وباء الكورونا وتأزم وضع العمال و الفلاحين
مقال بقلم الرفيق ياسين بركات
جاء وباء كورونا ليعمق تأزم وضع الطبقات الإجتماعية الكادحة إذ تتميّز الفترة الأخيرة بمزيد تجلّيــــات الأزمــــة والاضطراب اللّذين يعصفان بالبـــلاد على أكثــر من مستوى، فالاقتصاد يعيش تواصل الفتور والتدهور والوضع الاجتماعي لا يخلو من التأزّم ومزيد الاهتراء والوضع السياسي الرسمي يغلب عليه التواطؤ والتآمر وفي مقابل ذلك تفتقر الساحة الى بدائل واضحة وممكنة في المدى القريب.
إذ أن الشباب و الذي يمثل النسبة الأكبر من الشعب و الذي لا يزال معظمه يعاني البطالة إذ يوجد أكثر من 634.9 ألف عاطل عن العمل في تونس، خذلهم تراجع النمو الاقتصادي وتعطل الاستثمارات، بعد انقضاء ثماني سنوات من انطلاقة ثورة كان التشغيل أحد مطالبها. وفي حين يواجه الشباب الوافد إلى سوق العمل وضعاً اقتصادياً صعباً، تتباين نسب النموالمحققة مع التقديرات التي تضعها الحكومة في الموازنات.
و لا يزال الاقتصـــاد التّونسي يسير باتجاه الارتهان النهائي إلى امــــلاءات صندوق النّقد الدّولي وضغوطات الاتحاد الاوروبي، ورغم محاولات الترقيع وذر الرماد على العيون بالإجراءات المتخذة من أجل الحد من تأثير هذا الوباء إقتصاديا على الفئات الهاشة و أصحاب المهن الحرة و الذين يعدون من أكثر المتضررين من الأزمة خاصة بعد خسارة جزء كبير منهم لعملهم إلا أن هذه الإجراءات تعد شحيحة و غير قادرة علي رفع العبئ علي هذه الطبقات زد علي هذا أن الإجراءات الإجتماعية لم تشمل الفلاحين وهم أكثر المتضررين من الأزمة خاصة بعد نقص الأمطار هذا الموسم إضافة إلى شح الدولة في تقسيم المياه بين الفلاحين و التمييز بينهم و سوء الأحوال الجوية لتزيد هذه الجائحة من حجم النكبة خاصة أن الفلاحة في بلادنا ذو طابع سقوي وتحتاج الكثير من المياه إضافة لترفيع سعر المياه من قبل الدولة لتزيد من تازم الوضع الفلاحي:
وتحدث تقريرصادر عن هيئة مكافحة الفساد عن شبهة فساد تخص تعمد قبول حبوب تحتوي على حشرة السوس الحي وتخزينها بمجموعة من خزانات ديوان الحبوب، بالاضافة إلى تقديم ملف حول تسجيل تجاوزات بأحد فروع الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه تخص عمليات ربط غير قانونية لمجموعة من المواطنين بشبكة توزيع المياه دون قيامهم بخلاص المعاليم المستوجبة.
كما إن كثيرا من الاعلاف التي يقتنيها الفلاحون باسعار خيالية من اجل الحفاظ على الماشية وتغذيتهاو عادة ما تكون غير مراقبة او خاضعة للمواصفات البيطرية الضرورية وهكذا يكونون ضحية المضاربات وتحت طائلة الاحتكار وجشع الباعة الذين لا يخضعون عمليا لأيّة مراقبة اقتصادية او صحية فأثمان الاعلاف مرتفعة وباهضة ولا يقدر عليها الا كبار المربين الذين عادة ما يكونون منخرطين في عملية احتكار الاعلاف وانتاجها والمضاربة بها فيبيعونها باسعار خيالية حتى يضطر صغار المربين الى اقتنائها و عندما يصبحون تحت وطأة الدين الخانق يلتجئون الى بيع ماشيتهم ولكن هذه المرة بابخس الاثمان وشيئا فشيئا تصبح غالبية الثروة الحيوانية بين ايدي حفنة من الاقطاعيين والمضاربين فيتحكمون بذلك في كل ما يخص هذا القطاع الحيوي اقتصاديا ويتحكمون في اسعار اللحوم والالبان ومشتقاتها وفي توريد الانتاج المرتبط بذلك وتصديره في حين تظل البقية من مربي الماشية الصغار تحلم بامكانية الخروج من تعاستها وتوهم نفسها بالخلاص عن طريق الارتباط اكـثر فأكـثر بآليات المربين الكبارالذين ساعدتهم الدولة بنشر هذا الوهم وذلك بتخلّيها عن حماية المربين الصغار والتدخل لفائدتهم وعدم ردع من يبتزّهم ويمارس عليهم السرقة والمضاربة سرّا وعلانية .
إن الفلاحين وبحكم تشتّتهم وهيمنة العقلية الفردية عليهم وخضوعهم ومنذ أمد طويل إلى إرث متواصل من القمع والاضطهاد يجعلهم فريسة أسهل لكل انواع الجشع والاحتيال التي توهمهم بإيجاد الحلول لمشاكلهم في اقرب الآجال فتنطلي عليهم الحيلة ولكنها في المقابل تزرع لديهم الاوهام والضبابية في التعاطي الموضوعي مع واقعهم وحقيقة معاناتهم المتـواصلة وتبعـدهم عن التـفكيرالجـدي والعملي للحلول الجذرية وتزيد من تشتيتهم وتفـريقهم في حين انه لا امكانية أمامهم للتخفيف من معاناتهم وحـل مشاكلهم الا بتجمعهم والتعويل على انفسهم والتفكير فيما بينهم عن حلول لا تأتيهم ممن سبّب مآسيهم وانما تنبع من ارادتهم وتصوراتهم وخلق وابتداع ادوات من الاحتجاج والنضال كفيلة بتمكينهم من التحرر والانعتاق .

Aucun commentaire:
اضافة تعليق