كوفيد 19: من أزمة صحية الى أزمة اقتصادية اجتماعية وسياسية..


كوفيد 19: من أزمة صحية الى أزمة اقتصادية اجتماعية وسياسية..

بقلم عزيز بن جمعة




تجاوز عدد المصابين بفيروس كورونا في العالم ال800 ألف، أودى منهم الفايروس بحياة حوالي الـ40 ألفا. وتعيش تونس صراعا مثلها مثل بقية العالم ضد هذا الفيروس، خاصة بعد تسجيل اولى الإصابات في بداية مارس، ثم تصنيف منظمة الصحة العالمية في 11 مارس لكورونا بـ"الجائحة"، لتدخل بلادنا في ما بعد في 22 مارس في حجر صحي شامل.
أزمة صحية..
وصل عدد الحالات المؤكدة في تونس الى 362 حالة شفيت منهم ثلاث حالات وتوفي منهم تسعة، وسط مخاوف بمزيد تصاعد عدد الحالات المؤكدة خاصة أمام القفزة الكبيرة الحاصلة في الأيام الأخيرة.
ان فترات الأوبئة والجوائح تكشف بحق قوة وتماسك المنظومات الصحية، ولكم على سبيل المثال الدول الأوروبية الخمس الأولى من حيث عدد الاصابات، ألا وهي ايطاليا واسبانيا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة. فحيث أن ألمانيا في المرتبة الثالثة بعد ايطاليا واسبانيا في عدد الاصابات بحوالي 67051 اصابة تقريبا فإن عدد الوفايات يناهز الـ651 أي أن جملة الوفايات من اصابات كورونا لم تتجاوز الـ1%، في حين تقفز النسبة في ايطاليا الى 11,39% وتتأرجح بين 6% و7% في كل من فرنسا والمملكة المتحدة.
في ما يخص بلادنا، ورغم ان الاحصائيات تثبت ان تونس لم تتجاوز بعد الـ3% الا ان العديد من الخبراء يرجحون ارتفاع هذه النسبة خاصة من المنحنى الآسي (exponentielle) الذي يتخذه تطور حالات الاصابة، وضعف منظومتنا الصحية والاشكاليات التي يتعرض لها المبلغون عن حالاتهم عند الاتصال بالارقام المخصصة (منها الـ190).
إن منظومتنا الصحية قد كانت ولا تزال تعاني التهميش والتهرئة ولطالما نبه حزب العمال لهذه المسألة ولخطورة التلاعب بصحة التونسيين واستقالة الدولة التدريجية من واجباتها في قطاع الصحة العمومية.. إن جريمة تدمير المرفق الصحي العمومي هي أساسا من صنيع المنظومة النوفمبرية وزادت في ضربها وتدميرها منظومات الحكم التي تلت الثورة (الترويكا وتحالف النهضة والنداء ثم تحالف يوسف الشاهد والنهضة) اذ لا تسجل الارقام الرسمية ارتفاعا لعدد المنشآت الصحية العمومية، العامة منها والجهوية والمحلية، كما لا يوجد تطور في حجم الاستثمارات العمومية في قطاع الصحة بل نسجل تراجعا كبيرا في جودة الخدمات الصحية وبنية المنشآت والتجهيزات التي فيها وتراجعا في عدد المستشفيات (مثلا من 109 مستشفى محلي سنة 2008 الى 108 سنة 2016 ومن 33 مستشفى جهوي سنة 2008 الى 32 سنة 2016).
يكفي ان نذكر ان نسبة ميزانية الصحة (والتي تتنزل ضمن مقاربة حكومية تقشفية أملاها صندوق النقد الدولي بعد الثورة) مقارنة بالميزانية العامة للدولة في 2020 لا تتجاوز 5,4% ونسبتها في 2019 تقارب 5,1% مع العلم ان 78% من ميزانية وزارة الصحة مخصصة للأجور والتسيير فقط في حين تنقسم البقية على التنمية والتطوير والصيانة.
إن الظروف المادية واللوجستية والبشرية لقطاع الصحة العمومية وميزانيته الهزيلة بالاضافة الى تراجعه خلال السنوات السابقة على كل المستويات يجعله غير قادر على تأمين الحاجيات الصحية الأساسية لأكثر من 11 مليون تونسي، وهو ما يفسر تغول القطاع الخاص عبر زيادة عدد المستشفيات الخاصة واحتكارها لأكثر من 70 من التجهيزات الطبية الثقيلة بالاضافة الى احتكار انواع محددة من العمليات الجراحية الدقيقة. إن قطاع الصحة العمومية وحده غير قادر على مجابهة وباء الكورونا وهو ما دفعنا ايضا الى المطالبة باخضاع القطاع الخاص في الصحة للدولة في هذه الفترة.
تعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية..
دخلت تونس سنة 2020 بحصيلة اقتصادية هزيلة جدا حطمت فيها نسب المديونية والعجز التجاري ارقاما قياسية لم تعرفها بلادنا في تاريخها، بالاضافة الى نسبة نمو في حدود الـ1%، وسط صراعات سياسية تمخضت عنها حكومة السيد الياس الفخفاخ التي وجدت نفسها مباشرة أمام تحدي الكورونا.
فماذا قدمت حكومة الفخفاخ في هذه الأزمة؟ اعلن رئيس الحكومة عن حزمة من الاجراءَات الاقتصادية والاجتماعية، على مضض وتحت ضغط المديونية والمالية العمومية التقشفية، تقدر بـ 2,5 مليار دينار كانت حصة الفئات الهشة والاكثر تضررا تمثل 450 مليون دينار منها فقط! (300 مليون دينار للمحالين على البطالة الفنية و150 مليون دينار مخصص للفئات الفقيرة وحاملي الاعاقة)..
في حين تم تخصيص اكثر من 1200 مليون دينار للشركات والمؤسسات منها ما جاء في شكل صناديق استثمارية بملغ قيمته 700 مليون دينار لهيكلة المؤسسات المتضرّرة، و منها ما جاء في شكل خط تمويل بقيمة 500 مليون دينار لانعاش المؤسسات الاقتصادية، مع تمتيع كل المؤسسات الاقتصادية من امكانية استرجاع الاداء على القيمة المضافة واعفاء جبائي وديواني لمؤسسات معينة.
ان الاجراءَات التي اتخذتها حكومة الفخفاخ لا تكفي بل وستأدي حتما الى تأزيم الوضع الاقتصادي والاجتماعي اكثر، اذ لم تقدم الحكومة اية حلول للعمال والتقنيين في القطاع الخاص الذين مازال يُجبر كثير منهم على العمل في ظل هذه الظروف، ولم تقدم اية اجراءَات تذكر لفائدة صغار ومتوسطي الفلاحين او للعمال الفلاحيين أو لصغار التجار والحرفيين وأصحاب المقاهي والمطاعم والمحلات التجاريه وللذين يعملون فيها.. لم تقدم شيئا للعاملين في القطاع غير المهيكل ولمئات الآلاف من الفقراء غير المسجلين في قائمات وزارة الشؤون الاجتماعية وللمسحوقين، أولئك الذين يجمعون المواد البلاستيكية للعيش او الذين ينصبون "الطابونة" والخبيزة والمعدنوس"..
لقد حذر حزب العمال منذ بداية الأزمة الصحية الى ضرورة التعامل الجدي والصارم مع وباء الكورونا، كما حذر من تحول الأزمة الصحية الى ازمة اقتصادية واجتماعية وسياسية خاصة مع حصيلة اقتصادية هزيلة لـ2019 ومع كساد اقتصادي كبير يهدد الاقتصاد الوطني والعالمي.
ولذلك دعى حزب العمال الى اتخاذ تدابير جريئة وصارمة وسريعة، مثل مركزة الدولة لتجارة الجملة ووضع استراتيجية واضحة لادارة مسالك التوزيع والتصدي للمحتكرين،.. تعليق تسديد الديون من اجل توفير اكثر من 11 الف مليار مليم وفرض ضريبة استثنائية على الشركات الكبرى التي تحقّق أرباحا كبيرة (البنوك وشركات التأمين، الفضاأت التجارية الكبرى، الشركات البترولية الخ...) مساهمة في مقاومة الوباء يتم رصدها كلها لدعم القطاع الصحي ولاحتواء الأزمة صحيا واقتصاديا واجتماعيا ومساعدة الشعب التونسي وخاصة طبقاته وفئاته الكادحة والفقيرة والهشة.. إجراءَات عاجلة لإنعاش الموسم الفلاحي وانقاذه ممّا يقتضي توفير مستلزمات الإنتاج للفلاّحين وتعليق سداد ديونهم والغاء مديونية الصغار منهم، بما يوفّر للشعب الضروريات الدنيا من الغذاء..الخ
وطبيعي اذا ان الزام المواطنين بالحجر الصحي في بيوتهم واعتماد المقاربة الأمنية دون تمكينهم من الأساسيات الحيوية من غذاء ودواء وكساء سيفشل مع طول المدة وستبدأ اكثر الفئات والشرائح الشعبية تضررا بالتمرد والاحتجاج مثل ما حدث في المنيهلة مؤخرا وفي باب سويقة.
لقد بدأ شبح السخط والإحتقان يحوم في الأزقة والأحياء الشعبية كما كان متوقعا.. فالاجراءَات الهزيلة والمتأخرة التي اتخذتها الدولة كانت طبقية بامتياز.. ولذلك فإن الرد الشعبي، وفي صورة تواصل الوضع طويلا، سيكون أيضا طبقيا.

Aucun commentaire:

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2020 Vis a Vis
تصميم : هاشم سحبي