحاربة، أو القادة العسكريين، بشكل إحدى أقوى الصدمات التي اضطرت المساواة الاجتماعية إلى مجابهتها في المجتمع البدائي. فحيثما نجد مجتمعات بدائية، لا يمكننا على الإطلاق أن نعثر على العلاقات البشرية المتساوية بين بشر أحرار، التي وصفها مورغان لدى الشعوب الايروكية: فالتفاوت والاستغلال هما الميزتان اللتان تطبعان المجتمعات البدائية، واللتان سنعثر عليهما بوصفهما نتاجا لحقبة طويلة من التفكك، سواء بالنسبة إلى الشرائح المهيمنة في الشرق، أو الاريستقراطية الياقوتية، أو «العشائر الكبيرة» الكلتية في اسكوتلندا، أو لدى النبالة العسكرية في بلاد اليونان والرومان والجرمان أيام الهجرات ذات الحجم الكبير، أو أيضا لدى الاستبداديين الصغار في ممالك إفريقيا.
ولننظر على سبيل المثال، إلى إمبراطورية «مواتا كاسيمبي» في وسط جنوب أفريقيا إلى الشرق من امبراطورية لوندا، حيث كان البرتغاليون قد تسللوا في بداية القرن التاسع عشر، فها هنا سوف نرى، وحتى في المناطق التي بالكاد تمكن الأوربيون من الدخول إليها، على علاقات اجتماعية لم تعد تترك أي مكان للمساواة والحرية. والواقع أن حملة الماجور مونتيرو والكابتن غاميتو، التي جرت في العام 1831، انطلاقا من الزامبيزي نحو الداخل، ركضا وراء أهداف تجارية وعليمة، تصف لنا الوضع هناك على الشكل التالي: لقد وصلت الحملة، أولا، إلى بلاد المارافي، التي كانت تمارس زراعة بدائية تعتمد على جني ما تنتجه الأشجار، وكان سكانها يقطنون أكواخا هرمية الشكل ولا يرتدون سوى قطعها صغيرة من الملابس تحيط بمؤخراتهم. في الحقبة التي اجتاز فيها مونتيرو وغاميتو بلاد المارفي، كان يقود هذا الشعب زعيم مستبد يحمل لقب «نيدي». وكان هذا الزعيم يحكم في كافة الخلافات في عاصمته موتزيندا، ولم يكن يحق لأي شخص أن يحتج على أي حكم يصدره الزعيم. ولكن على سبيل الشكلية المحضة، كان الزعيم يجمع مجلسا يضم كبار السن، غير أنه كان يتوجب دائما على هذا المجلس أن يرى رأي الزعيم. أما البلاد كلها فكانت تقسم إلى أقاليم يديرها «المامبو»، وهذه الأقاليم نفسها كانت تقسم إلى مقاطعات يتولى إدارتها زعماء يعرفون باسم «فونوس». وكافة هذه المناصب كانت وراثية. «في الثامن من آب وصلنا إلى مقر الموكوندا، زعيم التشيفا القوي. وهذا الزعيم الذي كنا قد بعثنا إليه ببعض الهدايا من الأقمشة القطنية الحمراء والجواهر والملح..الخ، وصل في اليوم التالي إلى مخيمنا راكبا حصانا. وكان موكوندا رجلا في الستين إلى السبعين من عمره، وذا سمة مرحة وذات جلال. وكان الثوب الوحيد الذي يرتديه عبارة عن قطعة من القماش ملفوفة حول وسطه. لقد بقي بيننا زهاء ساعتين، ثم حين أراد الذهاب طلب لكل منا هدية بشكل مؤثر ولا يقاوم..
..إن دفن الزعماء، تصحبه لدى التشيفا احتفالات بربرية للغاية. فنساء الميت تسجن مع جثته في كوخ واحد، حتى الوقت الذي يصبح كل شيء فيه معد للدفن. وعلى الفور يتجه الموكب الجنائزي في طريقه نحو حفرة، ما أن يصل إليها حتى تنزل فيها امرأة الميت الأثيرة مع سبع نساء أخريات حيث يتمددن بسيقانهن الممدودة.. ثم ترمى فوقهن أكداس من القماش تغطيهن، وبعد هذا تلقي الجثة وفوقها ست نساء أخريات كانت قد قطعت رقابهن سلفا. وبعد هذا كله يغطي القبر، وينهي الاحتفال الرهيب بعد أن يخوزق شابان، أحدهما يحمل طنبورا ويكون خازوقه على رأس القبر، والثاني يخوزق عند أسفله وهو يحمل قوسا وسهما. ولقد شهد الماجور مونتيرو واحدة من هذه المراسيم خلال تجواله في بلاد التشيفا».
ومن هناك تابعت الرحلة سيرها باتجاه الجبال الواقعة في وسط الإمبراطورية. ولقد وصل البرتغاليون «إلى منطقة مرتفعة ومهجورة، ومحرومة عمليا من أي مادة غذائية أو كائنات حية، ولقد شوهدت في المنطقة بعض الآثار التي خلفتها الحملات العسكرية السابقة.. ولقد أحاطت المجاعة بالحملة الحالية وهددتها بأبشع العواقب. وعلى الفور بعث الرسل، مع بعض الهدايا، إلى أقرب زعيم «مامبو» ليطلبوا منه موافاة الحملة بدليل، لكن الرسل سرعان ما عادوا بأنباء رهيبة تقول بأنهم لم يجدوا في القرية سوى المامبو وأفراد عائلته وجميعهم على وشك الفناء بسبب الجوع.. وقبل وصولنا إلى قلب المملكة، قيّض لنا أن نشاهد العديد من الأدلة على نوعية العدالة البربرية التي تمارس، فغالبا ما كنا نصادف شبابا قطعت آذانهم وأيديهم وأنوفهم، وبعض أعضائهم الأخرى، عقابا لهم على مساوئ كانوا قد ارتكبوها. وفي التاسع عشر من نوفمبر، تمكنا أخيرا من الوصول إلى العاصمة، حيث أحدث الحمار الذي يركبه الكابتن غاميتو، صخبا وضجيجا. ووصلنا إلى شارع وضعت على جانبيه حواجز هي أشبه بالجدران. وعلى الجانبين كنا نشاهد في هذه الحواجز، أبواب مفتوحة. أما في نهاية الشارع فكان ثمة كوخا مربع الشكل لم يكن يفتح إلا لناحية الغرب، وفي وسط هذا الكوخ كان ثمة شكل إنساني لا يزيد طوله عن 70 سنتمترا، ومقطوع بشكل رهيب وموضوع على أريكة من الخشب، وفي الجانب المفتوح من الكوخ كان ثمة كومة تضم نحو 300 جمجمة. وفي هذا المكان كان الشارع يتحول إلى ساحة مربعة كبيرة المساحة، تمتد عند طرفاها غابة لا تفصلها عن الساحة سوى بعض الأعمدة. وعلى جانبي الباب وضع، على سبيل الزينة، ما يزيد عن 30 جمجمة.
«بعد هذا حل دور الاستقبال الذي أعده «مواتا» وبدأ في كل جلاله محاطا بقوته الحربية التي تعد بين 5000 و6000 رجلا. وكان جالسا على كرسي مغطاة بقماش أخضر وبجلود الأسود والنمرة. أما غطاء رأسه فكان عبارة عن قبعة أرجوانية مصنوعة من ريش يبلغ طول كل منها 50 سم. وعلى جبهته كان ثمة جواهر براقة معلقة. أما حول رقبته فثمة عقد علقت فيه قواقع وقطع من المرايا المكسرة وبعض الأحجار الكريمة المزيفة. وحول ذراعيه كانت هناك قطع من القماش الأزرق المغطى بالفراء، وأساوره مليئة بالحجارة الزرقاء.. أما أسفل جسده فكان ملفوفا بشرشف أصفر وأحمر وأزرق معلق بحزام. والأفخاذ كاليدين، كانت مزينة بالحجارة الزرقاء..
«كان الملك جالسا هناك، بكل تيه وكبرياء، تحميه سبع مظلات ملونة. ويقف حوله نحو دزينة من الزنوج يحملون المنافض ويتولون إبعاد أية حبة غبار قد يحلو لها إزعاج جلالته. أما حول المكان كله فكان ثمة بلاط معقد للغاية، فأولا هناك صفان من التماثيل التي يصل ارتفاع كل منها إلى 40 سنتمترا، وتمثل زنوجا حملوا قرون حيوانات.. ووسط هذه التماثيل كلها كان ثمة قفص فيه تمثال أصغر حجما. وأمام التماثيل كان ثمة زنجيان يحرقان أوراقا ذات رائحة نفاذا. وإضافة إلى هذا كله كانت ثمة امرأتان رئيسيتان، أحداهما ترتدي ثيابا على شاكلة ما يرتديه مواتا، وتشغلان معا مكاني الشرف. أما في المؤخرة فيوجد «الحريم» بأكمله، وهو مؤلف من نحو 400 امرأة كلهن عاريات إلا من بعض الزينة الضئيلة. وعدا هؤلاء، كان ثمة 200 امرأة أخرى واقفات على استعداد للاستجابة لأي طلب. وداخل المربع الذي شكلته النساء، كان يجلس كبار أعيان المملكة، وهم المعروفون باسم «كيلولو»، وكانوا يجلسون على جلود الأسود والنمرة، وكل منهم فوقه مظلة، ويرتدي ثيابا شبيهة بثياب مواتا، وعدا عن هذا كانت ثمة بعض الفرق الموسيقية التي تعزف على آلات فريدة من نوعها، محدثة أصواتا رهيبة، وبعض الخدم وكلهم يرتدون ثياب وقرون الحيوانات.
«وهؤلاء جميعا كانوا يحيطون بالملك مواتا كاسمبي، الذي جلس وسط كل هذه الفخامة ينتظر اقتراب البرتغاليين منه. والواقع أن «مواتا» -ومعناها السيد-، هو الذي يحكم بشكل مطلق شعبه بأسره. وكمساعدين له، ثمة أولا الكيلولو أو النبلاء الذين ينقسمون بدورهم إلى طبقتين. ومن بين النبلاء الأكثر امتيازا، هناك ولي العهد وأقرباء «المواتا»، والقائد الأعلى للقوات العسكرية. وللمواتا على كل هؤلاء سلطة غير محدودة، تشمل أيضا حياة وممتلكات كافة النبلاء.
«إذا كان الطاغية ذا مزاج سيء، لم يكن ليتورع عن إصدار الأمر بقطع إذن ذاك الذي لم يفهم أمرا أصدر إليه ويطلب منه تكراره «لكي يتعلم كيف يصغي بشكل أفضل في المرة القادمة». وكل سرقة كانت ترتكب في أملاك الملك، كانت تسبب لمرتكبها قطع أذنيه ويديه، أما الذي يجرؤ على مقابلات إحدى نسائه أو التحدث إليها فيعاقب بالقتل أو بقطع كل أعضائه. وكان الملك يتمتع بين شعبه المتطير باحترام كبير إلى درجة أن أي واحد سيلمسه سيموت بسبب سحره. ولكن بما أنه لم يكن من الممكن تفادي مثل هذا اللمس على الدوام، ابتكر الملك ترياقا للحيلولة دون موت لامسه. وتبعا لهذا الترياق يكون على من يلمس الملك أن يركع في حضرته، فيعمد الملك إلى لمسه محررا إياه على هذا النحو من السحر القاتل» [91].
تلكم هي صورة مجتمع ابتعد كثيرا عن الأسس الأصيلة لأية مشاعية بدائية، كما ابتعد عن كل ديموقراطية ومساواة. وليس من المستبعد أن تكف العلاقات الشيوعية والملكية الجماعية للأرض، والتنظيم المشترك للعمل، عن الوجود والبقاء ضمن هذا الشكل الاستبدادي. والبرتغاليون الذين لاحظوا بدقة الشكل الخارجي للملابس وللقاءات هاهنا، لم يكن لديهم –مثلهم مثل كافة الأوربيين- أية مصلحة تحملهم على إصدار حكم على علاقات اقتصادية، لاسيما إذا كانت هذه العلاقات تسير بشكل يختلف عن الشكل الذي تسير عليه الملكية الخاصة الأوربية. وعلى أي حال، نجد أن التفاوت الاجتماعي والاستبداد السائدين في المجتمعات المتمدنة، يتميزان تماما عن ذنيك السائدين في المجتمعات المتمدنة، واللذين عادا وأدخلا المجتمعات البدائية. إن ارتفاع مستوى النبالة البدائية، والسلطة الاستبدادية التي يتمتع بها الزعيم البدائي، ما هما سوى نتاجين طبيعين لهذا المجتمع تماما مثل شروط وجوده الأخرى. وما هما سوى تعبير آخر عن عجز المجتمع في مواجهة البيئة المحيطة، وفي مواجهة علاقاته الاجتماعية الخاصة، وهذا العجز يتبدى من خلال الممارسات السحرية العبودية، ومن خلال المجاعات الدورية حيث يتعفن الزعماء المستبدون، تعفنا نصفيا أو كليا مثلهم مثل رعاياهم. ولهذا نجد أن هذه السيطرة التي تمارسها النبالة والزعماء، تبدو متناسقة تمام التناسق مع السمات المادية والذهنية الأخرى للحياة الاجتماعية، وهو أمر ملحوظ من خلال واقع أن السلطة السياسية للزعماء البدائيين تكون على الدوام مرتبطة وثيق الارتباط بالدين الطبيعي البدائي، بعبادة الأموات وتبجيلهم. وانطلاقا من وجهة النظر هذه. نجد أن المواتا كاسمبي –زعيم زنوج لوندا، الذي ترافقه 14 امرأة حية في قبره، والذي له مطلق الصرف بحياة وموت أتباعه تبعا لمزاجه الخاص، ولأنه هو نفسه وشعبه يعتقدان، بحزم، أنه ذو قوة سحرية، أو أن أمير «كازنغو» عند ضفاف نهر لوماني، الذي –بعد ذلك بأربعين عاما- ذبح، على سبيل التحية الموجهة إلى الإنكليزي كاميرون، راقصة وهو يرتدي ثياب النساء وجلود القردة ويضع منديلا وسخا على رأسه محاطا بابنتيه العاريتين وبكبار مساعديه وشعبه، إن هذين هما في ذواتهما ظاهرتان أقل عبثية من ظاهرة السيطرة عن طريق «الفضل الالوهي» التي يمارسها رجل لا يمكن حتى لألذ أعدائه أن يقول بأنه ساحر، على شعب يتألف من 68 مليون نسمة، سبق له أن أنتج أشخاصا مثل كنت وهلمهولتز [92] وغوته!
إن المجتمع الشيوعي البدائي، انطلاقا من تطوره الداخلي نفسه، يقود إلى اللامساواة وإلى الاستبداد. غير أنه لا يمكنه أن يختفي بسبب هذا التطور، بل على العكس بامكان هذا الأخير أن يضمن له بقاء يستمر ألوف السنين. وعلى سبيل الانتظام، تصبح مثل هذه المجتمعات، آجلا أو عاجلا، فريسة للمحتلين الأجانب. ومن هنا تحدث التحولات الاجتماعية الكبيرة. وفي هذا المجال نجد أن الهيمنة الإسلامية هامة للغاية، لأنها –وفي كثير من الأماكن- استبقت السيطرة الأوربية في آسيا وإفريقيا. ونلاحظ انه حيثما وطد شعب من البدو المسلمين (سواء أكانوا من المنغول أو من العرب) سلطته في بلد محتل، نمت تلك السيرورة التي أطلق عليها هنري مين وكافالوفسكي اسم FEODALISATION. فالمحتلون دون أن يستولوا على الأراضي بأنفسهم، كانوا يسعون وراء هدفين: إبراء الذمة من الأتاوات، والتعزيز العسكري لسيطرتهم على البلد. والواقع أن التنظيم العسكري والإداري الدقيق كان يخدم هدفين: كان البلد يقسم إلى عدة ولايات يتولى فيها موظفون مسلمون مهمة جمع الضرائب والإدارة العسكرية. وعلى هذا النحو كانت أراض غير مزروعة تستخدم لتأسيس مستوطنات عسكرية.
وهذه المؤسسات، بالإضافة إلى نشر الشريعة الإسلامية، كانت تؤدي إلى حدوث تغير أساسي في أوضاع العيش العامة في المجتمعات البدائية، أما الأوضاع الاقتصادية فلم يكن يصيبها الكثير من التبدل. فأسس وتنظيم الإنتاج كانت تظل هي نفسها وتدوم لقرون طويلة –بالرغم من الاستغلال والضغط العسكري. غير أن السيطرة الإسلامية لم تهتم –في كل مكان- نفس الاهتمام بشروط حياة السكان الأصليين. فلقد مارس العرب، على الساحل الشرقي لإفريقيا، وطوال قرون من الزمان، تجارة العبيد السود.. ولقد قادتهم هذه التجارة إلى حملات طرد عنيفة للعبيد في وسط إفريقيا، وإلى تفريغ القرى من سكانها وتدميرها بشكل كلي، وإلى تعاظم استبدادية الزعماء المحليين الذين كانوا يربحون من جراء بيع أتباعهم للعرب، أو بيع هؤلاء أبناء القبائل المستعبدة المجاورة. غير أن هذا التحول، الذي أدى إلى كل هذه النتائج التي أثرت على مصير المجتمع الإفريقي، لم يكن سوى النتيجة المباشرة للتأثيرات الأوربية: فتجارة العبيد السود لم تزدهر إلا مع الاكتشافات والغزوات التي قام بها الأوربيون في القرن السادس عشر، وإلا عندما احتاج الأمر إلى السود للعمل في المزارع والمناجم التي كان الأوربيون يستغلونها في أمريكا وآسيا.
وعلى جميع الأحوال نجد أن العامل المميت للعلاقات الاجتماعية البدائية، لك يكن سوى التسلل الذي قامت به الحضارة الأوربية. فالمحتلون الأوربيون هم الأول الذين لم يهدفوا فقط إلى استعباد السكان المحليين واستغلالهم اقتصاديا، بل أيضا إلى الاستيلاء على الأرض وعلى أدوات الإنتاج. وللقيام بهذا، حرمت الرأسمالية الأوربية النظام الاجتماعي البدائي من ركيزته الأساسية. وأنها لأسوا من كل قمع واستغلال، تلك الفوضى الأوربية الشاملة وتلك الظاهرة الأوربية الخاصة التي هي عدم أمان الوجود الاجتماعي. إن الشعوب الخاضعة، إذ فصلت عن أدوات إنتاجها، لم تعد تعتبر من مثل الرأسمالية الأوربية، سوى قوة عمل، وهي إن كانت تساوي شيئا بالنسبة إلى أهداف رأس المال، فهي لا تساويه إلا إذا حوّلت إلى عبيد، وإلا جازت إبادتها. لقد رأينا هذا المنهج يطبق في المستعمرات الأسبانية والإنكليزية والفرنسية، والمجتمع البدائي الذي تمكن من البقاء خلال كل مراحله التاريخية السابقة، استسلم أمام المسيرة الرأسمالية. وكما استسلم، نجد أن بقية ما بقي من آثاره، تكنس اليوم من على سطح الأرض، فيما تعمد الرأسمالية إلى امتصاص عنصرية الرئيسين: قوة العمل وأدوات الإنتاج. لقد زال المجتمع الشيوعي البدائي –وذلك لأنه، في التحليل الأخير، تم تجاوزه من قبل التقدم الاقتصادي- وأخلى مكانه لآفاق التطور الجديد. وهذا التطور وذاك التقدم، سوف لن يتم التعبير عنهما لفترة طويلة قادمة، إلا عن طريق المناهج الدنيئة التي يتبعها مجتمع الطبقات، وسيظل يتبعها حتى اللحظة التي يتجاوزه فيها التقدم ويزيله.
والعنف ليس هنا سوى الخادم الذي يعمل لمصلحة التطور الاقتصادي.

Aucun commentaire:
اضافة تعليق