تعليقا على التطورات الحاصلة في ما يخص الطلبة والساحة الطلابية:
بقلم عزيز بن جمعة
سأتناول في هذا
التعليق –المطول-، نقطتين هامتين تمت اثارتهما في الفترة الأخيرة: مسألة الدراسة عن
بعد، ومسألة الفرق بين الاتحاد العام لطلبة تونس والمنظمة الموازية..
1. التعليم عن بعد:
يمكن ان نتناول موضوع
"التعليم عن بعد" من خلال فترتين؛ الاولى كانت مع بداية دخول فيروس
كورونا لتونس وتسجيل اصابات تلو الاخرى واتخاذ الدولة التونسية لبعض الاجراءَات
الهزيلة للتوقي من هذا الوباء، وهي الفترة التي طُرح فيها الموضوع كمخرج لانقاذ السنة الجامعية.
في هذه الفترة بادر
وزير التعليم العالي والبحث العلمي بطرح موضوع التعليم عن بعد بطريقة ضبابية
وارتجالية، وقد كان من الطبيعي ان تتفاوت ردود الأفعال بين مؤيد ورافض.
في ما يخص منظمتنا
الاتحاد العام لطلبة تونس، كان موقفنا واضحا وصريحا: رفض مسألة التعليم عن بعد
رفضا تاما في هذه الفترة وذلك للأسباب التالية:
·
السبب الأول ويتعلق بغياب الشروط المادية
واللوجستية والتقنية لانجاح التعليم عن بعد: فالتعليم الحضوري بحد ذاته يعاني عدة
مشاكل ونقائص متعلقة بالبنية التحتية وتوفر التجهيزات اللازمة للتدريس ونقص في
المدرسين، فما بالك اذا ما تحدثنا عن التعليم عن بعد وما يتطلبه من
ضروريات مادية ولوجستية وتقنية لا فقط من جانب الدولة وانما ايضا من جانب طرفي
عملية التكوين، اي الأستاذ والطالب.
·
السبب الثاني ويتعلق بالأساتذة: اذ ان
جزءًا محترما من الأساتذه لم يتلقى تكوينا حول بيداغوجيا التعليم عن بعد ولا يتقن
الأساسيات في مجال التكنولوجيا الرقمية، وهذا ليس عيبا ولا تجنيا. كما ان العديد من أساتذتنا قد عبروا بصراحة عن
رفضهم لآلية التدريس عن بعد لعدم نجاعتها اكاديميا وبيداغوجيا في الأوضاع الحالية.
·
السبب الثالث هو جودة التكوين، اذ لا يمكن
للتكوين وفي الظروف المتردية للبلاد عموما ولمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي
خصوصا، ان يتحقق وان يحقق اهدافه.
·
السبب الرابع والأهم ويتعلق بمبدأ تكافئ
الفرص بين الطلبة: اذ أن من حق الطلبة أن يحظوا بفرص متكافئة في دراستهم وتعليمهم،
بغض النظر عن الفئات والطبقات والأوساط الاجتماعية والثقافية التي ينحدرون منها.
فحق التعليم ومبدأ تكافئ الفرص يشكل أحد الأعمدة الأساسية لمجتمع عادل، وضرب هذا
المبدأ هو أيضا ضرب لأحد المصاعد الاجتماعية التي قد تمكن الطلبة بعد تفوقهم
وتحصيلهم لشهاداتهم من النهوض بأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وأوضاع اسرهم كذلك.
حسب الأرقام الرسمية
لوزارة تكنولوجيا الاتصال والمعهد الوطني للاحصاء، فقط 33،08% من البيوت فيها جهاز حاسوب، العائلات التي تتصل
بالانترنات لا تتجاوز 44,5% سنة 2017، فقط 28،75% منهم لهم اتصال متواصل
بالانترنات (adsl) .. كذلك فإن هذه النسب تخفي تفاوتا كبيرا بين الجهات،
مثلا: تونس والتي تعتبر ولاية "محظوظة" فيها 46.86% لهم اتصال
بالانترنات في حين ان القيروان مثلا 10،38% فقط.
هذا
يعني ان نصف العائلات
التونسية تقريبا مازالت خارج تغطية الانترنات، وبالتالي فإن أبناءها من الطلبة مستثنون
من عملية التدريس عن بعد، وأن الاتصال بالانترنات في ما يخص النصف الآخر في معظمه ضعيف
ومتقطع ولا يمكن أن يؤمن دروسا دورية ومنتظمة عن بعد
.وبما
ان هذه النسب هي نسب عامة وتخفي تفاوتا ككبيرا فإن الوضعية تتفاقم بلا شك في بعض الولايات.
لقد
رفضنا بناءًا على هذه الأسباب آلية التعليم عن بعد كمخرج لانقاذ السنة الجامعية، ولكن
هذا لا يعني بتاتا رفضنا للتعليم عن بعد من حيث الأصل والمبدأ اذا ما توفرت شروطه،
وقد وضحت الرفيقة الأمينة العامة وردة عتيڨ في اللقاء التلفزي البارحة (بتاريخ
31/03/2020) هذه المسألة.
الفترة
الثانية بدأت بعد موجة الرفض الكبيرة لقرار التعليم عن بعد كحل لانقاذ السنة، وقد كانت
منظمتنا بالاضافة الى الجامعة العامة للتعليم العالي التابعة لاتحاد الشغل من ابرز
المعارضين له، في حين اعلنت المنظمة الموازية دعمها للتعليم عن بعد في بيان بتاريخ
15 مارس ثم قلبت الفيستا في 18 مارس ببيان رافض له.
وقد
أكدت وزارة التعليم العالي بعد سلسلة من الاجتماعات واللقاءَات وضغط من الأطراف النقابية،
على ان التعليم عن بعد لن يعوض الدروس الحضورية وعلى أن الامتحانات ستجرى بصفة حضورية.
لقد
تميزت هذه الفترة بتباين في أوجه النظر داخل القواعد الطلابية والاتحاديات والاتحاديين،
بين الموقف الاقصى الداعي للتهديد بمقاطعة الامتحانات في صورة مواصلة الوزارة في تعنتها
واقرارها للتدريس عن بعد
(الموقف الوطني الرسمي)، والموقف
الأدنى الداعي لمواصلة تحصيل مكاسب نقابية والتفاوض مع الوزارة حول تثبيت الصيغة التكميلية
والاختيارية للدروس عن بعد وحول عدم تعويضها بأي شكل من أشكال للدروس الحضورية وبالتالي
عدم اعتمادها كمواد للامتحانات (مثال موقف مكتب جامعة
تونس كمثال)
وهو
تباين عادي في منظمة طلابية ديمقراطية مثل الاتحاد.
والى
الآن مازال ملف التدريس عن بعد لم يغلق بعد.
2. ما الفرق بين الاتحاد العام
لطلبة تونس وبين المنظمة الموازية؟
معركة
التعليم عن بعد كانت ايضا محطة فرز لمواقف مختلف المنظمات في الساحة الطلابية، وفي
حين اظهر الاتحاد العام لطلبة تونس ثباتا ووضوحا في مواقفه ومبادئه، بقيت المنظمة الموازية
تتأرجح بين قبول ورفض وقبول مشروط. وللطالب أن يتساءل هنا: ماهو الفرق بين المنظمتين؟
ولماذا يقفان على طرف النقيض وماهو اصل هذه الاختلافات والصراعات؟
بداية، عليك أن
تعرف عزيزي/عزيزتي القارئ(ة) أن الاتحاد العام لطلبة تونس منظمة طلابية عريقة تأسست
في 1952، أي في فترة الاستعمار وقبل تأسيس الجمهورية التونسية! في حين أن المنظمة الاخرى
تأسست في الثمانينات وبالتحديد في 1986 بالتوازي مع صعود حركة الاتجاه الاسلامي (النهضة)
في تونس. فلسائل ان يسأل: لماذا لم ينخرط مؤسسو هذه المنظمة في النقابة الموجودة آنذاك
وهي الاتحاد العام لطلبة تونس؟ ولماذا تزامن تأسيس منظمتهم مع حركة الاتجاه الاسلامي
وتصاعدها الذي لا يمكن فصله عن سياق الحرب الباردة ومخططات القوى الامبريالية العالمية
للرهان على قوى الاسلام السياسي كعميل احتياطي لها في الدول التابعة؟ (نموذج تسليح
الامريكان لقوات طالبان الارهابية وتدريبهم لها ضد الاتحاد السوفياتي)
لعلك اذا عزيزي/عزيزتي
القارئ(ة) بدأت تتلمس احدى اوجه الاختلاف بيننا،
فالمنظمة الموازية شكّلت ومازالت ذراعا طلابيا لحركة النهضة الاسلامية، وليس تأسيسها
في الثمانينات رغم وجود الاتحاد العام لطلبة تونس، الا ضربا لوحدة الصف الطلابي وشقا
له باسم "التعددية النقابية". ثم ان هذه المنظمة شكلت ومازالت امتدادا للنهضة
وشبابها في الجامعة محاطة بلفيف واسع من الطلبة المستقلين المخدوعين. (وأتحدث هنا عن
طلبة مستقلين فعلا وليس اشباه المستقلين).
بالاضافة الى شق
الصف الطلابي، وتمثيل امتداد لحركة النهضة الاخوانية وشبابها في الجامعة، فإن هذه المنظمة
(ويجزم البعض انها تشكلت بعد الثورة تحت صبغة جمعية) لم تحسم مثل
ما حسم الاتحاد العام لطلبة تونس في ملحمة فيفري 1972 ضد الطلبة الدساترة الذين ارادوا
اخضاعه للحزب الحاكم آنذاك، لم تحسم في علاقتها السياسية والتنظيمية بالسلطة وحزب السلطة
حركة النهضة بعد الثورة وهذه ايضا نقطة خلافية بيننا. اذ
ليس من المعقول ان تكون في السلطة وفي المعارضة في نفس الوقت وأن تدعي التعبير عن ارادة
الطلبة والدفاع عن مصالحهم.
ولكم في التدريس
عن بعد خير مثال، فعندما اعلن وزير التعليم العالي سليم شورى (وهو وزير نهضاوي) عن
آلية التدريس عن بعد لانقاذ السنة الجامعية، كان موقف شباب حركة النهضة داعما له، كما
كان ايضا موقف المنظمة الموازية ايجاتيو في بيانها الرسمي بتاريخ 15 مارس داعما له
ايضا رغم تعارض القرار مع مصالح الطلبة. وبالتلي فإن عدم القطع سياسيا وتنظيميا مع
السلطة يعني في ما يعنيه عدم الدفاع عن الطلبة بل وتدجين الحركة الطلابية لتصبح ملحقا
للسلطة والأحزاب الحاكمة.
ان الخلاف اذا بين
الاتحاد العام لطلبة تونس الداعي للديمقراطية والحرية والتقدم، والمفتوح لعموم الطلبة
على ارضية القطيعة مع السلطة والدفاع عن الجامعة الشعبية والتعليم الديمقراطي والثقافة
الوطنية النيرة، وبين الذراع الطلابي للنهضة يتجاوز المسألة الايديولوجية الى مسائل
لها علاقة مباشرة بمصالح الطلبة المادية والمعنوية
ولها علاقة مباشرة
باستقلالية الحركة الطلابية وارتباطها بالحركة الشعبية.
في نهاية التعليق،
نعرج على مسألة الشعارات المركزية للاتحاد العام لطلبة تونس ونشيده الرسمي والذي سعت
المنظمة الموازية بدأب الى سرقتها والسطو عليها بكل وقاحة مدعية أن هذه الشعارات هي
شعارات الحركة الطلابية عموما، وان النشيد هو نشيد الاتحاد العام التونسي للشغل...
نريد ان نقول لهؤلاء بكل ثقة: انكم تجهلون التاريخ.. فنشيد الاتحاد العام لطلبة تونس
ومطلعه "رغم عصف الآلم رغم قيد و دم "، كتبه الشاعر ادم فتحي ولحنه احمد
فؤاد نجم.. اما شعارات الاتحاد فهي شعارات معارك وملاحم نضالية خاضها طلبة نقابيات
ونقابيون يساريون وديمقراطيون وتقدميون من اجل تثبيث خط المنظمة واستقلاليتها عن حزب
الدستور وعلى رأسها ملحمة فيفري 1972، حيث سال دم الاتحاديين في مقارعة النظام ودفاعا
عن الجامعة الشعبية والتعليم الديمقراطي والثقافة الوطنية..
فأين كنتم حينها؟

Aucun commentaire:
اضافة تعليق