حرب العصابات الجزء 5

حرب العصابات الجزء 5


القسم الثاني
 
الغوار


 
 
 
 
1- المغاور مصلحاً اجتماعياً
لقد حددنا وضع المغاور في ما سبق: إنه رجل يندمج بإرادة الشعب التحررية، ومتى استنفدت الوسائل السلمية، فهو يطلق العنان للنضال فيغدو الطليعة المسلحة للسكان المقاتلين. إنه يدخل النضال وفي نيته هدم النظام الظالم، ويتطلع أيضاً، بكثير أو قليل من التأكيد، إلى استبدال النظام القديم بشيء جديد.
لقد أكدنا أن الريف في أمريكا اللاتينية وفي كافة البلدان المتخلفة تقريباً، هو الذي يشكل ميدان النضال الأمثل، في الظروف الراهنة. لذا فإن أساس المطاليب الاجتماعية التي سوف يثيرها المغاور سيكون تغيير بنية الملكية الزراعية.
سيدور النضال إذاً باستمرار تحت الإصلاح الزراعي. ويمكن في البدء ألاَّ تكون أهداف هذا الإصلاح وحدوده محددة تماماً، وأن يقف عند رغبة الفلاح، القائمة منذ قرون خلت، في امتلاك الأرض التي يشتغلها أو التي يرغب في اشتغالها.
تتعلق شروط تحقيق الإصلاح الزراعي بالشروط القائمة قبل بدء النضال وبالاتساع الاجتماعي لهذا النضال. إلاَّ أن المغاور، بصفته عنصراً واعياً من الطليعة الشعبية، ينبغي أن يكون سلوكه الأخلاقي بحيث يستوثقه خادماً حقيقياً للإصلاح الذي ينشده. فإلى الشدة الكراهية الناجمة عن شروط الحرب القاسية، ينبغي أن يضيف الشدة الناشئة عن الرقابة الصارمة على النفس، التي تقاوم كل غلواء، كل جنوح يمكن أن تستدرجه الظروف. ينبغي أن يكون المغاور ناسكاً.
أما العلاقات الاجتماعية، فسوف تتغير مع تطور الحرب. ففي البدء، لا يزال المغاوير مستجدين، فلن يستطيعوا ولن يحاولوا حتى تغيير أي شيء في البنيات الاجتماعية المحلية. أما البضائع التي لا يستطيعون تأدية قيمتها، فسوف يشترونها لقاء سندات تسدد في أول فرصة سانحة.
ينبغي أن يساعد المغاور الفلاح دوماً، مِهانياً واقتصادياً ومعنوياً وثقافياً. ومنذ لحظات الحرب الأولى سيكون حاضراً دوماً لمساعدة الفقير، مع فرض أقل قدر ممكن من الإزعاج للغني. إلاَّ أن الأمور تأخذ مجراها، وتزداد التناقضات حدة، وسوف يأتي وقت يأخذ فيه كثيرون ممن كانوا ينظرون إلى الثورة بشيء من العطف يقلبون لها ظهر المجنّ، وسوف يخطون خطوتهم الأولى في الصراع ضد القوى الشعبية. في هذه اللحظة ينبغي أن ينقلب المغاور فيغدو حامل راية قضية الشعب، ويعاقب كل خيانة. وفي منطقة القتال، تقصر الملكية الخاصة على حدود وظيفتها الاجتماعية: أي أن الأرض الفائضة والدواب غير الضرورية لعائلة غنية تنتقل إلى أيدي الشعب وتوزع بالعدل.
ويحق للمالك الذي يحل هذا المصير بأرزاقه أن يتقاضى تعويضاً وينبغي احترام هذا الحق. إلاَّ أن التسديد يتم بسندات ("سندات الأمل"، كما دعاها استاذنا اللواء بايو[34] عند الكلام عن هذا النوع من الإقرار بالدين).
وتنتقل أراضي وأملاك وصناعات أعداء الثورة البارزين والمباشرين فوراً إلى أيدي القوى الثورية، وينبغي الإفادة من مناخ الحرب، من هذه اللحظات التي تبلغ فيها الأخوة الإنسانية أسمى قيمتها، لابتعاث كل نمط من العمل التعاوني يمكن أن تتقبله ذهنية المنطقة.
لا يكتفي المغاور، المصلح الاجتماعي، بأن يضرب المثل بسلوكه، بل ينبغي أن يسدي توجيهاً فكرياً مستمراً، بفضل معارفه، وأمانيه، والتجربة التي يكتسبها خلال شهور الحرب أو سنواتها. إن هذه التجربة تفيد الثوري إذ تنير مفاهيمه بقدر ما يتأكد له بأس السلاح، وبقدر ما يعي ظروف أهالي المنطقة. يدرك الثوري عندئذ الأساس الحق والضرورة الحيوية لكثير من التغييرات التي كان يرى أهميتها النظرية فيما مضى، ولكنه غالباً ما لم يفطن لطابعها العملي الملِح.
يكثر هذا الموقف نظراً لأن بادئي حرب الغوار وقادتها ليسوا أناساً ينوءون كل يوم بفلاحة القَراح[35]، إنهم رجال يفهمون ضرورة تغيير وضع الفلاحين الاجتماعي ولكنهم لم يتألموا، في جملتهم، من شرور حالة الفلاح. فيحصل عندئذ – وأتكلم ههنا عن التجربة الكوبية – تفاعل حقيقي بين أولئك القادة الذين يعلِّمون الشعب، بالوقائع، أهمية النضال المسلح الأساسية، وبين الشعب ذاته الذي يكبر شأنه إبان النضال، ويُري القادة بدوره ما هي الضرورات العملية. ومن هذا التفاعل بين المغاور وشعبه ينشأ تجاذر[36] تدريجي يقوي الموائز الثورية للحركة شيئاً فشيئاً، ويعطيها بُعدها القومي.


 
 
 
2- المغاور مقاتلاً
تتطلب حياة المغاور ومميزاتها التي رسمنا معالمها باقتضاب، مجموعة من الشروط الجسمية والعقلية والأخلاقية ليتكيف المرء بهذه الحياة وينجز المهمات التي تقتضيها بنجاح.
وأول سؤال يتبادر هو الآتي: ماذا يُطلب من المغاور؟ ينبغي الإجابة أولاً أنه يُفضَّل أن يكون المغاور من أهالي المنطقة. إذ يكون له في محلته علاقات يمكنه الاتصال بها مباشرة، ويكون عارفاً بهذه المنطقة إذ هو منها. (إن معرفة الأرض هي أحد العوامل الهامة في نضال الغوار). ويستطيع أن ينجز عملاً أفضل لاعتياده مواجهة صعوبات منطقته. ويضيف إلى ذلك الحماس في الدفاع عن حِماه الخاص أو في النضال لتغيير النظام الاجتماعي الذي يُسيء إلى عالمه الشخصي.
المغاور مقاتل ليلي: نقصد بذلك أنه يجوز كافة الصفات اللازمة للعمل الليلي. ينبغي أن يكون ماكراً، وأن يسير في الوهاد والأنجاد إلى مكان القتال دون أن يشعر أحد بتنقلاته، وينقضّ على العدو باستعمال المفاجأة، فهي عنصر رئيسي في هذا النمط من الحرب. ينبغي له أن يفيد من الذعر الحاصل، فيلقي بنفسه في القتال جامحاً، لا يحتمل أدنى توان لدى رفاقه، مستفيداً من أدنى معالم الوهن لدى العدو. يصل المغاور كالإعصار، يهدم كل شيء، لا رحمة لديه إلاَّ ما تمليه الظروف، يقتل عند الاقتضاء، ويزرع الرعب بين المقاتلين الأعداء. إلاَّ أنه في آن، يعامل المهزومين العزَّل بالحسنى، ويحترم الموتى.
الجريح حرام، وينبغي معالجته على أحسن وجه ممكن – إلاَّ إذا أدانته حياته الماضية بالإعدام – فيجرى به المقتضى في هذه الحالة. إن ما لا يسوغ عمله أبداً هو أصطحاب أسير عندما لا يتوفر بعد مأرز متين يمتنع على العدو: يغدو هذا الأسير عندئذ خطراً على أمن السكان المحليين وعلى تشكيلة الغوار ذاتها، بسبب المعلومات التي يمكن أن يقدمها إذا ما عاد إلى فرقته الأصلية. فإذا لم يكن مجرماً، أطلِق سراحه بعد توبيخه.
ينبغي أن يجازف المغاور بحياته كلما لزم ذلك، وأن يكون مستعداً ليجود بها دون تردد في اللحظة المطلوبة. لكن عليه أن يكون حذراً في آن والاَّ يعرِّض نفسه بلا ضرورة. ينبغي اتخاذ كافة الاحتياطات الممكنة لاجتناب النهاية غير الموفقة أو الهلاك. لذلك يهم جداً في كل قتال، أن تراقب كافة النقاط التي يمكن أن يتلقى العدو النجدات منها. ويمكن بذلك اجتناب التطويق أيضاً، فهو نكبة مادية بالغة الخطورة، إلاَّ أنه نكبة معنوية أشد خطورة، إذ يُفقد الإيمان بمستقبل النضال.
بَيْدَ أنه ينبغي أن يكون المغاور مقداماً، أن يحلِّل الخطر وإمكانات العمل ببرود، أن يكون جاهزاً دوماً لاتخاذ موقف متفائل مهما كانت الظروف، أن يجد مخرجاً موفقاً، حتى في اللحظات التي لا تترك فيها المقارنة بين العناصر المؤاتية والمجافية له غير أمل ضئيل.
ولكي يفوز المغاور بالحياة، ينبغي أن يثبت قدرة كافية على التكيف ليستطيع الاندماج بالبيئة التي يعيش فيها واستخدامها إلى الحد الأقصى حليفة له. ثم ينبغي أن يكون حادَّ الإدراك، ذا قدرة عفوية على الإبداع، تسمح له باتخاذ القرارات في غمرة العمل.
إن قدرات التكيف والإبداع هذه لدى الجيوش الشعبية تُفشل كل حسابات أمراء الحرب وتكبح جماحهم.
لا يسوغ للمغاور في أية حال أن يترك رفيقاً جريحاً إلى رحمة جنود الأعداء إذ أن مصيره شبه المؤكد هو الموت. يلزم إبعاده عن مناطق القتال مهما كلف الأمر، لنقله إلى حرز أمين، وينبغي احتمال أشد المتاعب لهذه الغاية ومعاناة أعظم المخاطر: فيجب ان يكون جندي الغوار رفيقاً لا يضارع.
وهو بالإضافة إلى ذلك، أبكم. كل ما يقال أو يجري أمامه لا يعرفه غيره. لا يسمح لنفسه أبداً بكلمة زائدة، حتى مع رفاقه في القتال، فالعدو سوف يحاول باستمرار أن يدخل رجاله إلى قلب تشكيلة الغوار، للتعرف إلى مخططاتها وإلى أماكن ووسائل الحياة التي تستخدمها.
وبالإضافة إلى الصفات الأخلاقية التي ذكرناها، ينبغي أن يتمتع بعدد من الصفات الجسمية الهامة جداً. ينبغي أن يكون غير تعوب، فيجد "نَفَساً ثانياً" عندما يبدو أنه بلغ من الإعياء مبلغاً لا يطاق. فكل حركة من حركاته بطولية تخرج من أعماق إيمانه، فترغمه على أن يخطو خطوة أخرى، لن تكون هي الأخيرة، إذ يفوز بأخرى، ثم أخرى، وأخرى، باستمرار إلى أن يبلغ المكان الذي حدده القائد.
ينبغي أن يستطيع معاناة الألم إلى أقصى حدوده، فيحتمل ليس فقط حرمان الغذاء، والماء والثياب، والمأوى، الذي يتعرض له كل آن، بل يحتمل الأمراض والجراح أيضاً. وكثيراً ما ينبغي أن تندمل الجراح دون تدخل الجرَّاح، بفعل الطبيعة وحدها، ولا بد أن يكون الأمر كذلك لأنه يغلب لمن يغادر منطقة الغوار للمعالجة، أن يغتاله العدو.
ولكي يحقق هذه الشروط ينبغي أن يتمتع المغاور أيضاً بصحة من حديد، تسمح له باحتمال كل الخطوب دون أن يصيبه مرض، كما تسمح له بالتعافي إبان حياة الوحش الطريد هذه، حتى يغدو، إذا أمكنني القول، جزءاً لا يتجزأ من الأرض التي يقاتل عليها، بفعل من التكيف الطبيعي.
تحدو بنا كل هذه الاعتبارات إلى التساؤل: ما هي السن المثلى للمرء لكي يكون مغاوراً؟ يصعب جداً تدقيق حدود السن. ثمة مائزات اجتماعية أو فردية من شتى الأنواع يمكن أن تغير منها. فسوف يكون الفلاح مثلاً أجلد كثيراً من ابن المدينة. والمدني الذي اعتاد التمارين الجسمية والحياة الصحية سيكون أفعل بكثير من رجل قضى عمره كله خلف المكتب. إلاَّ أنه يمكن القول بإيجاز إن السن القصوى للمقاتل، في مرحلة البداوة التامة من الغوار، لا ينبغي أن تتجاوز الأربعين، مع بعض استثناءات قليلة تصادف خاصة لدى الفلاحين. لقد التحق أحد أبطال نضالنا، هو المقدم كريشنثيو بيريز، بالـ"سييرا"[37] وله من العمر خمس وستون، وكان من أكثر الرجال فائدة في الجيش. ونستطيع التساؤل هل ينبغي أن ينتمي أعضاء تشكيلة مغاورة إلى فئة اجتماعية معينة. وقد قيل إنه ينبغي أن تتفق فئتهم الاجتماعية مع فئة المنطقة التي تختار مركزاً للعمليات، أعني أن تكون النواة المقاتلة فلاحية. الفلاح هو وضوحاً أفضل جندي، لكن هذا لا يعني أنه ينبغي نفي عناصر السكان الآخرين وحرمانهم من فرصة النضال في سبيل قضية عادلة. وفي هذا الصدد أيضاً ليس من قاعدة لا استثناء لها.
لم نحدد بعد السن الدنيا. نعتقد أنه لا يجوز قبول عناصر لم يبلغوا السادسة عشرة، إلاَّ في ظروف خاصة جداً هنا أيضاً. فهؤلاء المراهقون، الذين يكادون أن يكونوا أولاداً، ليسوا بعامَّتهم على ما يكفي من النمو لاحتمال المشاق والمتاعب والآلام التي سيرغمون عليها.
يمكن القول إن السن المثلى للمغاور تقع بين خمس وعشرين وخمس وثلاثين سنة. فالحياة في هذه المرحلة قد اتخذت لدى الجميع وجهتها النهائية، ومن يذهب مخلّفاً بيته وعالمه قد فكر ملياً في مسؤولياته، ويفعل ذلك وقد حزم أمره على ألاَّ يتراجع خطوة. ثمة بين الأولاد أيضاً حالات لمقاتلين غير عاديين قد بلغوا أسمى تقديرات جيشنا الثائر. إلاَّ أنها استثناءات فقط. وازاء كل مراهق أثبت صفات المقاتل الرفيعة، ثمة عشرات لزم إعادتهم إلى ديارهم وشكَّلوا لوقت طويل ثقلاً خطيراً على تشكيلة الغوار.
والمغاور، كما قلنا، جندي يحمل بيته على ظهره، مثل الحلزون. فينبغي له إذاً أن يجهز حقيبته بحيث أن أقل كمية ممكنة من المتاع تؤدي له أعظم الفائدة. لن يصطحب إلاَّ ما لا غنى عنه، لكنه سوف يحتفظ به خلال كل الظروف كأثمن ما عنده، فهو ما لا يسوغ فقده إلاَّ في حالات يائسة حقاً.
وسوف يقتصر تسلُّحه إذاً على ما يستطيع اصطحابه بنفسه حصراً. سيكون تجديد التموين بالسلاح صعباً جداً، وأصعب منه التموين بالذخيرة: فالتعليمات العسكرية هي إذاً عدم ابتلال الرصاص، وصيانته، وعدَّه واحدة واحدة لاجتناب فقدان شيء منه. أما البندقية فتبقى نظيفة دائماً، مشحمة جيداً، لامعة القناة، ومن المفيد أن يعاقب قائد كل جماعة أولئك الذين لا يسهرون على صيانة سلاحهم.
ولكي يتحلى هؤلاء الرجال بمثل هذه الصفات من إخلاص وحزم، تسمح لهم بالعمل في هذه الظروف المناوئة، ينبغي أن يكون لهم مثل أعلى. إن هذا المثل بسيط، مباشر، ليس فيه كبير ادعاء، ولا يرمي بعيداً على وجه العموم، إلاَّ أنه على قدر من الحزم والوضوح يمكن معه التضحية بالحياة في سبيله، دون تردد. إنه لدى كافة الفلاحين تقريباً، حق امتلاك قطعة أرض تخصهم لشغلها والاستمتاع بوضع اجتماعي عادل. إنه لدى العمال، الحصول على عمل وتقاضي أجر لائق، والاستمتاع أيضاً بوضع اجتماعي عادل. وتصادف لدى الطلاب وأهل المهن الحرة، أفكار أكثر تجريداً، مثل الشعور بالحرية التي يكافحون من أجلها.
يحدو بنا كل ذلك إلى التساؤل: كيف يعيش المغاور؟ إن حياته النظامية هي أن يجوب الطرق. لنأخذ مثلاً مغاوراً في الجبل في منطقة شَجِرة، يطارده العدو باستمرار. تنتقل تشكيلة غوارية في هذه الظروف نهاراً، دون أن تأخذ وقتاً للطعام. ومتى تدانى الليل تحط الرحال في فرجة من الغاب، قرب مورد ماء، وفق التنظيم المعتاد، فتجتمع كل جماعة للطعام سوية، ومتى ران الليل تشعل النيران بما يتوفر لذلك.
يأكل المغاور متى استطاع، وكل ما يستطيع. تختفي وجبات خيالية في بطون المقاتلين، ويعانون أحياناً أخرى صيام يومين أو ثلاثة دون هوادة في إجهادهم. إن سقف المغور هو السماء المكشوفة: وسوف يداخل بين السماء وبين شبكة نومه رقاً من النايلون كتيماً للماء، ويضع تحت شبكته حقيبته وبندقيته ورصاصه التي هي كنوزه. يستحسن أحياناً عدم نزع الأحذية خشية حدوث هجوم مفاجىء من العدو. الأحذية هي كنز آخر للمغاور ومن يملك زوجاً منها يضمن لنفسه حياة سعيدة في نطاق المصاعب اليومية.
هكذا يسير المغاور يوماً بعد يوم، دون اقتراب من أي مكان آهل، مجتنباً كل تماس لم يقصده هو، عائشاً في أوعر المناطق، دون طعام أحياناً وحتى دون شراب، في الحر والقر. يتفصد عرقه في المسيرات الدائبة ويجف عليه ممتزجاً بالعرق الأسبق، دون توفر النظافة بانتظام (غير أن ذلك يتعلق كما هو الأمر دائماً، بمزاج كل واحد).
حدث في الحرب الأخيرة، عندما أوشكنا على دخول بلدة "أل أوفيرو"، بعد السير ستة عشر كيلو متراً والقتال ساعتين وخمس وأربعين دقيقة في عين الشمس، وبعد عشرة أيام ونيف قضيناها في ظروف مجافية لنا، أن وُجدنا قرب البحر تحت شمس محرقة. كانت أجسامنا تفوح برائحة مميزة مؤذية إلى حد أنها تصد كل من يقترب. وكانت حاسة الشم لدينا قد تكيفت بهذا النمط من الحياة، وكانت شبكة كل مغاور تعرف عن سواها من رائحتها الخاصة.
ينبغي أن تكون المعسكرات سهلة المغادرة وألاَّ يبقى فيها أثر يشي بها، وأن تكون اليقظة في غايتها. ولكل عشرة رجال ينامون، يجب أن يكون ثمة واحد أو اثنان ساهرين. ينبغي تبديل الحرس مرات عديدة ومراقبة كافة مداخل المعسكر مراقبة وثيقة.
تعلََّم حياة الحرب كثيراً من الحيل لتهيئة الطعام ولطبخه بسرعة وتطييبه بكل ما يصادف في الجبل، أو لابتكار ألوان جديدة وتنويع أشكاله التي تتألف بصورة أساسية، في المنطقة المدارية، من النباتات الدَرَنية، والحبوب، والملح، وقليل من الزيت أو الزبدة، وفي مناسبات متباعدة جداً، من أحد صنوف اللحم.
المعركة هي أكثر الأحداث إثارة للاهتمام، إبان حياة القتال. وهي ما يحمل فرح الجميع إلى أوجه ويجعلهم يغِذّون السير بحماس متجدد. تشن المعركة – ذروة حياة الغوار – في اللحظة المؤاتية حيث تم تحديد موضع مخيم عدو ضعيف بكفاية للقضاء عليه، وتم التعرف إليه، أو عندما يتقدم رتل عدو حتى الأرض التي تشرف عليها القوى التحررية مباشرة. الحالتان مختلفتان. يتم العمل ضد المخيم بشكل جماهيري، ويرمي في الأساس إلى طرد الأرتال الآتية لفك الطوق. فالعدو المختبىء ليس أبداً هدفاً مفضلاً لدى المغاور.
إن العدو الجائل، النزق، الجاهل بأوصاف المنطقة، المرتاع، المفتقر إلى حماية طبيعية، هو العدو الأمثل. مهما ساء وضع عدو معتصم، فإن لديه أسلحة قوية يصد بها الهجوم، ولن يجد نفسه أبداً في ذات الظروف التي يقع فيها رتل كبير يفاجأ بالهجوم في نقطتين مختلفتين أو ثلاث، وتقطَّع أوصاله، وينسحب مهاجموه قبل صدور أي رد ضدهم إذا ما تعذر عليهم تطويق الرتل أو إبادته.
وإذا تعذر قهر المعتصمين بالجوع أو بالعطش أو بهجوم مباشر، ينبغي الانسحاب متى أتاح التطويق إنزال الخسائر بالرتل العدو. وإذا كان رتل المغاوير أضعف مما ينبغي، أو رتل الغزاة أقوى مما ينبغي، يتم تركيز الهجوم على المقدمة. فمتى تم ضرب المقدمة عدداً من المرات واقتنع الجنود بحتمية موت الذين يحتلون الصفوف الأمامية، يمكن لخشيتهم من الانخراط فيها أن تُحدث تمردات حقيقية، لذا ينبغي توجيه الضرب إليها دائماً. ولا يمنع ذلك من توجيه الضربات إلى نواح سواها أيضاً.
تتوقف طلاقة المغاور في العمل وإمكانات تكيفه بالبيئة على تجهيزه. فالمغاور وإن كان مندمجاً في زمر عاملة صغيرة، يحتفظ بموائز فردية. ينبغي أن يحوز في حقيبته كل ما يلزمه للعيش، حتى مأواه الفردي، لأنه قد يضطر للبقاء وحيداً لمدة من الزمن. وعندما نورد مساقاً بالتجهيز، نشير بصورة جوهرية إلى ما يستطيع الفرد أن يحمله وهو خاضع لظروف حرب في طورها الأول، يطارده العدو، في أرض وعرة ممطرة باردة نسبياً، أي أننا نضعه في مثل الوضع الذي حصل لدى بدء حرب التحرر الكوبية.
ينبغي التمييز في هذا التجهيز، بين ما هو جوهري وما هو متمم. نصنَّف في ما هو جوهري شبكة النوم التي تسمح بالراحة على نحو ملائم. يجد المرء دوماً شجرتين لمد الشبكة بينهما، ويمكن اتخاذها بساطاً إذا نام على اليابسة. لا بديل عن الشبكة عند هطول المطر أو عندما يوجد المرء في أرض رطبة، وهي حالة متواترة في المناطق المدارية. تتم الشبكة بقطعة من رق النايلون الكتيم للماء. يكون النايلون كبيراً بكفاية لتغطية الشبكة ويربط بأربعة أمراس مثبتة بزواياه الأربع. ويشد مرس من مركز الرق إلى الأشجار التي تحمل الشبكة فيفيد في تحديد مسال المياه ويربط الرق من زواياه بشجيرة قريبة، مشكَّلاً على  هذا النحو خيمة صغيرة.
لا غنى عن البطانية، لأن البرد شديد جداً، في الجبل، متى سجا الليل. ومن الضروري أيضاً توفر قطعة لباس دافئة تسمح بمواجهة تغيرات الحرارة القصوى. يشتمل اللباس على بنطال وقميص من كتان سميك، موحد أو غير موحد. ينبغي أن تكون الأحذية على أحسن ما يمكن من الجودة، وهي من أولى الأصناف التي ينبغي حيازة احتياط منها؛ إذ بدونها يصبح السير شاقاً جداً.
ولما كان المغاور يحمل مأواه في حقيبته، فهذه الأخيرة ذاتها هامة جداً. يمكن صنع أبسط الحقائب من جيب ما، يركب له سيران من الحبل، إلاَّ أن الحقائب المصنوعة من الكتان الغليظ والمتوفرة في السوق أو تلك التي يصنعها السراَّجون، تفضلها. ينبغي أن يحمل المغاور دائماً مؤونة فردية بالإضافة إلى تموين الفرقة كلها. المواد التي لا غنى عنها هي: أولاً الزبدة أو الزيت، الضروريان لاستهلاك الجسم من الدسم، وعلب المحفوظات التي لا يجوز استعمالها إلاَّ عندما يتعذر الحصول على غذاء للطبخ، أو عندما تتوفر كثرة من العلب فيعيق ثقلها السير، ومحفوظات السمك ذات القدرة الغذائية العظيمة، والحليب المكثف وهو غذاء ممتاز سيما لكمية السكر العظيمة التي يحويها، وهو ايضاً تفكهة حقيقية. يمكن حيازة حليب مسحوق أيضاً. ثمة عنصر أساسي آخر هو السكر ومثله الملح الذي تغدو الحياة بدونه عذاباً. ولنختم فصل المواد الأساسية ببعض التوابل التي أكثرها شيوعاً البصل والثوم، ويمكن أن يوجد غيرهما، حسب المناطق. هذا هو الجوهري.
ينبغي أن يحمل المغاور في حقيبته صحناً وملعقة وسكيناً متعدد النصال. يمكن أن يكون الصحن قصعة أو كَفتاً أو علبة محفوظات. تتيح طهي قطعة لحم أو مالانغا[38] أو رأس بطاطا أو شاي أو قهوة.
يلزم لصيانة البندقية شحوم خاصة ينبغي استعمالها بعناية فائقة. وإذا لم يتوفر الزيت الخاص، فزيت آلة الخياطة. يلزم أيضاً خِرقَ لتلميع السلاح باستمرار، وقضيب لتنظيف داخله، وهو عمل ينبغي إتيانه بتواتر كافٍ. تكون جعبة الفشك من صنع نظامي أو محلي حسب الإمكان، لكنه ينبغي أن تكون جيدة بكفاية لعدم فقدان أي رصاصة. الرصاص هو أساس النضال. كل شيء سواه عبث بدونه. إنه ثمين كالذهب.
يجب أن يحمل المرء معه مَطَرة أو صفيحة ماء، إذ لا غنى عن الشرب الوافر ولا يستطيع دوماً أن يحصل على الماء في اللحظة المرغوبة. ينبغي حيازة الأدوية ذات الاستعمال العام أيضاً كالبنسلين أو أي دواء آخر مضاد للحيوية، وبصورة رئيسية ما يؤخذ منها بالفم، وكذلك مسكنات للحمى، واسبرين، وأدوية مضادة للأمراض المستوطنة الخاصة بالمنطقة. كما يمكن توفر حبوب ضد البرداء وأدوية ضد الإسهال وضد الطفيليات من كل نوع. وفي المناطق التي تعيش فيها حيوانات سامة، يسوغ وجود المصل الموافق لها. ويكون باقي التجهيز جراحياً. وينبغي بالإضافة وجود حقائب للإسعاف الأوَّلي لإجراء المعالجات الأقل أهمية.
التبغ متمم عادي، ذو أهمية خاصة في حياة المغاور. ينبغي توفر اللفائف والسيكار وتبغ الغليون، لأن التبغ رفيق عظيم للجندي المنفرد في حالة الراحة. الغليون مفيد جداً لأنه يسمح زمن العوز بالإفادة القصوى من كل التبغ وأعقاب اللفائف والسيكار. ليس الثقاب هاماً لإشعال السيكار فقط، بل لقدح النار أيضاً. فهذه من أصعب المعضلات في الجبل وقت المطر. ويستحسن بالإضافة إلى القدَّاحة توفر الثقاب الذي ينوب عنها إذا فقد وقود القداحة.
يلزم توفر الصابون ليس لنظافة الجسم بقدر ما هو لتنظيف الأواني. إذ متى بقيت هذه وسخة، لوحظ توافر في التعفنات المعوية وحدثت التهابات تسببها بقايا الطعام المتخمرة التي تستهلك مع الطعام الجديد. يستطيع المغاور، بهذا التجهيز، أن يأمن الحياة في الجبل في أي ظرف مجافٍ له، وللمدة اللازمة حتى يسيطر على الموقف مهما بلغ من السوء.
ثمة متممات قد تكون مربكة أحياناً، إلاَّ أنها ذات فائدة عظمى على وجه العموم. الحُقَّة[39] هي من هذا القبيل. تستخدم كثيراً في البدء لإحكام التوجيه، لكن معرفة الأرض تجعل هذه الأداة، شيئاً فشيئاً، غير ذات جدوى. ثم إنها صعبة الاستعمال جداً في الأرض الجبلية لأن الطريق التي تشير إليها ليست هي الفضلى بالضرورة، إذ أن الخط المستقيم تعترضه عادة عقبات لا تُجاز. قطعة إضافية من رق النايلون هي شيء مفيد آخر، لتغطية التجهيز كله وقت المطر. ينبغي التذكر أن المطر في البلدان المدارية شبه مستمر في بعض الشهور، وأن الماء عدو لكل تجهيز المغاور، من طعام وتسليح وأدوية وأوراق وملابس داخلية.
يمكن حيازة ملابس داخلية للغيار، إلاَّ أنها عامة، من أحمال الأغرار. يمكن توفر بنطال للغيار، على الأكثر، وحذف الملابس الداخلية والمناشف... الخ. فعلى المغاور، بالحياة التي يعيشها، أن يقتصد من طاقته حين يحمل متاعه. سوف يتخلى هكذا شيئاً فشيئاً عن كل ما ليس ذا قيمة جوهرية.
الأمتعة المتممة الخاصة باللياقة البدنية هي: قطعة صابون تستخدم لغسل الثياب ولنظافة الجسم، فرشاة للأسنان وسَنُون[40]. ويحسن توفر بعض الكتب يتعايرها أعضاء الغوارة: سيرة جيدة لأبطال سالفين، كتب تاريخ أو جغرافية اقتصادية، والأفضل عن البلد ذاته، وبعض الأعمال ذات الطابع العام التي ترمي إلى رفع مستوى الجنود الثقافي وتُنقص من ميلهم إلى الميسر، إذ ربما وجد وقت فراغ زائد أحياناً في حياة المغاور.
كلما بقي ثمة مكان في الحقيبة، ينبغي ملؤه بالزاد، إلاَّ في المناطق التي تحسن فيها شروط التموين. يمكن حيازة السكاكر، أو الأطعمة الأقل ضرورة، التي تشكَّل تكملة للأغذية الجوهرية. البسكويت هو من هذا القبيل، وإن كان كبير الحجم ويتكسر حتى يغدو مسحوقاً. ويفيد في الجبال ذات الإنبات المداري، حوز مُدية "ماشيته"، كما تفيد في الأمكنة الرطبة جداً، قنينة بنزين صغيرة أو خشب راتنجي، لأشعال النار عندما يكون الحطب مبلولاً.
على كل مغاور أن يحوز أيضاً مفكرة يسجل فيها المعلومات، ويكتب الرسائل ويتخاطب مع المغاوير الآخرين، وكذلك قلماً أو قلم حبر. يجب أن يكون في متناوله دائماً قطعة خيط أو نبات حبلي، ذات فوائد متعددة، وكذلك إبر وخيط وأزرار. إن المغاور الذي يمتلك هذا التجهيز يحمل على منكبيه بيتاً متيناً، كبير الوزن إلاَّ أنه كافٍ لتأمين أرفه حياة ممكنة في غمرة ظروف الحرب.


 
 
 
3 – تنظيم الغوارة
لا يمكن تنظيم الغوار وفق مخطط جامد. فهناك فروق لا تحصى تبعاً للبيئات التي ينبغي أن تتكيف بها. وسوف نفترض، تبسيطاً لعرضنا، أن تجربتنا الخاصة هي ذات قيمة عامة، بَيْدَ أنه ينبغي التذكير دائماً أنه يمكن تنظيم غوارة بطرق أخرى أكثر مؤاتاة لخصائص جماعة مسلحة أخرى.
إن عدد الرجال الذين يؤلفون الغوارة هو من أعسر المسائل حسماً. يتفاوت هذا العدد، ومثله بنية الفرقة ذاتها، كما شرحنا آنفاً. وإذا قبلنا أن الجماعة قوة تجول في أرض مؤاتية لها، جبلية، في شروط ليست من السوء بحيث تلوذ بفرار دائم، ولا من الجودة بحيث تتخذ لها مأرِز عمليات، ففي هذه الحالة ينبغي ألا تعد جماعة مسلحة أكثر من مئة وخمسين رجلاً في كل وحدة مقاتلة. إنه عدد مرتفع نوعاً ما. والأمثل أن تضم مئة رجل. هذا ما يشكل رتلاً يقوده مقدم، وفق تسلسل الرتب الكوبية. ويحسن التذكير بأن رتب العريف والرقيب التي كانت تعتبر مميزة للطغيان، كانت قد أُلغيت في حربنا.
يتولى إذاً مقدَّم قيادة جملة القوى التي عددها مئة إلى مئة وخمسين رجلاً. وسوف يكون عدد النقباء بعدد ما يوجد من مجموعات قوامها ثلاثون إلى أربعين رجلاً. إن دور النقيب هو قيادة مجموعته وتأليبها، وجعلها تقاتل بتماسك، وتولي توزيعها وتنظيمها العام. إن الوحدة الوظيفية في حرب الغوار هي الزمرة. قوام الزمرة حوالي ثمانية إلى اثني عشر رجلاً، وعلى رأسها ملازم يقوم من أجل زمرته بوظائف النقيب ذاتها، إلاَّّ أنه يبقى تحت إمرة الأخير.
إن ميل الغوارة إلى العمل في جماعات صغيرة يجعل من الزمرة الوحدة الحقيقية فيها. فيؤلف ثمانية رجال إلى عشرة الحد الأقصى للقتال المتماسك. تعمل هذه الزمرة تحت إمرة قائدها المباشر، الذي كثيراً ما يكون منفصلاً عن النقيب، وإن كان في جبهة واحدة معه، إلاَّ في بعض الظروف الخاصة. إن ما لا يجوز عمله أبداً هو تجزئة الوحدة. يُعين في كل فصيلة وكل زمرة خَلَف مباشر للقائد، في حالة فقدان الأخير. وينبغي أن يكون الخلف ذا تهيئة كافية لتولي مسؤولياته الجديدة مباشرة.
التغذية مسألة أساسية في هذه الفرقة حيث ينبغي أن يحظى الجميع، من آخر نفر إلى القائد، بذات المعاملة. تتخذ التغذية أهميتها القصوى ليس فقط من جراء نقص التغذية المزمن، بل لأن توزيعها يشكل الحدث اليومي الوحيد أيضاً. الفرقة شديدة الحساسية بالعدالة، فتَرْزِن الجِرَايات[41] بفكر نقاد. ينبغي عدم السماح بأية حظوة لأحد أبداً. فإذا أجرى توزيع الطعام، لسبب ما، على الرتل كله، ينبغي وضع نظام والتقيد به بصرامة، مع احترام كميَّات الطعام المقدم لكل فرد وجودته. أما توزيع الملابس، فمسألة مختلفة. هذه أمتعة ذات استعمال فردي. هناك عاملان يتقدمان في هذه الحالة: أولاً درجة احتياج الطالبين، وغالباً ما يكون عددهم أكثر من الأمتعة المعدة للتوزيع، وثانياً قِدَم كل فرد واستحقاقه. يصعب تحديد نظام القِدَم والاستحقاق، ويجب أن يضعه أحد المسؤولين، ويخضع هذا بدوره إلى رقابة قائد الرتل المباشر. ينبغي أن يتم التوزيع على ذات النحو من أجل الأشياء الأخرى الطارئة والتي ليست ذات استعمال جماعي. ينبغي توزيع التبغ والسيكار بالعدل بين الجميع.
يجب تكليف رجال خاصين بعمل التوزيع هذا. ويفضل أن يكونوا تابعين إلى القيادة مباشرة. تضطلع القيادة بالمهمات الإدارية وبالارتباطات، وهما أمران جد هامين، كما تضطلع بسائر المهمات التي تخرج على العادة. ينبغي أن يشترك بالقيادة أشد الضباط ذكاء. وينبغي أن يكون جنودهم نابهين ومفعمين بروح تضحية قصوى، إذ كثيراً ما يطلب منهم أكثر مما يطلب من سائر الفرقة. أما الطعام فلن يكون لهم فيه حق بأي معاملة خاصة.
يحمل كل مغاور تجهيزه الكامل، إلا أنه ينبغي بالإضافة، توزيع عدة أشياء هامة تخص الرتل كله توزيعاً عادلاً. توجد لذلك طريقتان. يتعلق تفضيل أحديهما بعدد الرجال الذين لا يحملون سلاحاً. تقوم الطريقة الأولى على توزيع كل الأشياء مثل الأدوية والأدوات الجراحية والسنية، والجرايات الإضافية، والملابس والأواني المختلفة الزائدة، والتسليح الثقيل، بصورة متكافئة بين الفصائل كافة، وهي التي تكون مسؤولة عندئذ عن العتاد المخصص لها. يوزع كل نقيب هذه الأشياء بين الزمر، وكل آمر زمرة بين رجاله. تستخدم الطريقة الثانية عندما لا تكون الفرقة كلها مسلحة تسليحاً كاملاً، فتقوم على تشكيل زمر أو فصائل مكلفة بالنقل بصورة خاصة: تكون هذه الطريقة عادة أحسن مردوداً إذ أن أحمال جنود هذه الزمر والفصائل أخف وزناً، ما دام العزَّل منهم خالصين من ثقل البندقية ومسؤوليتها. والعدة في هذه الحالة أكثر تمركزاً، فيقل عليها خطر الضياع. ويكون جزاء الحاملين منحهم قطعة سلاح، فتدب بينهم روح المباراة ويريدون مزيداً من الحمل ويبدون حماساً أعظم. تسير هذه الفصائل في المؤخرة، عليها ذات الواجبات ولها حق في ذات المعاملة كبقية الفرقة.
تتنوع المهمات داخل الرتل تبعاً لنشاطه. فإذا لم يبارح الرتل المعسكر، تؤلف زمرة خاصة للحراسة، ينبغي أن تتألف من جنود متمرسين بالقتال، مختصين، ينالون لهذه المهمة مكافأة خاصة، هي بصورة عامة، مزيد من الاستقلال، أو توزيع فائض من الحلوى أو التبغ. فإذا كان ثمة مئة رجل مثلاً، ومئة وخمس عشرة علبة سيكارة، يمكن توزيع هذه العلب الخمس عشرة الفائضة بين أفراد هذه الزمر. تكلف المقدمة والمؤخرة، والمتمايزتان نهاراً على مساحة متسعة، ويصعب بلوغها ليلاً. وإذا وجب المكوث فيها عدة أيام، لزم إنشاء وسائل دفاع فعالة تحسباً لحالة تعرضها للهجوم. يمكن ضرب وسائل الدفاع هذه عند انسحاب الغوارة، أو تركها إذا لم تفرض الظروف ضرورة تعفية[42] كل أثر عن مرور الرتل.
ينبغي أن تقع الأماكن المختارة للحرس على مرتفعات، تسمح بالإشراف تماماً عن بقية الفرقة بمهام الحراسة الرئيسية إلاَّ أن كل فصيلة ينبغي أن يكون لها حرَّاسها وكلما كان الحرس مبتعداً عن المعسكر، لا سيما في المنطقة المحررة، كلما ازداد أمان الجماعة.
وفي حال إقامة معسكر دائم، يلزم استكمال. جملة وسائل الدفاع باستمرار. ينبغي التذكر أن مدفع الهاون هو السلاح الثقيل الوحيد الذي يكون فعالاً في المنطقة الجبلية وعلى أرض أُحِكم اختيارها. وباستخدام سقوف مناسبة من المواد المحلية، كالخشب، والحجر... إلخ، يمكن إنشاء ملاجىء ممتازة توقف اقتراب جنود العدو وتقي شر قذائفه.
من المهم جداً في المعسكر أن يحافظ على الضباطة، التي ينبغي أن ترمي إلى أهداف تربوية: إجبار المغاوير على الهجوم والنهوض بساعات محددة، ومنعهم من ممارسة الألعاب التي لا صفة اجتماعية لها والتي تستدرج معنويات الفرقة إلى الانحلال، ومنع استهلاك المشاريب الغَوْلية[43]... إلخ. وتكلف لجنة بالنظام الداخلي، تنتخب من بين المقاتلين المتحلَّين بأعظم الجدارات الثورية: لتقوم بتحقيق هذه المهمات كافة. ويكون من مهماتها أيضاً منع إيقاد النيران في الأمكنة المكشوفة أو تصاعد الدخان قبل حلول الليل، والعناية بتنظيف المعسكر قبل مغادرته، لصون السر المطلق حول وجود الغوارة.
ينبغي الانتباه جداً إلى مواقد النار التي يستمر جمرها متقداً لمدة طويلة، فتغطى بالتراب، كما تدفن الأوراق وعلب المحفوظات والفضلات الغذائية. يجب أن يرين الصمت المطلق تماماً على الرتل إبان السير. تنتقل الأوامر إيماءً أو همساً، سارية من فم إلى أُذُنْ حتى آخر رجل. وإذا ما اجتازت الغوارة مناطق مجهولة وهي تشق طريقها أو تتبع دليلاً، تسير المقدمة على مسافة حوالي مئة أو مئتي متر إلى الأمام، تبعاً لموائز الأرض. وفي المناطق التي يحتمل  فيها التيه، يُترك رجل عند كل منعطف لينتظر التالي، وهكذا حتى آخر رجل في المؤخرة. وتسير المؤخرة منفصلة هي أيضاً عن سائر الرتل، تراقب المؤخرات وتحاول محو آثار المرور قدر الإمكان. وإذا كان ثمة دروب جانبية يلوح منها خطر، يجب أن تحرسها زمرة حتى مرور آخر رجل في الفرقة عنها. ويكون من الأيسر أن تفرز هذه الزمرة من فصيلة خاصة، بيد أنه يمكن تشكيلها أيضاً من عناصر تنتمي إلى كل الفصائل. يجب أن تنتظر هذه الزمرة حتى تعقبها الزمرة التالية، قبل أن تعود إلى فصيلتها، وهكذا دواليك إلى أن يتم مرور الفرقة كلها.
لا ينبغي فقط أن يتم السير على نمط واحد بترتيب مقرر، بل أن يستمر هذا الترتيب دوماً، ليعرف أن الفصيلة رقم 1 هي المقدمة، والفصيلة رقم 2 هي التي تليها، وفي الوسط الفصيلة رقم 3 التي يمكن أن تكون فصيلة القيادة، ثم الرقم 4، ثم المؤخرة أي الفصيلة رقم 5. ينبغي الحفاظ على هذا الترتيب دوماً. ويجب في السير الليلي أن يكون الصمت أكثر إطباقاً بعد، وأن تخفض المسافة بين كل مقاتلين اثنين، لكي لا يتيه أحد ولا يضطر امرؤ إلى رفع الصوت أو اشعال ما يضيء، فالإضاءة ليلاً هي عدوة المغاور.
وإذا كان هذا السير توطئة لهجوم ما، تترك الأحمال غير اللازمة كالحقائب والقدور... إلخ في المكان المحدد كنقطة ازدلاف[44] عامة بعد بلوغ الهدف، وتتابع كل فصيلة حاملة سلاحها وتجهيزها الحربي فقط. يجب أن يقوم أناس موثوقون، سلفاً، بدراسة النقطة المزمع مهاجمتها، فيجرون الاتصالات ويرسلون تقريراً عن حرس العدو وأوصاف معسكره وعدد حماته. تقرر عندئذ خطة الهجوم النهائية، ويُوزع المقاتلون، على أن يحسب دوماً تخصيص قسم كبير من الرجال لمكافحة النجدات المحتملة.
 
 
 
 
 
 



 
وإذا كانت مهاجمة المعسكر ليست إلاَّ إلهاء لاستدراج قدوم النجدات (تضطر هذه النجدات أن تمر في دروب مؤاتية للكمائن)، وجب أن ينقل رجل من الكمين نتيجة الأمر بسرعة إلى القائد، مع إشعاره إذا اقتضى فك الحصار لكي لا يتعرض المحاصِرون لهجوم خلفي. وبأية حال، يجب دائماً، خلال الحصار أو الهجوم المباشر، وجود حرس على الدروب المؤدية إلى مكان القتال.
ويفضل الهجوم المباشر دائماً إذا كان الوقت ليلاً. ويمكن الاستيلاء حتى على المعسكر دون كبير خطر، إذا ما توفرت الشجاعة وسرعة الخاطر اللازمتان.
لا يبقي أثناء الحصار إلاَّ الانتظار وحفر الخنادق مع الاقتراب من العدو أكثر فأكثر ومحاولة إرهاقه بكل الوسائل وخاصة إرغامه بالنار على الخروج. إن "كوكتيل مولوتوف" سلاح ذو فعالية خارقة على مقربة من العدو. وإذا لم يتم الاقتراب بكفاية لإلقاء "كوكتيل"، أمكن استخدام بنادق ذات إياد خاص. تتألف هذه الأسلحة التي أسميناها خلال الحرب "م – 16"، من بندقية عيار16 مقصورة القناة، تسند إلى عصوين يؤلف منقار الأخمص معهما منصباً ثلاثياً. تصنع القناة زاوية قدرها حوالي 45 ْمع الأفق. تتغير الزاوية وضوحاً تبعاً لتقديم أو تأخير قائمتي المنصب الأماميتين. تلقم النبدقية بفشكة خلّب تسند إليها عصا اسطوانية الشكل قدر الإمكان، تنوف على القناة، وهي التي سوف تغدو مقذوفة. يسند إلى طرف العصا المنيف إياد من فِلِزّ[45] يحمل مُخامداً مطاطياً من جهة قاعدته، كما يحمل زجاجة البنزين. يقذف هذا الجهاز زجاجات ملتهبة إلى مئة متر وأكثر، بدقة نسبية. إنه سلاح أمثل في الحصار، وازاء الأبنية الخشبية أو ذات المواد القابلة للاشتعال، وكذلك للرمي على الدبابات في الأرض الجبلية. ومتى انتهى الحصار بالظفر أو رفع بسبب بلوغ الأهداف، تنحسب الفصائل كافة بانتظام إلى النقطة التي تركت فيها الحقائب، وتستأنف الحياة النظامية.
تولِّد حياة المغاور البدوية في هذه المرحلة حساً من الأخوة مرهفاً جداً بين الرفاق، لكنها تولد أيضاً أحياناً خصومات بين الجماعات، فإذا لم تهذب هذه الخصومات وتحوَّل إلى مباراة سليمة، مَثُلَ خطر تصدّع وحدة الرتل. ينبغي القيام بتربية المغاوير منذ بدء النضال بشرح معناه الاجتماعي وواجباتهم. ينبغي إعطاؤهم مفاهيم واضحة، وتلقينهم أخلاقاً تعرك طباعهم وتجعل من كل تجربة عوناً لهم لتجاوز أنفسهم، فلا تكون مجرد وسيلة إضافية للصراع من أجل البقاء.
إن للمَثَل قيمة تربوية كبرى، وعلى القادة أن يضربوا بأنفسهم مثل حياة لا صدع فيها وهبوها للقضية. تستند ترقية الجندي على شجاعته وكفاءاته وروح فدائه. فمن لا يوفر هذه الشروط ملياً لا يمكنه استلام المسؤوليات، لأنه سوف يتسبب، إن عاجلاً أو آجلاً، بطوارىء مؤسفة.
ما إن يقترب أحد المغاوير من بيت، إلاَّ ويقع سلوكه تحت المراقبة: فبحسب طريقته في طلب خدمة ما، أو تموين، وبحسب الأساليب التي يستخدمها للحصول عليهما، يستخلص الأهلون عن تشكيلة الغوار استنتاجاتهم، مؤاتية أو مجافية لها.
يقتضي الحذر إذاً أن يشرح القائد هذه المسائل بالتفصيل، ويوليها الأهمية التي تستأهلها. ينبغي أن يقنع الرجال أيضاً بمثاله الخاص. وإذا اتفق الدخول إلى قرية، يجب منع المشاريب الغولية مسبقاً، وتحضيض الفرقة، وإعطاؤها مثالاً ممكناً من الضباطة، ومراقبة دخول الرجال إلى القرية وخروجهم منها باستمرار.
لا بد أن تتعرض تشكيلة الغوار لمحنة التطويق لمعرفة تنظيمها وقيمتها القتالية وبطولتها وروحها، لأن التطويق أخطر وضع في الحرب. كان مغاورونا أثناء الحرب يطلقون في لغتهم "سُحْنة الحصار" على الوجه القانط لدى بعض الجنود المذعورين. كان زعماء العهد المباد يدعون حملاتهم بفخار "تطويقاً" و"إبادة". أما بالنسبة لتشكيلة غوارية خبيرة بأرضها، مرتبطة فكرياً وعضوياً بقائدها، فليست هذه مسألة عظيمة الخطر. يكفي عندها التحصُّن، ومحاولة اجتناب تقدم العدو الذي تدعمه الأسلحة الثقيلة، وانتظار الليل، حليف المغاور الطبيعي. وعند الغسق، في أشد تكتم ممكن، وبعد التعرف إلى أفضل الدروب واختياره، تتخذ أكثر وسائل الانسحاب ملاءمة، مع التزام أطبق الصمت. ويصعب للغاية في هذه الظروف الحؤول بين جماعة من الرجال وبين الإفلات من الطوق ليلاً.


 
 
 
4 – القتال
القتال أهم عمل في حياة الغوار. ليس القتال إلاّ فصلاً عابراً في تطور النضال، لكن هذه اللقاءات تتخذ بلا ريب أهمية خارقة، لأن كل اشتباك هو معركة أساسية بالنسبة للمقاتلين.
ذكرنا آنفاً أن الهجوم يجب أن يتم مع ضمان تام لنجاحه. علينا أن نشرح الخطوط العريضة للصيالة الواجب اتباعها، ولعمل الهجوم ذاته، مع الموائز المختلفة التي يمكن أن تتبادر في كل عملية. سوف نصف النضال في الأرض المؤاتية في المقام الأول، لأنه المثال النَمَطي[46] في حرب الغوار، ولأنه ينبغي أن تستخدم فيه مبادىء سابقة لاكتساب التجربة العملية، بغية حل بعض المسائل. (أما حرب السهل فهي دائماً نتيجة تقدم الغوَّرات بفضل اشتداد بأسها وبفضل الظروف الخاصة بالبيئة، وهذا يعني أنه أصبح لدى المغاوير تجربة غنية يمكنهم أن يفيدوا منها).
تتوغل الأرتال المعادية عميقاً في الأرض الثائرة، خلال الطور الأول من الحرب. وتبعاً لقوى هذه الأرتال، يمارس نمطان من الهجوم. يؤدي النمط الأول بصورة منهجية وعلى مدى بضعة شهور، إلى إفقاد هذه الأرتال كفاءتها الهجومية. إنه يسبق النمط الآخر زمنياً يسدد هذا الهجوم على المقدمات: فالأراضي المجافية تمنع الأرتال من التقدم مع تغطية كافية على جناحيها. لذا وجب أن تكون لها دوماً مقدمة هي التي تدخل أولاً، فتعرض حياة رجالها لتضمن بذلك سلامة بقية الرتل. فعندما لا يكون عدد المغاوير كافياً، ولا يمكن التعويل على احتياطات، ويكون العدو بالإضافة إلى ذلك قوياً، ينبغي استهداف إبادة هذا الرأس المتقدم دوماً. جملة هذا العمل بسيطة، ولا تتطلب إلاَّ قدراً من التنسيق. عندما يَذُرُّ[47] رأس المقدمة في المكان المقرر – وهو المكان الأكثر حُزونة[48] - يُسمح لقسم من المقدمة بولوج الطريق ويُصْلى ناراً فتّاكة. هذا بينما تستوقف جماعة صغيرة بقية الرتل هنيهة بحيث يُستطاع وضع اليد على الأسلحة والذخائر والتجهيزات. ينبغي أن تحضر لذهن المغاور دوماً فكرة أن منبع تموينه بالسلاح هو العدو. يجب عدم خوض المعركة إلاّ لِغَنم العتاد، عدا حالات الاستثناء.
يجري تطويق الرتل تماماً عندما تسمح قوى تشكيلة الغوار بذلك، أو يخلق هذا الانطباع على الأقل. وفي هذه الحالة الأخيرة ينبغي أن تكون مقدمة تشكيلة الغوار قوية ومتحصنة بقدر كاف لمقاومة هجمات العدو الجبهية. وعندما يتم إيقاف العدو، تَنْتََل[49] قوى المؤخرة لمهاجمة العدو من خلفه. ولما كان المكان قد اختير سلفاً بحيث لا يستطيع العدو التصرف بجناحيه، يسهل إرباض قناصين يبقون على الرتل كله في منطقة النار، ولو بلغ ثمانية إلى عشرة أضعاف عددهم. فيجب في هذه الحالة، وبفرض كفاية القوى، نصب كمائن تراقب كافة الدروب، لوقف النجدات. يُشد الطوق تدريجاً، وخاصة في الليل. ولما كان المغاور خبيراً بالمكان والعدو جاهلاً به، فإن الليل يدع قوة المغاور تزداد، ومثلها رعب العدو.
يمكن بهذه الطريقة وعلى جانب من السهولة، إبادة رتل أو تكبيده الخسائر بحيث يلزمه زمن طويل قبل أن يعاد تأليبه.
وعندما تكون قوى الغوارة ضئيلة ويراد مع ذلك تأخير تقدّم الرتل العدو أو صدّه، توزع قوى الغوارة إلى زمر قوامها اثنين إلى عشرة رماة، في الجهات الأربع، حول الرتل. يمكن الشروع مثلاً بالقتال على الميمنة. وعندما يوجه العدو عمله إلى هذا الجناح ويهجم منه، يبدأ الرمي على الميسرة، ثم في المؤخرة أو المقدمة، وهكذا. يمكن على هذا النحو جعل العدو في حالة إنذار دائمة، باستعمال ذخيرة قليلة جداً.
ينبغي أن تُكيَّف مِهانة الهجوم على قافلة أو على موضع للعدو، بظروف الأرض المختارة. وينبغي العمل بعامة، بحيث يتم أول اقتحام لأحد المواضع، في الليل، فجأة، مستهدفاً أحد المراكز الأمامية. يمكن لهجوم مفاجىء يشنه مغاوير متمرسون أن يصفي أحد المواضع بسهولة، مع احتساب التفوق الحاصل بتأثير الفجاء. ومن أجل القيام بتطويق منظَّم، يمكن مراقبة مناطق الهروب بقلة من الرجال، وحماية مسالك القدوم بكمائن تنصب بحيث أن العدو إذا مر عن أحدها، استطاع المغاوير الأنكفاء وبقي هناك كمين ثانٍ. وعندما لا يؤثر عنصر المفاجأة، يتوقف الظفر أو الهزيمة، وقت احتلال المعسكر، على كفاءة قوى التطويق في إيقاف وصول النجدات. يتوفر للعدو، عامة في هذه الحالة، دعم المدفعية ومدفعية الهاون والطيران والدبابات. الدبابة سلاح قليل الخطر في الأرض المؤاتية للغوارة: عليها أن تمر في دروب ضيقة يسهل أن تقع فيها فريسة الألغام. ثم أن كفاءة الدبابات الهجومية تفقد ههنا من قيمتها ما دامت تضطر أن تسير رتلاً أحادياً أو على الأكثر ثنائياً. اللغم هو أفضل الأسلحة وآمنها ضد الدبابات. أما في الالتحامات التي يسهل تحقيقها في الأراضي الوعرة، فيغدو "كوكتيل مولوتوف" سلاحاً ذا فعالية خارقة. ولا نتكلم عن البازوكة التي تكون سلاحاً دفاعياً جدياً لقوى الغوار، إلاَّ أنه يصعب توفيره، في بداية النضال على الأقل. أما مدفع الهاون، فيمكن اللجوء ضده إلى الخندق المسقوف. والهاون سلاح عظيم الفعالية ضد موضع مطوق، غير أن قدرته تنقص بالمقابل، إزاء مهاجمين جائلين. ليس للمدفعية دور كبير في هذا النوع من الصراع لأنه ينبغي نصبها في مواضع سهلة المنال، وهي عاجزة ضد أهداف جائلة. الطيران هو السلاح الرئيسي لقوى الاضطهاد، إلاّ أن فعاليته تتضاءل كثيراً بقدر ما تغدو أهدافه الوحيدة هي خنادق صغيرة لا ترى. سوف يرمي الطيران قنابل شديدة البأس، يكون صوتها أعظم من أذاها. ثم إنه كلما ازداد الاقتراب من خطوط دفاع العدو، كلما عسر على طيرانه مهاجمة هذه النقاط.
اللغم المسيَّر عن بعد هو أكثر أنماط الألغام فعالية، إلاَّ أنه يتطلب معلومات مِهانية لا تتوفر دائماً. غير أن الألغام ذات الضغط، وذات الفتيل، وخاصة الألغام الكهربائية، بالغة الفائدة أيضاً، وتؤلف بالنسبة للقوى الشعبية، على الدروب الجبلية، وسائل دفاع تكاد لا ترام.
الخندق المائل، المنشأ على عرض الطريق، بحيث تَلِجه الدبابة بسهولة، ولكنها لا تستطيع الخروج منه إلاَّ بصعوبة، هو وسيلة دفاع حسنة ضد المركبات المدرعة. يمكن تمويه هذه الخنادق بسهولة إبان تقدم العدو ليلاً، أو عندما تحول مقاومة الغوارة دون إرسال العدو مشاته أمام المدرعات.
الشاحنة هي وسيلة نهجية أخرى يتقدم بها العدو في الأرض السالكة. وتسبق بعض المركبات المدرعة أرتال شاحنات العدو. تستطيع تشكيلة الغوار، تبعاً لقوتها، إما تطويق الرتل بأكمله، أو الفتك به بمهاجمة بعض الشاحنات مع تفجير الألغام في آن. ينبغي العمل بسرعة في هذه الحالة، وغنم أسلحة الأعداء الصرعى، والانسحاب. وإذا سنحت الظروف، يمكن محاولة التطويق الشامل الذي شرحنا قواعده العامة آنفاً.
بارودة الصيد هي سلاح عظيم الفعالية لمهاجمة الشاحنات المكشوفة. فيمكن لخردق بارودة ذات عيار 16 أن يغطي حقلاً قدره عشرة أمتار، أي بمدى طول الشاحنة كلها، فيقتل بعض ركابها، ويجرح غيرهم، ويحدث اضطراباً شديداً. وإذا ما توافرت بعض الرمَّانات، تكون أسلحة ممتازة في هذه المناسبة.
إن تأثير المفاجأة هو الشيء الجوهري في هذه الهجمات كافة. وهو مائزة في المقام الأول لصيالة الغوار. ولا يمكن حدوث هذا التأثير إذا كان فلاحو المنطقة على علم بوجود الجيش الثائر. لهذا السبب ينبغي إجراء كافة التحركات ليلاً ولا يسوغ إلاَّ لرجال شديدي الكتمان ذوي إخلاص مخبور، أن يعلموا بها ويجروا الارتباطات. يجب أن تكون الحقائب مملوءة زاداً لهذه المسيرات، لكي يستطاع الصمود يومين أو ثلاثة أو حتى أربعة في مكان الكمين.
لا يجوز الوثوق كثيراً بتكتم الفلاح: أولاً لأن لديه ميلاً طبيعياً للكلام والتعليق على الحوادث مع أعضاء آخرين من أسرته أو مع الُخلَّص من معارفه، ثم لأن الوحشية التي يعامل بها جنود العدو الأهلين، عند الهزيمة، تبث الرعب وتحدو بالبعض، إنقاذاً لحياتهم، أن يتكلموا أكثر مما ينبغي، فيقدمون بذلك معلومات جوهرية. ولأجل نصب كمين، يتم اختيار مكان يبعد على العموم، ما لا يقل عن مسير يوم واحد عن مآرز الغوارة المعتادة، والتي يعرفها العدو دائماً بكثير أو قليل من التقريب.
لقد أكدنا آنفاً أن كيفية الرمي في القتال تدل على مواضع المتقاتلين، فمن جهة رمي الجندي النظامي، حامياً، سخياً، معتاداً أن تتوفر له الذخيرة كيفياً، ومن الجهة الأخرى رمي المغاور، منهجياً، منجَّماً[50]، عارفاً قيمة كل رصاصة، يستعملها بحرص ولا يرمي أبداً أكثر مما يلزم. ولما كان من غير المنطق أن يترك العدو يفلت، اقتصاداً للذخيرة، أو ألاَّ يستنجز الكمين عمله ملياً، لذا وجب توقع كمية الذخيرة التي ينبغي استعمالها في كل مناسبة، وتسيير القتال وفقاً لهذه الحسابات المسبقة.
الذخيرة هي مسألة المغاور الكبرى. يتوفر السلاح دائماً، وما يُملك منه لا يعود يفارق الغوارة. أما الذخيرة فتنفد. وإذا كان السلاح يغنم بعامة، مع ذخيرته، فلا تغنم الذخيرة وحدها أبداً إلاّ نادراً. ولا يفيد السلاح الذي يغنم مع ذخيرته في تموين أسلحة أخرى، إذ ليس ثمة سلاح فائض. لذلك يغدو المبدأ الصِيالي القائل بالاقتصاد في الرمي مبدأ أساسياً في هذا النمط من الحرب.
لا يسع القائد المغاور الذي يعتد بهذه الصفة لنفسه، أن يهمل شأن الانسحاب. ينبغي إجراء الانسحابات في الوقت المجدي، وأن تكون مرنة، وتسمح بإنقاذ كل عتاد تشكيلة الغوار، والجرحى. لا يجوز للثائر أبداً أن يفاجئه العدو أثناء الانسحاب، ولا يستطيع قط أن يسمح لنفسه بترف مطاوعة الطوق الذي يُشد حوله.
ينبغي إذاً حراسة الطريق المختارة في كافة النقاط التي يحتمل أن يُقبل العدو منها بجنوده في محاولة للتطويق. وإذا ما وقعت محاولة التطويق، وجب أن تكون هناك جملة ارتباط تتيح إشعار الرفاق سريعاً بالمحاولة.
ينبغي دائماً توفر رجال غير مسلحين، يلتقطون بنادق الرفاق الجرحى أو الصرعى، أو سلاح الأسرى، ويعنون بالأسرى، وبنقل الجرحى، بالارتباطات. ويجب أن يتوفر دائماً فريق جيد من الرسلاء لا يرقاهم الإعياء، مخبورين في جِدِّهم، وقادرين على إيصال الأوامر بعجل تام.
إن عدد هؤلاء الردفاء نسبي، لكن يمكن تحديده باثنين إلى ثلاثة في العشرة: إنهم يشهدون القتال، وينجزون المهمات المقتضاة في المؤخرة، مدافعين عن المواضع إبان الانسحاب، وقائمين على مصالح الارتباط التي ذكرناها.
عندما تمارس تشكيلة الغوار حرباً من النمط الدفاعي – أعني عندما تؤمن حماية مسالك منطقة معينة ضد رتل من الغزاة – يتحول القتال إلى حرب تحاصن. غير أنه ينبغي دائماً عند بدء الاشتباك، العناية بتأثير المفاجأة التي تكلمنا عنها آنفاً. وإذا تم حفر خنادق أو جمل دفاعية أخرى يسهل على فلاحي المنطقة تمييزها، ينبغي التأكد أن هؤلاء الفلاحين باقون خلف الخطوط. إذ أن الحكومة، في هذا النمط من الحرب، تقيم الحصار على المنطقة، ويضطر الفلاحون الذين لم يلوذوا بالفرار إلى الذهاب لمناطق بعيدة عن منطقة حمى الغوَّارة، بقصد التموين. وفي اللحظات الحرجة التي نصفها، يضحى كل رجل يغادر منطقة الغوار خطراً بالغاً، نظراً للمعلومات التي يمكن أن يسديها للعدو. وعلى الجيش الثائر، في الحرب الدفاعية، أن يتخذ صيالة الأرض المحروقة مبدأ أساسياً.
ينبغي بناء الجهاز الدفاعي كله بحيث تقع مقدمة العدو دائماً في كمين. من المهم جداً على الصعيد النفسي، أن يكون رجال المقدمة هم الذين يُصرعون، دون ريب، في كل قتال. ينبغي خلق وعي لهذا الواقع يتفاقم حدَّة كل مرة لدى جيش العدو، فيبلغ منه مبلغاً لا يبقى معه أحد يرضى أن يكون في المقدمة. ولما كان واضحاً أن رتلاً بلا مقدمة لا يستطيع التقدم، فلا بد إذاً أن يتحمل أحد هذه المسؤولية...
وإذا ما رُئي الأمر مجدياً، أمكن القيام بمراوغات للإلهاء، أو تطويقات أو هجمات جناحية، أو مجرد صد العدو جبهياً. إلاَّ أنه ينبغي في كل الحالات تقوية النقاط الخليقة أن تستهدفها هجمات العدو الجناحية.
يفترض ذلك توفر رجال وسلاح أكثر مما في القتالات الآنف وصفها، فمن الواضح أنه يلزم كثير من الرجال لرصد كافة الدروب المتواردة إلى منطقة ما. وقد تكون عديدة. ينبغي ههنا زيادة عدد الفخاخ والهجمات على الناقلات المدرعة، في آن مع ضمان أعظم سلامة ممكنة لجملة الخنادق الثابتة التي يمكن للعدو، بحكم ثباتها، أن يحدد مواضعها. وإذا كان الأمر العسكري في هذا النمط من الحرب، هو بعامة، الصمود بوسائل الدفاع حتى الموت، يجب مع ذلك أن يضمن لكل من الحماة الحد الأقصى من فرص البقاء حياً.
كلما كان الخندق مستخفياً للمراقبة عن بعد. كان أميناً. ويحسن تغطيته بسقف لإبطال تأثير مدافع الهاون. إن مدافع الهاون المستخدمة في الميدان عامة هي ذات عيار 60 أو حتى 85 مم، وهي لا تستطيع خرق سقف جيد مبني بالمواد المحلية، كالخشب أو الحجر، ومحكم التمويه. ينبغي الاحتياط دائماً بإنشاء مخرج يسمح للمرء في الحالة القصوى، أن يفلت دون تعريض حياته كثيراً. لقد أنشأنا مثل هذه الوسائل الدفاعية في سييرا ماسترا حيث كانت فعالة لوقايتنا من رمي مدافع الهاون. تشير كل هذه الاعتبارات بوضوح إلى انعدام وجود خطوط نار محددة. إن خط النار هو شيء نظري إلى حد بعيد أو قريب، يتثبت في بعض اللحظات الحرجة، إلاَّ أنه مطاط ومتنافذ بين المعسكرين. وما هو موجود إنما هو أرض سائبة[51] واسعة بينهما. إلاَّ أن الأرض السائبة تتميز في الغوار بأن ثمة سكاناً مدنيين يعيشون فيها، ويتعاونون إلى حد ما مع أحد المعسكرين. وتقف أكثرية باهرة منهم، في الواقع، إلى جانب الثورة. لا يمكن ترحيل هؤلاء السكان حشراً، إذ أن أي المتنازعين يحاول ذلك، يختلق لنفسه معضلة تموينية لا حل لها. تمر في هذه الأرض السائبة غزوات دورية، نهارية على وجه العموم لقوى القمع، وليلية لقوى الغوار. وتجد قوى الغوار في هذه الغزوات مصدراً هاماً للتموين ينبغي تداركه على الصعيد السياسي بإقامة أحسن العلاقات مع الفلاحين والتجار.
إن عمل الذين لا يقاتلون مباشرة هام جداً في هذا النمط من الحرب. لقد أشرنا آنفاً إلى بعض مميزات الارتباط في أماكن القتال، إلاَّ أن الارتباط هو مؤسسة تقوم داخل تنظيم الغوارة. وينبغي بناء الارتباطات حتى أبعد جماعة من المغاوير، بحيث تستطيع الانتقال دائماً من نقطة لأخرى بأسرع وسيلة معروفة في المنطقة، هذا حتى في الأرض المجافية لنا. لا يرد مثلاً، لغوارة تعمل في أرض مجافية، أن تدع جمل موصلات حديثة قائمة، كالبرق، والطرقات.. إلخ، عدا بعض الجمل اللاسلكية التي يتعذر تخريبها والتي لا تفيد إلاَّ حاميات عسكرية قوية تذود عنها. وهي بأية حالة، لو سقطت في أيدي الغوارة، لاحتاجت إلى تغيير الرموز والتوترات، وهو عمل على جانب من الصعوبة في بعض الأحيان.
نقول ونحن نتذكر تجربتنا الخاصة خلال حرب التحرر: إن الاختبار اليومي الأمين عن كافة نشاطات العدو يُستكمل بالاختبار الذي تؤديه ارتباطاتنا. ينبغي درس جملة المخابرات درساً كثيراً، واختيار رجالها بأكبر عناية. فلا يمكن تقدير مبلغ الأذى الذي يستطيع أن يؤتيه عميل مزدوج. وإذا لم نذهب إلى هذا الحد، فإن اختباراً مبالغاً فيه، يستعظم الخطر أو يستصغره، يمكن أن تنجم عنه متاعب جمة: ويندر أن يستصغر الخطر، إذ أن ميل الفلاح العام يحدو به إلى تضخيم الأنباء. إن الذهنية الجبتية[52] التي تستحضر أشباحاً وكائنات غيبية شتى هي ذاتها التي تختلق جيوشاً جبارة أيضاً عندما لا يعدو الأمر فصيلة أو دورية عدوة. كما ينبغي أن يبدو الجاسوس محايداً قدر الإمكان، وألاّ يظهر في عين العدو، على أية صلة بقوى التحرر. ليست هذه المهمة صعبة بقدر ما تتراءى، ويصادف أناس كثيرون، تجار أو أصحاب مهن حرة وحتى رجال دين، يستطيعون الإسهام فيها وتقديم المعلومات.
إن الفرق الشاسع بين المعلومات التي تحصل عليها القوى الثائرة ومعلومات الجيش النظامي، هو من أهم موائز حرب الغوار. يضطر الجيش النظامي أن يجوب مناطق مناوئة له إطلاقاً، لا يلقى فيها إلاَّ صمت الفلاحين المر، بينما تعتد تشكيلة الغوار بصديق في كل بيت، إن لم يكن في صفوفها أحد أعضاء الأسرة، وتتداول الأنباء باستمرار خلال جملة ارتباطاتها، حتى الأركان العامة أو مركز قيادة الغوار في المنطقة.
عندما يتوغل العدو في أرض قد جاهرت بالثورة، حيث انضوى الفلاحون كافة إلى قضية الشعب، تنشأ مسألة بالغة الخطورة. يحاول معظم الفلاحين أن يفروا مع الجيش الشعبي، مخلِّفين أطفالهم ومشاغلهم، ويحاول غيرهم اصطحاب عيالهم بقضِّها وقضيضها، وأخيراً يمكث غيرهم مكانه بانتظار الأحداث. إن أبلغ نتائج توغل العدو هو زج أُسَر كثيرة في وضع صعب، إن لم يكن يائساًً. ينبغي إسداء الحد الأقصى من الدعم لهم، لكنه ينبغي تحذيرهم أيضاً من أن الفرار صوب مناطق غير آهلة، بعيداً عن أماكن التموين المعتادة، يعرضهم بالتأكيد إلى اللِزَن[53].
لا يسوغ الحديث عن "نمط من القمع" من جانب أعداء الشعب: ففي كل مكان، يعمل أعداء الشعب تبعاً للظروف النوعية من تاريخية واجتماعية واقتصادية، على نحو يزداد أو يقل إجراماً، وإن كانت طرائق القمع العامة متماثلة على الدوام. ثمة أماكن لا يستثير فيها فرار الرجل إلى منطقة الغوار، مخلفاً أسرته في البيت، رد فعل كبير. بَيْدَ أن هذا الفرار كاف، في أماكن أخرى، لمصادرة أرزاقه وإحراقها وللتسبب بقتل الأسرة كلها. لذا فمن الطبيعي أن يتم تنظيم الفلاحين الذين سوف يتأثرون بتقدم العدو، على خير وجه، تبعاً لما يعرف عن قواعد الحرب في هذه المنطقة بالذات.
واضح أنه ينبغي التأهب لطرد العدو خارج المنطقة المصابة، بقطع خطوط مواصلاته، ومنع تمونيه بواسطة غوارات صغيرة ترغمه على أن يلقي في القتال أعداداً كبيرة جداً من الرجال.
إن استخدام الاحتياط على نحو حكيم في كل لقاء هو أهم العوامل في هذه المعارك. يندر أن يستطيع الجيش الثائر، بحكم طبيعته، أن يعتمد احتياطات، لأن عمل أبسط المشتركين فيه منظم ومستخدم ملياً في كل قتال. غير أنه يحسن أن يحتفظ الجيش الثائر برجال موزعين، يستطيعون الاستجابة لطارىء ما، أو شن هجوم معاكس، أو تثبيت وضع ما. ويمكن وفقاً لتنظيم الغوارة وتبعاً لإمكانات الساعة، أن يحتفظ بفصيلة متأهبة "صالحة لكل عمل"، تكون مهمتها هي الانتقال إلى أشد النقاط خطراً. يمكن تسميتها "الفصيلة الانتحارية"، أو أي اسم آخر. إنها تقوم جيداً في الواقع بالوظائف التي تشير هذه التسمية إليها. يجب إرسال هذه "الفصيلة الانتحارية" إلى كافة النقاط التي يحسم فيها القتال، وإلى الهجمات المفاجئة على المقدمات، وللدفاع عن الأمكنة الأشد خطورة وعرضة للإصابة، وأخيراً إلى كل مكان يهدد فيه العدو استقرار خط النار. يترك كل امرىء حراً أن ينخرط في هذه الفصيلة، التي يجب أن تغدو جائزة ينالها من يختارها. والجندي منها خليق أن يصبح على مر الزمن مثالاً لكل رتل غواري، ويتمتع المغاور الذي يتشرف بالانتساب إلى هذه القطعة بإعجاب واحترام رفاقه كافة.


 
 
 
5 – ابتداء حرب الغوار وتطورها وانتهاؤها
لقد عرّفنا بإسهاب ما هي حرب الغوار. وسوف نعيد الآن وصف تطورها الأمثل، في الأرض المؤاتية، منذ ولادتها بدءاً من نواة وحيدة، أي أننا سوف نؤلف نظريتها، اعتماداً على التجربة الكوبية.
ثمة في البدء جماعة قليلة أو كثيرة التسلح، متفاوتة التجانس، تحاول بصورة حصرية تقريباً، أن تختبىء في أماكن وعرة، لا يُهتدى إليها، في حين أنها تحافظ على صلة ضعيفة بالفلاحين. تنجح هذه الجماعة في كيل ضربة، فتبدأ شهرتها آنئذ. يأتي بعض الفلاحين الذين سُلبوا أراضيهم أو الذين يناضلون للحفاظ عليها، وبعض المثاليين الناشئين في طبقة أخرى، فيرفدون صفوفها. تكتسب الجماعة مزيداً من الإقدام للتجول في المناطق الآهلة، وصلة أوثق بأهل المنطقة، فتباشر بعض الهجمات، يليها الهروب تواً. وسرعان ما يصل بها الأمر إلى الاشتباك في قتال مع رتل فتبيد مقدمته. تستمر في تجنيد الرجال فيها، ويتضخم عددها، إلاَّ أن تنظيمها يبقى هو هو، عدا أنها تلتزم حذراً أقل وتغامر في مناطق أكثر سكاناً.
ثم تأخذ الجماعة تقيم معسكرات مؤقتة لبضعة أيام، تبارحها مذ تعلم باقتراب العدو، أو إذا حدث قصف، أو لمجرد ظنها في أحد هذه الأخطار. تتزايد الغوارة عددياً، ويقترن ذلك بالعمل الجماهيري الذي يجعل من كل فلاح نصيراً لحرب التحرر. تختار أخيراً منطقة في منأى عن يد العدو، وتبدأ الحياة الحضرية وتشرع بإقامة الصناعات الصغيرة الأولى: الأحذية، لفائف التبغ، صناعة السلاح، الخبازة، شيء من الخياطة، المشافي، الإذاعة، الطباعة... إلخ.
أصبح للغوارة تنظيم جديد، وبنية جديدة. إنها رأس حركة كبيرة تظهر فيها، على هيئة ملامح، كافة مميزات الحكومة. تقام محكمة لإدارة العدالة، وإذا أمكن، تنشر بعض القوانين، مع متابعة توعية الجماهير الفلاحية سياسياً، وكذلك الجماهير العمالية إن وجدت في المنطقة. يتم هزم هجوم من جانب العدو، فيزداد عدد البنادق، وبالتالي عدد رجال الغوارة. غير أنه يحين وقت لا يتسع فيه قطر عملها بنسبة عدد رجالها. فينفصل عندئذ رتل عن الجماعة ويذهب لخلق منطقة قتال جديدة. تعاود هذه النواة الجديدة العمل مرة أخرى، لكن بموائز مختلفة نوعاً ما، نظراً للتجربة المكتسبة ولتوغل جيوش التحرر في مناطق الحرب. وتتابع النواة المركزية استفحالها في هذه الأثناء، وقد تلقت أرفاداً هامة من التموين ومن البنادق أحياناً، من مناطق بعيدة، ويستمر قدوم الرجال إليها، وتتابع المهمات الإدارية بابرام القوانين، وتفتح مدارس تسمح بنشر الوعي السياسي بين المجندين وبتدريبهم. ويتعلم القادة بقدر ما تتطور الحرب، وتتحسن كفاءتهم القيادية في آن مع تزايد القوى كمَّا وكيفاً.
وعندما يحين الوقت، تستطيع بعض الجماعات أن تذهب لتقيم في مناطق بعيدة وتعاود الدورة ذاتها.
غير أن ثمة أرضاً معادية، أرضاً مجافية لحرب الغوار. فتتوغل فيها زمرة صغيرة لمهاجمة المواصلات وتخريب الجسور وبث الألغام وبذر عدم الاطمئنان. وتستمر الحركة تتطور مع المد والجزر الخاصين بالحرب. لا يلبث العمل الجماهيري الواسع أن يتيح للقوى بالتجول في الأراضي المجافية، فيبلغ المرحلة الأخيرة وهي مرحلة الغوار في ضواحي المدن.
يزداد التخريب بشكل محسوس في المنطقة كلها. وتصاب الحياة بالشلل، فقد أصبحت قيد رقابة الغوار. يستهدف الغوار مناطق أخرى، ويقاتل العدو على جبهات محددة، وقد تم غنم أسلحة ثقيلة (حتى بعض الدبابات)، وصار النضال بين ندِّ وندّ. يتم مصرع العدو عندما يتحول تتابع الأظفار الجزئية إلى ظفر نهائي، عندما يصل الأمر بالغوار أن يحمل العدو على القتال ضمن الشروط التي يفرضها الغوار، ويتم عندها قهر العدو وإرغامه على الاستسلام.
ليس هذا إلاَّ تصوير الملامح التي تعيد إلى الأذهان مختلف مراحل حرب التحرر الكوبية، غير أن محتواه عام تقريباً، وأن تضافر العناصر – الشعب، الشروط، القائد -  لا يتوفر دائماً كما حصل في حربنا. وهل يلزمنا القول إن فيدل كاسترو يجمع صفات المقاتل ورجل الدولة وإننا مدينون إلى نظرته للأمور بنزولنا إلى البر وبظفرنا؟ لا نستطيع القول إن ظفر الشعب لم يكن ليحدث بدونه، لكننا نستطيع القول إن الظفر بدونه، كان أغلى ثمناً وكان أقل اكتمالاً.

Aucun commentaire:

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2020 Vis a Vis
تصميم : هاشم سحبي