حرب العصابات الجزء 6

حرب العصابات الجزء 6


القسم الثالث
 
تنظيم جبهة الغوار


 
 
 
1 – التموين
إن تموين تشكيلة الغوار على نحو صحيح هو أمر جوهري. ينبغي أن تستطيع الجماعة إيجادها أودها من منتجات الأرض، بينما هي تمكَّن الفلاحين الذين يقدمون هذه المنتجات أن يجدوا أودهم فيها أيضاً. لا يستطيع المغاور، في النضال الشاق الذي يخوضه – ولا سيما في البدء – أن ينتج بنفسه أي شيء، خاصة إذا وجد في أرض سالكة لأرتال القمع. وبقدر ما تنمو تشكيلة الغوار، عليها أن تؤمَّن لنفسها منابع تموين بعيدة عن مناطق القتال. تعيش في البدء مما ينتجه الفلاحون فقط. قد تستطيع المِيرة[54] من بعض المراكز، ولكنها لا تستطيع أبداً أن تنشىء شبكات تموينية لأنها تفتقر بعد إلى الأرض التي تقيمها عليها. إذن تتكيف شبكة التموين ومثلها تخزين المؤن بتطور الصراع.
يجب كسب ثقة سكان المنطقة كلياً وقبل كل شيء. ويتم الفوز بها باتخاذ موقف إيجابي من مشاكلهم، بمساعدتهم وتوجيههم باستمرار، بالدفاع عن مصالحهم وبمعاقبة الذين يستغلون الفوضى لطرد الفلاحين من أراضيهم والاستيلاء على محاصيلهم وإقراضهم بالربا.
يجب أن يكون الخط المتبع مرناً وصلباً في آن. يكون مرناً بانتهاج التعاون العفوي مع كل الذين يعطفون باخلاص على الحركة الثورية. ويكون صلباً تجاه الذين يهاجمون الحركة الثورية مباشرة، مثيرين التفرقة أو ناقلين معلومات هامة إلى جيش العدو.
يتم الإشراف على المنطقة شيئاً فشيئاً ويمكن عندها اعتماد حرية حركة أكبر. يجب اتخاذ مبدأ أساسي هو دفع أثمان البضائع المأخوذة من الأصدقاء دوماً، سواء أكانت منتجات زراعية أو سلعاً تجارية. كثيراً ما تكون هذه البضائع هدايا، غير أن ظروف حياة الفلاح تحول أحياناً دون هذه الهبات. وقد تفرض ضرورات الحرب مهاجمة بعض المتاجر، دون إمكان الدفع. يجب دوماً في هذه الحالات إعطاء التاجر إيصالاً، سند إقرار بالدين، من "سندات الأمل" التي ذكرناها آنفاً. ولكنه يفضَّل استخدام هذه الوسيلة مع أناس موجودين خارج حدود المنطقة المحررة، وتسديدها في أسرع وقت ولو جزئياً.
ومتى تحسنت الظروف بكفاية لتسمح بالاحتفاظ بصورة دائمة بأرض لا يطالها جيش العدو، أمكننا أن نعمد عندئذ إلى البذار بصورة جماعية. يشتغل الفلاحون الأرض لصالح جيش الغوار، فيضمنون بذلك مصدراً ثابتاً للتموين.
وإذ كان عدد المغاوير المتطوعين يتجاوز عدد الأسلحة، وإذا كانت الظروف السياسية تحول دون نزول هؤلاء الرجال إلى المناطق الخاضعة للعدو، يمكن للجيش الثائر أن يدع رجاله وكافة المجندين فيه يشتغلون الأرض، ويجنون المنتجات التي تضمن التموين. يملأ هؤلاء المتطوعون بذلك سجلات خدمتهم التي تفيد فيما بعد لترقيتهم إلى صفوف المقاتلين. غير أنه يُفضَّل أن يتم البذار على يد الفلاحين أنفسهم، لأنهم ينجزون العمل بحماس أكبر وكفاءة أعظم. ويمكن التوصل، في مرحلة أكثر تقدماً، إلى شراء محاصيل برمتها وتخزينها لاستعمال الجيش، سواء في الهواء الطلق أو في المخازن، حسب طبيعة السلع.
وعندما يتم إنشاء هيئات مكلفة بتموين السكان الفلاحين أيضاً، يتم تجميع كل السلع لدى هذه الهيئات، لإجراء عمليات مقايضة بين الفلاحين، بوساطة الجيش الثائر.
وإذا تحسنت الظروف أكثر، أمكن تحديد الضرائب. يجب أن تكون أخف ما يمكن، لا سيما على المنتج الصغير. ويجب السهر، فوق كل شيء، على العلاقات الطيبة بين طبقة الفلاحين وبين الجيش الثائر الذي هو فيض منها.
يمكن أن تُجْبَى الضرائب نقداً أو بشكل حصص من المحصول تأتي لترفد الاحتياطات. اللحم مثلاً سلعة في المقام الأول من الضرورة، فيجب ضمان إنتاجه وحفظه. ويتم بالتعاون مع الفلاحين إنشاء مزارع لتربية الدجاج والماعز والخنازير، التي تُشْتَرى من كبار الملاك أو تُصَادر منهم، وإذا كانت المنطقة غير آمنة، يبدو الفلاحون فيها بمظهر مَن لا علاقة له بالغوارة. ومن المعتاد في مناطق الملكيات الكبرى أن تتوفر الماشية بكميات كبيرة، فتذبح وتملّح. فإذا ما حفظ اللحم بهذه الشروط، بقي صالحاً للاستهلاك مدة طويلة.
تنتج الماشية الجلد أيضاً. يمكن إقامة صناعة دباغة بدائية إلى حد ما، تسمح بتوفير المادة الأولية للأحذية، وهي لوازم لا يستغني المغاور عنها. يمكن القول، بصورة عامة، إن الأغذية التي لا غنى عنها هي: اللحم، الملح، بعض الخضار أو الأدران أو البذور. ينتج الفلاح الغذاء الأساسي دائماً، وهو المالانغا في المناطق الجبلية من مقاطعة أوريينته (كوبا)، والذرة في المناطق الجبلية من المكسيك وأمريكا الوسطى والبيرو، والبطاطا في البيرو أيضاً، وهو الماشية في بلدان أخرى كالأرجنتين، وهو القمح في سواها. يجب بأية حال ضمان تموين الفرقة بالغذاء الأساسي، وببعض المواد الدسمة الحيوانية أو النباتية التي تسمح بإغناء التغذية.
الملح حاجة لا غنى عنها. عندما نكون على مقربة من البحر ونستطيع بلوغه، ينبغي إنشاء مَجَفَّات[55] صغيرة للملح فوراً، لتكوين احتياط منه. ولا يسعنا نسيان أنه يسهل فرض الحصار على المنطقة الجبلية، التي تكاد لا تنتج شيئاً، فيؤدي الحصار إلى إفقار المنطقة على نحو بالغ. ويستحسن أن تتوقع المنظمة الفلاحية والمنظمات المدنية عامة هذا الاحتمال. يجب أن تتوفر لدى الفلاحين احتياطات غذائية ليستطيعوا البقاء خلال أشد فترات النضال قسوة. يجب الاجتهاد بسرعة لتكوين مخزونات من السلع غير التالفة كالحبوب: ذرة، قمح، ارز... إلخ، والدقيق، والملح، والسكر، والمحفوظات بكافة أنواعها، ويجب القيام بالبذار الضروري أيضاً.
سوف يأتي يوم يتم فيه حل كافة المسائل الغذائية في المنطقة، غير أن كمية كبيرة من المنتجات الأخرى تبقى ضرورية، كالجلد مثلاً للأحذية (إذا تعذر إنشاء صناعة للجلد)، والكتَّان للألبسة، ولوازم أخرى كالورق وآلات الطباعة للصحف والحبر... إلخ.
وكلما استكملت الغوارة تنظيمها، ازدادت حاجتها لأصناف تأتي من العالم الخارجي. فيصبح ضرورياً عندئذ أن تؤدي منظمة خطوط التموين عملها على وجه الكمال. تقوم هذه المنظمة بصورة أساسية بواسطة الفلاحين الأصدقاء. ويجب أن تكون بنيتها ذات قطبين، أي تكون لها نهاية في المدينة من جهة، ونهاية في جبهة الغوار من الجهة الأخرى. وتجتاز خطوط التموين، ابتداء من مناطق الغوار، كل الأرض التي يمكن أن يمر فيها العتاد. وسوف يألف الفلاحون الخطر شيئاً فشيئاً (يمكنهم إتيان العجب العجاب إذا عملوا في جماعات صغيرة)، فينقلون العتاد إلى المكان المحدد دون أن يعانوا أخطاراً بالغة. يمكن إجراء هذه التنقلات ليلاً على البغال أو أية زوامِل[56] أخرى، وحتى بسيارات الشحن في بعض المناطق، فيتم بذلك ضمان تموين منتظم. والمقصود ههنا نمط من خطوط التموين وارد من الأنحاء القريبة من أمكنة العمليات.
بيد أنه يجب أيضاً تنظيم خطوط تموين واردة من مناطق أكثر بعداً. وينبغي لهذه المناطق، بالإضافة إلى العتاد غير المتوفر في القرى أو مدن المقاطعات، أن تقدم المال اللازم للشراء.
تعيش المنظمة من هِبَات الأصدقاء المباشرة، وتعطي لقاءها إيصالات سرية، ويجب أن يكون القائمون على تعاطي هذه الأمور خاضعين لرقابة شديدة. وعندما تخرج غوارة من مأرِز عملياتها لتداهم منطقة جديدة، يمكنها تسديد مشترياتها نقداً أو بـ"سندات الأمل". وفي هذه الحالة، ليس ثمة حل غير أخذ بضائع التجار. ويتبع التسديد عندئذ إلى أمانة الغوارة أو إلى إمكاناتها المالية.
تحتاج كافة خطوط التموين التي تجتاز الريف إلى سلسلة من المحطات أو نهايات المراحل، المنشأة في بيوت خاصة، يمكن إخفاء المؤن فيها في النهار، حتى الليل التالي. ولا يجوز أن يعرف هذه البيوت غير أولئك المكلفين مباشرة بالتموين. ويجب أن يعرف أهل هذه البيوت أنفسهم أقل ما يمكن عن هذه النقليات وأن يكونوا طبعاً أشخاصاً يوحون للمنظمة بأكبر قدر من الثقة.
البغل أكثر الدواب ملاءمة لنقل المؤن. للبغل طاقة احتمال لا تصدق، ويستطيع التجوال في أشد المناطق وعورة، حاملاً أكثر من مئة كيلو طوال أيام وأيام. وتجعل منه قناعته وسيلة النقل المثلى. يجب أن يكون حافره حسن الأنعال وأن يَعْتَني بالبغل بَغَّالون حاذقون. يمكن على هذا النحو تجنيد جيش حقيقي عظيم الفائدة، يدبّ على أربع. وقد يحصل، رغم صبر البغل وطاقته على احتمال أصعب المراحل، أن تؤدي صعوبة أحد المسالك إلى وجوب تخفيف الأحمال عنه. ولتجنب ذلك يكلف فريق خاص بتحديد معالم الدروب الجبلية. فإذا ما اجتمعت كل هذه الظروف، وإذا توفر تنظيم متين وإذا أقام الجيش الثائر أطيب العلاقات مع الفلاحين، تم ضمان التموين بانتظام.


 
 
 
2 – المنظمة المدنية
إن التنظيم المدني للحركة الانتفاضية أمر بالغ الأهمية، وذلك على الجبهتين الداخلية والخارجية. وللجبهتين طبعاً، موائز ووظائف متباينة إلى حد بعيد، وإن تم تصنيف مهماتهما تحت تسمية واحدة. فجباية المال التي يمكن أن تقوم بها الجبهة الخارجية مثلاً تختلف عن جباية الجبهة الداخلية. ومثلها شأن الدعاية، أو التموين. وسوف نصف أولاً مهمات الجبهة الداخلية.
نقصد بالجبهة الداخلية منطقة واقعة ولو جزئياً تحت إشراف قوى التحرر، ومؤاتية للغوار. أما عندما ينتشر قتال الغوار في أرض مجافية له، فلا يتوطد تنظيم الغوار فيها عمقاً، بل اتساعاً، لأنه يصيب نقاطاً متزايدة العدد، ولكنه لا يستطيع تحقيق تنظيم داخلي، لأن العدو متوغل في المنطقة. ويمكن في الجبهة الداخلية توفر سلسلة من المنظمات التي تؤدي وظائف نوعية لتحسين عمل الإدارة. تعود الدعاية، بصورة عامة، مباشرة إلى الجيش، غير أنه يمكن فصلها مع بقائها تحت إشرافه (وهذه المسألة، بأية حال، هامة إلى حد يجعلني أعالجها على حدة فيما بعد). وتعود جباية الضرائب إلى المنظمة المدنية، ومثلها تنظيم الفلاحين بصورة عامة (والعمال إن وجدوا)، وينبغي أن يخضع هذان الأمران إلى إشراف محكمة.
وكما أوضحنا في الفصل السابق، يمكن تحقيق الجباية بأشكال شتى، من ضرائب مباشرة وغير مباشرة وهِبَات ومصادرات. يؤلف كل ذلك جزءاً من الفصل الهام المتعلق بتموين جيش الغوار.
ينبغي الانتباه بشدة كي لا يؤدي عمل الجيش الثائر إلى إملاق[57] المنطقة، وإن كان عمله مسؤولاً عن ذلك بصورة غير مباشرة بسبب حصار العدو. إنها حجة تستخدمها دعاية العدو باستمرار. فينبغي لهذا السبب بالضبط، عدم إثارة أي سبب مباشر للنزاع. فيجب مثلاً أن لا يكون هناك أي نظام يمنع مالك محصول في المنطقة المحررة من بيع محصوله خارج هذه المنطقة، إلاَّ في حالات قصوى وبصورة مؤقتة، مع شرح الأسباب بوضوح للفلاحين. وخلال كل عمل يقوم به الجيش الثائر، ينبغي أن يشرح قسم الدعاية دائماً أسباب هذا العمل، وسوف يفهمه الفلاح بعامة فهماً تاماً، فقد صار هذا الجيش جيشه، طالما أن له فيه إبناً أو أخاً أو قريباً. ونظراً لأهمية العلاقات مع الفلاحين يجب إنشاء هيئات تسيِّر هذه العلاقات في مجرى محدد وتنظّمها. تقوم هذه الهيئات في المناطق المحررة، ولكنها تنشىء علاقات بالمناطق المجاورة أيضاً. وتستطيع هذه الهيئات، عن طريق المناطق المجاورة بالتحديد، أن تتوغل شيئاً فشيئاً فتسمح بذلك بتوسيع جبهة الغوار. يذيع الفلاحون الدعاية الشفهية والمكتوبة، ويحكون كيف يعيش الناس في المنطقة الأخرى، والقوانين التي أُبرِمَت فيها لحماية صغار الفلاحين، وروح الفِداء لدى الجيش الثائر، فيخلقون بذلك الجو الملائم لدعم هذا الجيش.
يجب أن تكون لمنظمات الفلاحين أيضاً تفرعات تسمح للجيش الثائر، عندما يرغب في ذلك، أن ينقل بعض المنتجات لبيعها في أرض العدو، عن طريق سلسلة من الوسطاء الذين يعملون مجاناً إلى حد متفاوت. ذلك أن التاجر، إذا كان تعلقه بالقضية يدفعه إلى معاناة بعض المخاطر، فإن ثمة تعلقاً بالمال أيضاً يدفعه إلى الإفادة من المخاطر عينها لجني الربح.
أشرنا عندما تكلمنا عن التموين إلى أهمية مصلحة إنشاء الطرق. فعندما تبلغ الغوارة درجة معينة من التطور، تنشىء مآرز ثابتة إلى حد ما، ولا تعود تتيه بلا موئل في مناطق مختلفة. يجب عندئذ إنشاء سلسلة من الدروب التي تتفاوت بين درب البغَّالة والطريق المعبَّدة. ينبغي النظر طبعاً في كفاءة الجيش الثائر للتنظيم، وفي قابلية العدو الهجومية، لأنه يستطيع تدمير طرق المواصلات هذه، كما يستطيع استخدام الدروب التي أنشأها المغاوير، لبلوغ معسكراتهم بسهولة. يجب اعتماد مبدأ جوهري هو أن الدروب معدة لتسهيل تموين المواضع التي ليس لها حل آخر، وأنه لا يجوز إنشاؤها إلاَّ إذا تم التأكد تقريباً من إمكان الصمود في الموضع أمام هجوم عنيف من جانب العدو. ويمكن القبول باستثناء من أجل الدروب التي تيسِّر الاتصال بين نقطتين ولكنها ليست حيوية فلا يؤلف إنشاؤها خطراً.
بَيْدَ أن ثمة وسائل مواصلات أخرى، كالهاتف مثلاً، الذي يمكن إقامته في الجبل بسهولة أكبر بقدر ما يمكن اتخاذ الأشجار أعمدة له، وهذا ما يستحيل على مراقبة العدو الجوية أن تميزه. ولكنه واضح أن ذلك لا يجوز إلاَّ في منطقة ليس للعدو إليها سبيل.
المحكمة هي الهيئة المركزية للعدالة والإدارة والقوانين الثورية، ولا غنى عنها لجيش غوار تم بناؤه في أرض محررة. يجب أن يتبوأ مسؤولية المحكمة شخص مطلع على قوانين البلد، والأفضل منه شخص يعرف الضرورات القانونية في المنطقة ويستطيع وضع سلسلة من المراسيم والأنظمة تساعد الفلاح على نَظْم الحياة وإقامة مؤسساتها داخل المنطقة الثائرة.
لقد وضعنا، إبان حرب غوارنا الكوبية، قانون عقوبات، وقانوناً مدنياً، ونظاماً للإصلاح الزراعي، ونظاماً لتموين الفلاح، وفي ما بعد قانون الإصلاح الزراعي في سييرا ماسترا. كما تتولى المحكمة، بالإضافة لما سبق، كل محاسبة الجماعات المسلحة المختلفة، وتشرف على مشاكلها المالية كافة، فتتدخل مباشرة أحياناً حتى في مسائل تموينها.
لنلاحظ أن كل هذه التوصيات الأسياسية ليست جامدة. إنها نتاج تجربة محددة جغرافياً وتاريخياً، ويمكن تعديلها وفق الُمعْطَيَات الواقعية لبيئة أخرى.
وينبغي من جهة أخرى بذل أكبر عناية بصحة سكان المنطقة. تقدم المشافي العسكرية المركزية العناية لكل فلاح على أتم وجه ممكن. ويتعلق ذلك أيضاً بالمرحلة التي بلغتها القوى الثورية.
تتعلق المشافي المدنية وصحة السكان المدنيين، بالجيش الثائر اللذي يضطلع بمهمة مزدوجة هي إسداء المعالجة للشعب وتثقيفه في ما يخص تحسين صحته. إن الجهل التام بأكثر أمور الصحة بداهة هو ما يجعل المسائل الصحية صعبة الحل لدى السكان، وهو ما يشدد الخطورة في وضع بائس أصلاً.
وعندما تتحضر الغوارة، عليها أن تنشىء المخازن، بأحسن إدارة ممكنة، لتؤمن حداً أدنى من الرقابة على البضائع، وبخاصة، لتتيح مراقبتها لكي توزع توزيعاً عادلاً.
تختلف المهمات في الجبهة الخارجية طبيعة واتساعاً. ينبغي أن تكون الدعاية، مثلاً، قومية وتعليمية في آن. يجب أن تشرح المظافر التي حققها رفاق الغوار، وتدعو العمال والفلاحين إلى خوض نضالات جماهيرية فعلية، وتقدم المعلومات عندما يمكن ذلك، حول الأظفار التي تم إحرازها في هذه الجبهة. يجب جباية الأموال بصورة سرية تماماً، ومع أعظم الاحتراز، وإقامة الفواصل في الخط الواصل بين الجابي الأول وبين خزينة المنظمة. ويجب تقسيم هذه المنطقة إلى مناطق تتكامل لتشكل كلاً واحداً. ويمكن أن تكون هذه المناطق مقاطعات، أو مدناً أو قرى، بحسب اتساع الحركة. ويجب أن توجد لجنة مالية في كل من هذه المناطق لتوجيه استخدام الواردات. وعندما يصبح نُهوج النضال متقدماً بما فيه الكفاية، يمكن جباية الضرائب، وسوف يدفعها حتى الصناعيون، إزاء القوة التي يؤلفها الجيش الثائر. يتم تنظيم التموين وفق حاجات الغوارات، بخطوط تموين متعددة، بحيث يستطاع توفير البضائع الشائعة من الجوار، بينما تجلب البضائع النادرة من المراكز الكبرى. يجب الاجتهاد في اختصار خط التموين إلى الحد الأقصى، وأن يعرفه أقل عدد ممكن من الناس، ففي ذلك ضمان لديمومته.
يتم تنظيم أعمال التخريب من قبل المنظمة المدنية الخارجية، وتنسق مع القيادة المركزية. تفرض بعض الظروف الخاصة ضرورة اللجوء إلى الإعدام الفردي، ويحسن تحليل هذه الظروف. غير أننا نعتبره سلبياً على وجه العموم، إلاَّ إذا أزال شخصاً اشتهر بجرائمه ضد الشعب وبنجاعته في القمع. وقد بيَّنت تجربتنا في النضال الكوبي أنه كان بالإمكان توفير أرواح رفاق ذوي قيمة غالية، وقد ضُحِّي بهم لإنجاز مهمات ثانوية، وقد أتْبَع العدو بهم، على سبيل الانتقام، رفاقاً آخرين كانت خسارتهم غير متناسبة مع النتيجة الحاصلة. لا يجوز استخدام الاغتيال والإرهاب الأعمى. يفضل القيام بعمل جماهيري، وتلقين المثل الأعلى الثوري، وإنضاجه، حتى تستطيع هذه الجماهير، يدعمها الجيش الثائر، أن تتعبأ في الوقت اللازم فترجح كفة الثورة.
ويجب لهذه الغاية عدم إهمال منظمات العمال والفلاحين الثورية، فهي تنشر المثل الأعلى الثوري في صفوفها، وتُقرىء منشورات الثورة وتنشرها، وتعلِّم الحقيقة، إذ ينبغي أن تكون الحقيقة أحد موائز الدعاية الثورية. يتم الفوز بالجماهير على هذا النحو شيئاً فشيئاً، ويمكن اصطفاء الذين يؤدون أحسن عمل لتجنيدهم في الجيش الثائر أو تسليمهم مسؤولية هامة.
هذا هو مخطط التنظيم المدني، داخل وخارج الأرض التي يشرف عليها الغوار في لحظة معينة من النضال الشعبي. ويمكن استكمال هذه العناصر إلى الحد الأقصى، لأني أكرر، أن هذه ليست إلاَّ تجربتنا الكوبية التي أعبر عنها ههنا. ويمكن أن تأتي تجارب جديدة فتغير من هذه الطرائق وتحسنها. فنحن نقدم مخططاً، لا توراة.
 
 


 
 
 
3 – دور المرأة
تستطيع المرأة أن تقوم، إبان تطور النهوج الثوري، بدور خارق الأهمية. ويحسن التذكير بذلك، لأنه يوجد في كل بلداننا ذات الذهنية الاستعمارية استصغار واضح لشأن المرأة، يصل حتى التمييز الحقيقي.
تستطيع المرأة أن تؤدي أصعب الأعمال وأن تقاتل إلى جانب الرجال، ولا تخلق في فرقة الجنود، كما يزعمون، نزاعاً من النمط الجنسي.
والمرأة رفيقة، تأتي في حياة القتال الشاقة بالصفات الخاصة بجنسها، ولكنها مثل الرجل تستطيع العمل والقتال. إنها أضعف ولكنها ليست أقل احتمالاً وتستطيع النجاح مثل الرجل بإنجاز طائفة من المهمات القتالية. وقد شغلت المرأة في كوبا دوراً في المقام الأول في أوقات مختلفة من النضال.
النساء المقاتلات هن الأقل عدداً بطبيعة الحال. وعندما يتم إنشاء جبهة داخلية متينة ونسعى قدر الإمكان إلى استبعاد المقاتلين الذين لا تتوفر فيهم الصفات الجسمية الضرورية، يمكن توجيه المرأة إلى عدد كبير من المهمات. ومن أهمها عمل الارتباط بين القوى المقاتلة المختلفة، ولا سيما في منطقة العدو. ينبغي تسليم نقل الرسائل أو المال، والأشياء ذات الحجم الصغير والأهمية الكبرى، إلى النساء المتمتعات بثقة مطلقة. أنهن يستطعن نقلها باستعمال ألف حيلة. وإذا كان القمع وحشياً، فإن معاملة المرأة تكون على العموم أقل قسوة من معاملة الرجل وتستطيع بذلك أن تنجح أكثر منه.
تتمتع المرأة التي تؤدي وظيفة عامل ارتباط بحرية أعظم بكثير من الرجل لإنجاز مهمتها. إنها أقل مجلبة للأنظار، وأقل إيحاء بالخطر لجندي العدو. علماً بأن خشية الخطر هذه هي التي كثيراً ما تحدو بجندي العدو أن يرتكب أعماله الوحشية خوفاً من المجهول. ويمكن للنساء أن ينقلن الرسائل بين الوحدات المنعزلة، والرسائل الموجهة إلى خارج الخطوط، وحتى إلى خارج الوطن، والأشياء ذات الحجم الصغير نوعاً ما كالرصاص مثلاً، كل ذلك في أحزمة خاصة تختفي تحت التنورة.
وتستطيع المرأة إبان هذه الفترة، أن تؤدي مهماتها المعتادة، كما في حالة السلم. وكم يكون الجندي سعيداً، وهو يعاني ظروف حرب الغوار القاسية جداً، أن يتمكن من الاعتداد بغذاء لذيذ، ذي طعم واضح (إن إحدى ضرورات الحرب المزعجة هي ازدراد طبيخ بشع لزج بارد، عديم الطعم). تستطيع طاهية أن تجوِّد الطعام بشكل محسوس ويسهل إبقاؤها في وظيفتها، لأن إحدى المسائل التي ينبغي مواجهتها هي أن الرجال لا يكترثون بالأعمال المدنية كلها ويحاولون دائماً أن يتخلوا عنها للانضمام إلى القوى المقاتلة فعلاً.
ومن أهم مهمات المرأة تعليم القراءة والسياسة لفلاحي المنطقة وللجنود الثوريين أنفسهم. ويجب أن يرتكز تسيير المدارس، وهو جزء من التنظيم المدني، بصورة أساسية على النساء اللواتي يستطعن إيحاء مزيد من الحماس للأولاد ومزيد من العطف للسكان.
وعندما تكون الجبهات قد استقرت وأضحت المؤخرة أمينة، تستطيع المرأة أن تمارس وظيفة الإسعاف الاجتماعي، فتحاول تلطيف الأرزاء الاقتصادية والاجتماعية قدر الإمكان في المنطقة.
تضطلع المرأة في الميدان الصحي بدور هام كممرضة، وأحياناً كطبيبة، تؤديه بلطف فائق لا يدانيها فيه رفيق السلاح الخشن. يقدّر هذا اللطف كثيراً في اللحظات التي يقف فيها الإنسان تجاه نفسه مُعْوزاً، محروماً من الرفاه، يعاني آلاماً قد تكون شديدة، ومعرضاً للمخاطر الكثيرة الخاصة بحرب الغوار.
وإذا ما تم بلوغ مرحلة إنشاء الصناعات الصغيرة، تستطيع المرأة هنا أيضاً أن تدلي بدلوها، ولا سيما لصنع الملابس، وهو دور تقليدي للنساء في بلدان أمريكا اللاتينية. وتستطيع إتيان العجب بآلة خياطة بسيطة وبعض النماذج. هذا وتستطيع المرأة أن تقوم مقام الرجل على أكمل وجه، وإنها لفاعلة، في سائر قطاعات التتنظيم المدني، وكذلك في حال الافتقار إلى من يحمل السلاح (وإن كانت هذه الحالة شديدة الندرة في حرب الغوار). يجب إسداء التهيئة الملائمة للرجال والنساء لاجتناب كل نوع من التجاوزات التي قد تُفْسِد أخلاق التشكيلة. غير أنه يجب السماح للأشخاص الذين يتحابون وهم غير متزوجين، وبعد أداء الشكليات البسيطة التي يقتضيها قانون الغوار، أن يعقدوا قرانهم في السييرا ويعيشوا الحياة الزوجية.


 
 
 
4 – الصحة
إن إحدى المسائل الخطيرة التي تواجه الغوارة هي افتقارها إلى ما تدفع به كل  الطوارىء التي تنشأ إبان وجودها، ولا سيما الجراح والأمراض، وما أكثرها في حرب الغوار. يؤدي الطبيب وظيفة بالغة الأهمية، فهو لا ينقذ الأرواح وحسب (كثيراً ما لا تكون وظيفته العملية ههنا ذات بال، نظراً لضآلة العتاد الذي يتوفر له عامة)، بل يضطلع أيضاً باستنهاض معنويات المريض، ويشعره أن بجانبه من يعنى بتخفيف آلامه والسهر عليه حتى زوال الخطر.
يتعلق تنظيم المشافي بالمرحلة التي بلغها الغوار، ويمكن تعداد ثلاثة أنماط أساسية من مؤسسات الإشفاء، يوافق كل منها إحدى المراحل.
لدينا في ترتيب التطور التاريخي مرحلة بداوة أولى، حيث يتنقل الطبيب، إن وجد، مع رفاقه باستمرار. إنه رجل في عدادهم، يؤدي كافة وظائف المغاور الأخرى، بما فيها وظيفة المقاتل. ويضطلع بمهمة مضنية ومقنطة أحياناً، إذ يعالج حالات يفتقر فيها إلى الدواء الذي يسمح له بانقاذ حياة بشرية. إنها المرحلة التي يتمتع فيها الطبيب بأعظم التأثير على الفرقة، وأعظم الأهمية بالنسبة لمعنوياتها. إنه يؤدي في هذه المرحلة مِهانته أداءً كاملاً، ويحمل في حقيبته المعوزة كل العون الذي يمكن أن يقدمه للناس. فإن قرص الأسبيرين البسيط يستحوذ الأهمية لدى الإنسان المتألم، إذا ما قدمته يد الصديق الذي يتحسس آلام الرجل ويشاطره إياها. يجب أن يندمج الطبيب تماماً بالمثل العليا للثورة، في هذه المرحلة الأولى، لأن كلامه سوف ينفذ أعمق من أي فرد سواه في الفرقة.
يمكن وصف المرحلة التالية بمرحلة نصف بدوية. إنها مرحلة المعسكرات التي تعرِّج الغوارة عليها، والبيوت الصديقة، الامينة تماماً، التي يمكن ترك العتاد فيها، وحتى الرفاق. فقد أخذت الفرقة تنحو منحى التحضر. إن مهمة الطبيب في هذه المرحلة أقل مشقة. ويمكنه أن يحوز في حقيبته تجهيزاً جراحياً للمعالجة الضرورية الأولى، وأن تتوفر له حقيبة أخرى، أهم شأناً، تودع في بيت صديق، للعمليات الأقل إلحاحاً. ويمكن ترك المرضى والجرحى ليعنى بهم الفلاحون الذين يسهرون عليهم برعاية، كما يمكن تخزين مزيد من الأدوية المصنفة تصنيفاً جيداً، في حرز أمين. ويمكن في هذه المرحلة نصف البدوية، وفي المناطق التي تثبت منعتها، إقامة مشافي في بعض البيوت، ليترك فيها المرضى والجرحى.
لا يمكن بناء تنظيم مشفوي حقيقي إلاَّ في المرحلة الثالثة، عندما تحرز الغوارة أخيراً مناطق لا يستطيع العدو الدخول إليها. وفي المرحلة الأكثر تقدماً، يمكن اعتماد ثلاث فئات من المراكز، حسب الإمكانات المتوفرة. الفئة الأولى على مستوى خط القتال، تتألف من الطبيب الذي هو مقاتل أيضاً، وهو أحب الرجال إلى الفرقة، ولا يحتاج أن تكون معلوماته عميقة جداً. إني أؤكد هذه النقطة لأن عمل الطبيب في هذه اللحظات هو قبل كل شيء عمل ترويح وتهيئة نفسية للمريض أو الجريح. أما العمل الطبي الحقيقي، فيتم في المشافي القائمة في المؤخرة. لا يجوز التضحية بجرَّاح كُفء في خطوط النار.
عندما يسقط رجل في الخط الأمامي، يحمله النقَّالون – إن وجدوا – إلى أول مركز. وإلاَّ، فيتولى رفاقه ذلك بأنفسهم. ينطوي نقل الجرحى في المنطقة الجبلية على مداراة بالغة الدقة. وربما كان نقل الجريح أصعب بسبب آلامه أكثر مما هو بسبب الجرح ذاته مهما كان بليغاً. ويمكن إجراء النقل بطرق مختلفة، تبعاً لأوصاف الأرض. لا يمكن السير إلاَّ رتلاً أحادياً في الأراضي الوعرة الشَجِرة، التي هي المثلى لحرب الغوار، وأفضل نقالة تكون شبكة نوم معلقة بعصا طويلة.
وينبغي أن يتناوب الرجال كثيراً، لأن أكتافهم سوف تؤلمهم ألماً عظيماً وسرعان ما يملُّون حمل ثقل كبير وبالغ الرقة. وعندما يجتاز الجريح هذا المأزق الأول، يصل وإضبارته إلى مركز يوجد فيه جرَّاحون وأخصائيون (تبعاً لإمكانات الفرقة طبعاً) يؤمنون كل العمليات الهامة.
أمَّا الفئة الثالثة، فهي المشافي المقامة مع أجود وسائل الترفيه الممكنة، للبحث في أسباب الأمراض التي يمكن أن تصيب سكان المنطقة وفي آثارها. توافق هذه المشافي حياة تامة التحضر وهي ليست مراكز عمليات ونقاهة وحسب، لكنها أيضاً منشآت متصلة بالسكان المدنيين، يقوم فيها خبراء صحيون بدورهم التوجيهي. كما ينبغي إنشاء مستوصفات تقوم بالرقابة الطبية على كل فرد. ويمكن بحسب إمكانات تموين المنظمة المدنية، أن تتوفر لمشافي الفئة الثالثة هذه تجهيزات تتيح لها التشخيص المخبري والشعاعي.
المعاونون الطبيون مفيدون جداً، إلى جانب الطبيب. إنهم فتيان في أغلب الأحيان، وهم أصحاب رسالة إلى حد ما، وتتوفر لديهم بعض المعلومات، وقوة جسمية كافية، لكنهم غير مسلحين، إما بسبب عقيدتهم الشخصية، أو – وهذا هو الأغلب – لأن السلاح غير كاف للجميع. يتولى هؤلاء المعاونون مسؤولية الأدوية والنقَّالات والشبكات بمجموعها، وعليهم أن يعنوا بالجرحى في كل قتال.
إن عمال الارتباط المتصلون بمنظمات الصحة الموجودة في مؤخرة خطوط العدو، هم الذين يؤمَّنون الأدوية اللازمة، حتى لو أمكن الحصول عليها أحياناً بوسائل أخرى بواسطة الصليب الأحمر الدولي. بَيْدَ أنه لا يجوز التعويل على هذا الاحتمال الأخير، سيما في بدء النضال. لذا يجب تنظيم جملة قادرة على نقل الأدوية ذات الضرورة الملحة بسرعة، وعلى تلبية حاجات المشافي العسكرية والمدنية على السواء. كما ينبغي، بالإضافة، إقامة الصلات مع أطباء القصبات المجاورة، الخليقين باجراء إحدى العمليات، عندما تعوز طبيب الغوارة الوسائل أو الكفاءة لإجرائها بنفسه.
يستلزم هذا النمط من الحرب فئات مختلفة من الأطباء: الطبيب المقاتل، رفيق الرجال، وهو نموذج طبيب المرحلة الأولى. وتتضاءل وظيفته بقدر ما يغدو عمل الغوارة أكثر تعقيداً وبقدر ما يمكن بناء سلسلة من الهيئات الملحقة بها، فيغدو الجرَّاحون العامون عندئذ أفضل المجنّدين في الجيش الثائر. والأمثل وجود اختصاصي في التخدير، حتى لو كانت العمليات تجرى اعتماداً على اللارغاكتيل أو البانتوتال الصودي، اللذين هما أسهل إعطاءً للمريض من المخدرات الغازية وأسهل توفيراً وحفظاً. وبالإضافة إلى الجراحين العامين، فإن المجبَّرين مفيدون جداً، لأن طبيعة الأرض الجبلية تسبب كسوراً كثيرة. كما ينبغي للطبيب أن يعالج جماهير الفلاحين أيضاً، إذ أن أمراض جيوش المغاوير هي، بعامة، سهلة التشخيص، أما الأمراض الناجمة عن سوء التغذية، فهي أصعب علاجاً بكثير.
ويمكن في مرحلة أكثر تقدماً بكثير، أن يتاح استخدام المخَبريين، إذا ما توفرت مشاف جيدة، بغية القيام بعمل أكثر كمالاً. ينبغي استدعاء قطاعات الاختصاص كافة عند الحاجة إليها، وكثيراً ما تُلبى هذه الدعوة. ويجب استدعاء أطباء الأسنان، ويوضح لهم أن عليهم الالتحاق مزودين بأجهزة ميدان بسيطة.


 
 
 
5 – التخريب
التخريب سلاح لا يُقَّدر ثمنه لدى الشعوب التي تخوض حرب الغوار. يتعلق تنظيمه مباشرة بالمنظمة المدنية السرية، إذ أن التخريبات لا تتم إلاَّ خارج المناطق التي يشرف عليها الجيش الثوري. غير أنه ينبغي وضع هذه المنظمة مباشرة تحت إمرة أركان حرب الغوار، وهي المخوَّلة تحديد الصناعات والمواصلات والأهداف التي يفضل إصابتها.
لا يمت التخريب بصلة إلى الإرهاب. فالإرهاب والاغتيال الفردي طرق تختلف عن التخريب اختلافاً مطلقاً. نحن على يقين صادق من أن الإرهاب سلاح سلبي لا يعطي الآثار المرغوبة أبداً وإطلاقاً. ويمكن أن يبعد الشعب عن حركة ثورية، في حين يتسبب لدى ممارسيه بخسائر بشرية لا تتناسب مع النتائج الحاصلة. غير أنه يمكن اللجوء، بالمقابل، إلى اغتيالات فردية، ولكن في بضع حالات خاصة جداً، مثلاً لإزالة أحد رؤساء القمع. ولكنه لا يجوز في أية حال استخدام عتاد بشري متخصص لإزالة قاتل صغير يمكن أن يتسبب موته في القضاء على كل العناصر الثوريين الذين اشتركوا في مقتله، بالإضافة إلى ضحايا الانتقام اللاحق.
ثمة نمطان ضروريان من التخريب: التخريب على النطاق الوطني، ضد أهداف معينة، والتخريب على مقربة من خطوط القتال. يجب أن يستهدف التخريب على النطاق الوطني بصورة أساسية تدمير المواصلات. يمكن تدمير كل نوع من المواصلات بطريقة مختلفة، بيد أنها عرضة للإصابة كلها. يسهل تدمير أعمدة البرق والهاتف بنشرها حتى ما قبل آخرها، بحيث أنها تظهر ليلاً بمظهر سليم، ثم يسقط أحدها فجأة، فيجرّ سائرها في سقوطه، مسبباً تعطيلاً واسعاً.
كما يمكن تخريب الجسور بنسفها بالديناميت. وإذا لم يتوفر الديناميت، يمكن تدمير الجسور الحديدية بحِمْلاج اكسجيني ايدروجيني. يجب قطع الجائز الرئيسي والجائز الأعلى اللذين يحملان الجسر الحديدي. ومتى تمَّ قطع هذين الجائزين بالحملاج، يعمل مثل ذلك من الطرف الآخر أيضاً. هكذا ينقلب الجسر على جنبه، فيلتوي ثم يهوي. إنها أنجع وسيلة لتدمير جسر فلزي بلا ديناميت. يجب تدمير السكك الحديدية والطرقات أيضاً، وكذلك الكهاريز. ويمكن أحياناً بث الألغام في القطارات. يتعلق ذلك دائماً بقوة الغوارة.
كذلك يسمح عتاد ملائم بتدمير الصناعات الحيوية في كل منطقة عندما تأزف الساعة. ينبغي أن تؤلف مسألة التخريب موضوع خطة شاملة، فلا يجوز تدمير مجال عمل إلاَّ في اللحظة الحاسمة، لأن تدميراً كهذا يستتبع نزوحاً جماهيرياً بين العمال ويؤدي للمجاعة. يجب القضاء على الصناعات التي تخص شخصيات العهد، وبذل الجهد لإقناع العمال بضرورة ذلك، إلاّ إذا أدى القضاء عليها إلى عواقب اجتماعية فائقة الخطورة.
إننا نلح على أهمية تخريب طرق المواصلات. إن المواصلة السريعة هي السلاح الأكبر لدى جيش العدو ضد الثائرين، في الأرض غير الوعرة. لذا يتوجب علينا أن نحاول تدمير هذا السلاح باستمرار بنسف جسور السكك الحديدية والكهاريز والأعمدة الكهربائية والهواتف وحتى أنابيب المياه، وبكلمة، تدمير كل ما لا يستغنى عنه في الحياة الحديثة.
التخريب ضروري أيضاً قرب خطوط القتال، على النحو ذاته، لكن بإقدام وتفان وتواتر أعظم بكثير. يمكن التعويل في هذه الحالة على عون فائق القيمة، هو الذي تقدمه الدوريات الجوَّالة التابعة للغوارة، والتي يمكنها هبوط المناطق المعنية ومساعدة أعضاء المنظمة المدنية في أداء مهمتهم. وهنا أيضاً يستهدف التخريب المواصلات قبل كل شيء. ينبغي تصفية كافة المعامل ومراكز الإنتاج القمينة بتزويد العدو بما يلزمه لمتابعة هجومه على القوى الشعبية.
يجب الاستيلاء على مخزونات العدو، وقَطْع تموينه، وإذا لزم الأمر، يجب إخافة مُلاَّك الأراضي الذين يودون بيعه منتجات زراعتهم وحيواناتهم، وإحراق السيارات التي تتجول على الطرق واستخدامها لسد الطرق. ولدى كل عمل تخريبي، وفي نقاط معينة، على بعد كبير أو صغير من موضع إجراء العمل، يجب إحداث مناوشات متكررة مع العدو، باستخدام طريقة الضرب والهروب على الدوام. لا ضرورة لإبداء مقاومة كبيرة. يكفي مجرد إراءة العدو أنه حيثما يحصل تخريب، ثمة قوى غوارية على أهبة القتال، لإجباره بذلك على ألاَّ يتنقل إلاَّ متألباً محترزاً.
وهكذا يتم إنزال الشلل شيئاً فشيئاً بكل المدن القريبة من مناطق نشاط الغوار.


 
 
 
6 – الصناعة الحربية
إن الصناعة الحربية، في منظور حرب الغوار، هي نتاج تطور طويل نوعاً ما، وهي تثبت أن الغوار قائم في وضع جغرافي مؤات. لقد قلنا سابقاً إنه عندما تكون ثمة مناطق محررة ويكون العدو قد بسط حصاراً شاملاً على التموين، ينبغي تنظيم صناعات مختلفة لا غنى عنها. ومن بين هذه الصناعات، ثمة اثنتان أساسيتان هما الحِذاوة[58] والسِراجة: لا تستطيع فرقة أن تسير بلا أحذية، في المناطق الشَجِرة الوعرة، المفروشة حجارة وشوكاً. يصعب جداً أن يتنقل المرء في هذه الظروف، ولا يطيق ذلك إلاَّ أبناء المحلة، وليس جميعهم. أما الآخرون، فيجب أن ينتعلوا. تنقسم هذه الصناعة إلى فرعين: صناعة الأحذية الجديدة، وتسكيف وإصلاح الأحذية المعطوبة. يستلزم إنشاء هذه الصناعة الحرفية تجهيزاً كاملاً لشغل الجلود. وتلحق بها السِراجة لصنع كل اللوازم الشائعة كجعب الفشك وحقائب الظهر، ويمكن صنعها من الكتان أو الجلد، وهي وإن كانت غير أساسية، إنما تساعد على راحة الفرقة وتعطيها انطباع الاكتفاء الذاتي.
إن السِلاحة[59] هي صناعة أساسية أخرى. ووظائفها متباينة، من مجرد إصلاح القطع المعطوبة لكافة البنادق والأسلحة الأخرى، إلى صناعة بعض أنماط أسلحة القتال التي يبدعها روح الاختراع الشعبي، إلى صنع الألغام ذات الآليات المختلفة. وإذا ما أتاحت الظروف، تستكمل بورشة مكلفة بصناعة الباردو. فإذا أمكن صنع المتفجر ذاته في المنطقة المحررة، إضافة إلى الصاعق، أمكن التوصل إلى منجزات عظيمة في هذا الصدد ذي الأهمية البالغة، إذ أن استخداماً حكيماً للألغام يسمح بشل الطرقات شلاً كاملاً.
هناك صف آخر من الصناعات الهامة، هي الحِدادة والصِفاحة. يجري في الحدادة إنعال البغال، كما يمكن أن تصنع فيها النعال ذاتها. أما في صناعة الحاجات من الصفيح، فتجري أعمال صنع الأطباق، وخاصة الصفائح. ويمكن أن يلحق بها قسم للسِباكة. فإذا تم صهر الفلزَّات الطرية، أمكن إنشاء معمل لرمَّانات اليد، يسهم بشكل رئيسي في تسليح الفرقة. كما ينبغي وجود ورشة مِهانية مختصة بالإصلاحات والإنشاءات عامة، تتولى وظائف مختلفة ومحددة تماماً، وهي ما تسمى في الثكنات "بطارية الخدمة"، غير أنها تكون هنا خالصة من روح المداونة[60]، ومكلفة بتلبية كل الحاجات على نحو فعلي.
كما ينبغي وجود مسؤول عن المواصلات. لا يكون مسؤولاً فقط عن الدعاية اللاسلكية الموجهة إلى الخارج، بل مسؤولاً أيضاً عن الهواتف والطرقات، وينبغي أن يعمل مترابطاً مع المنظمة المدنية. لا ننسَ أننا محتربون، ويمكن أن يقع علينا هجوم، وأنه كثيراً ما يتوقف حفظ أرواح كثيرة على مخابرة أُرْسِلَت في حينها.
ويَحْسُن، مرضاة للفرقة، أن توجد صناعة للسيكار أو للفائف. تُبْتَاع لهذه الغاية أوراق التبغ وتنقل إلى المنطقة المحررة حيث تحول إلى مادة صالحة للاستهلاك. الدِباغة صناعة أخرى عظيمة الشأن. هذه الصناعات كلها منشآت بسيطة يمكن تحقيقها تماماً في أي مكان مع التكيف بظروف الغوار. تستلزم الدباغة بعض الأبنية الإسمنتية الصغيرة، وهي تتطلب خاصة، كثيراً من الملح. غير أنها تسمح لصناعة الأحذية أن تتوفر لها مادتها الأولية محلياً وفي ذلك الأمر إفادة عظيمة. يجب استحضار الملح محلياً وتركيز كميات كبيرة منه، ويجب بلوغ أمكنة فيها تركيز ملحي كبير لهذه الغاية، وجعل الماء يستبخر. البحر هو بوضوح خير مصدر للملح، لكن ثمة مصادر أخرى. ولا حاجة لتخليص الملح من كل الأملاح المرافقة له، فيمكن استهلاكه على حاله، وإن كان طعمه ليس سائغاً جداً لدى الوهلة الأولى.
يجب حفظ اللحم مملحاً، وهذا ما يُسهَّل عمله ويُمكَِّن من إنقاذ أرواح كثيرة في حالات الشدة القصوى. يُمكن حفظ اللحم مدة طويلة نوعاً ما في براميل تُملأ ملحاً، ويُمكن استعماله على هذا الشكل مهما كانت الظروف.


 
 
 
7 – الدعاية
يجب القيام ببث الأفكار الثورية بالوسائل الملائمة وعلى أعمق نحو ممكن ويتطلب ذلك إسهام فريق كامل من المتعاملين، وإسهام منظمة تعضدهم.
وينبغي أن تتألف هذه المنظمة من قسمين متكاملين، يغطيان نطاق الوطن كله. يجب أن تتم الدعاية من الخارج، أي ضمن المنظمة المدنية الوطنية، ومن الداخل، أي في وسط الغوار. ويجب ألاَّ توجد سوى هيئة إدارية واحدة لهما، بغية تنسيق هذين العملين الدعائيين المتلازمين تلازماً وثيقاً.
يجب أن تتم الدعاية في النطاق الوطني الصادرة عن المنظمات المدنية الموجودة خارج الأرض المحررة، عن طريق الصحف والنشرات والإعلانات. تُعنى أهم الصحف بمسائل البلد العامة، وتخبر الجمهور بوضع قوى الغوار المضبوط، ولا تغفل لحظة المبدأ الأساسي القائل إن الحقيقة، في المدى البعيد، لا بد أن تؤتي الخير للشعوب. وإلى جانب هذه المنشورات ذات الطابع العام، توجه منشورات سواها، أكثر تخصصاً، إلى قطاعات السكان المختلفة. فعلى المنشورات الموجهة للفلاحين أن تحمل إلى هذه الطبقة رسالة رفاقهم في الأرض المحررة، الذين لمسوا آثار الثورة المنعشة، فتنطق على هذا النحو بأماني الفلاحين. وتتميز الجريدة العمالية بذات الطابع، ولكنها قد لا تتضمن دائماً رسالة المقاتلين من هذه الطبقة، إذ يحتمل ألاَّ توجد قبل المرحلة الأخيرة، منظمات عمالية في نطاق حرب الغوار.
يجب إيضاح الشعارات الكبرى للحركة الثورية مثل شعار الإضراب العام في الوقت المناسب، وشعار مساعدة القوى الثائرة، وشعار وحدة الصف... إلخ. ويمكن أن تشرح صحف كفاحية أخرى مثلاً مهمة سائر العناصر في البلد الذين لا يقاتلون في الغوار، ولكنهم يعنون بشتى أعمال التخريب والغيلة. ويمكن في داخل المنظمة، إصدار صحف موجهة إلى جنود العدو، تشرح لهم وقائع يجهلونها. هذا وتكون النشرات والإعلانات المتعلقة بحياة الحركة مفيدة جداً.
إن أنجع دعاية هي التي تعود إلى داخل منطقة الغوار، إذ تطال سكان المنطقة وتشرح لهم نظرية الانتفاض التي لا يعرفون منها غير وجهها العملي. ويتضمن هذا القسم، إلى جانب الإذاعة اللاسلكية، الصحيفة المركزية الناطقة باسم قوى الغوار كافة، كما يتضمن صحفاً فلاحية، ومنشورات وإعلانات.
تشرح الإذاعة اللاسلكية كافة المسائل، ومنها مسائل درء الهجمات الجوية، ومكان وجود قوى العدو، وتذكر الأسماء المألوفة. وتوزع الدعاية ذات النطاق الوطني صحفٌ مماثلة تصف الوقائع والمعارك التي تثير اهتماماً عميقاً لدى القارىء، تضاف إليها معلومات أكثر جدِّية ودقة بكثير. أما الإعلام الدولي، فينحصر أو يكاد في التعليق على الوقائع المتصلة مباشرة بنضال التحرر.
الدعاية الشفهية، باللاسلكي، تفوق كل شيء، فهي الدعاية الأكثر فعالية، التي تؤتي تأثيرها بأعظم قسط من الحرية في أرض الوطن قاطبة، وتطال عقل الشعب ومشاعره. إن للاسلكي أهمية حاسمة. ففي الوقت الذي يتلظى به سكان منطقة أو بلد على درجات مختلفة بحمَّى القتال، تأتي قوة الكلمة فتزيد الحمى ضراماً وتفرضها على المقاتلين الأعتاد جميعاً. إنها تشرح، وتعلِّم، وتحرِّض، وتحدد لدى الأصدقاء والأعداء مواقفهم المقبلة. ولكن الإذاعة ينبغي أن تخضع إلى المبدأ الأساسي في الدعاية الشعبية وهو الحقيقة. إن حقيقة صغيرة، ولو كان تأثيرها ضئيلاً، هي خير من أكذوبة كبيرة يكسوها ثوب دليص[61]. يجب أن تقدم الإذاعة على الأخص معلومات حية عن المعارك والاشتباكات من كل نوع، وعن الاغتيالات التي يرتكبها القمع. كما ينبغي إعطاء السكان المدنيين توجيهات فكرية، وتعاليم عملية، ومن وقت لآخر خطابات لقادة الثورة.
نعتقد أنه مفيدة أن تحمل الصحيفة المركزية للحركة اسماً يرمز إلى العظمة ووحدة الصف، كاسم أحد أبطال البلد مثلاً. كما ينبغي أن تشرح دائماً في مقالات رئيسية أهداف الحركة المسلحة وأن تجعل الناس يدركون القضايا الوطنية الكبرى، في حين تبقى فيها طائفة من الأركان التي تحظى من القارىء باهتمام مباشر أكبر.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


 
 
 
8 – الإخبار والاستخبار
"إعرف نفسك واعرف خصمك، تستطيع هكذا أن تخوض مئة معركة بلا هزيمة واحدة". تعادل هذه الحكمة الصينية بالنسبة للغوار، قيمة مزمور من التوارة. ليس للقوى المقاتلة من عون أثمن من الإخبار الصحيح. سوف يكون هذا الإخبار عفوياً، إذ يأتي سكان المنطقة إلى الجيش الصديق وإلى حلفائه، يروون لهم كل ما يحدث في كل مكان. غير أن هذا الإخبار يجب أن يكون منظماً تنظيماً كاملاً. ومثلما لا يستغنى عن البُرُد[62] والرسلاء داخل منطقة الغوار وخارجها لإقامة الاتصالات الضرورية ونقل البضائع، كذلك ينبغي أن تكون دائرة الاستخبار على تماس مباشر بجبهة العدو. ويجب أن يتسلل الرجال والنساء إلى هذه الجبهة، ولا سيما النساء، لكي يكونوا على تماس دائم بالجنود ويتحققوا من كل ما يمكن. كما ينبغي إقامة منهج من التعاون مع رجال العدو لكي يتم اجتياز الخطوط بلا صدام.
فإذا ما تم تحقيق ذلك، وتوفر العملاء الأكفَّاء، أمكن أن ينام معسكر الثوار أنعم بالاً.
كما قلتها آنفاً، سوف يكون الهدف الأساسي لمصلحة الاستخبار هو خط النار الأول بأجمعه، أو أولى معسكرات العدو المتاخمة للأرض السائبة. ويجب أن تتقدم هذه المصلحة بقدر ما يتقدم الغوار، وسوف يزداد دورها حتى يشمل توقع تحركات الوحدات الأوسع نطاقاً التي يمكن أن تحدث حتى في مؤخرة العدو. وحيثما تُشرف الغوارة أو تُغير، يكون السكان كافة عملاء إخبارها. غير أنه يَحْسُن توفر أُناس يختصون بمهمة الاستخبار، إذ لا يمكن الوثوق بكلام الفلاح الذي اعتاد أن يضخم كل شيء ولم يألف دقة اللغة العسكرية. وإذا تم الوصول إلى تخليق وتنظيم الأشكال العفوية التي يتخذها التعاون الشعبي، أمكن عندها جعل جهاز الاستخبار ليس أهم عون لنا وحسب، وهو شأنه أصلاً، بل عاملاً لهجومنا المعاكس أيضاً، بفضل "باذرات الرعب" مثلاً. فتستطيع أولئك النسوة أن تنشرن بين الجند معلومات تحطم معنوياتهم، وهنَّ، إذ يتظاهرن بالتواطؤ معهم، إنما يبذرن الرعب والقلق بين جنود العدو. ويمكن تنمية الجؤول، وهو مبدأنا الأساسي، إلى الحد الأقصى، فإذا ما عرفت المواضع التي يتأهب جيش العدو ليهاجم منها، يكون في غاية السهولة اجتنابها ومهاجمته بالمقابل من أبعد المواضع توقعاً لديه.


 
 
 
9 – التدريب والتثقيف السياسي
إن خير تدريب لجندي التحرر هو حياة الغوار ذاتها، والقائد الذي لم يتعلم مهنته الصعبة في ممارسة الحرب يومياً ليس قائداً حقيقياً. يمكن أن تقوم جماعة من الرفاق بتدريب هذا الجندي، فيعلمونه شيئاً من استعمال السلاح، ويلقنونه بعض مبادىء التوجيه، ويعلمونه كيف يسلك مع السكان المدنيين، وكيف يقاتل.. إلخ. غير أنه لا يجوز تبذير وقت الغوار الثمين في إعطاء تعليم منهجي. ولا يمكن عمل ذلك إلاَّ إذا توفرت منطقة محررة واسعة وإذا كانت هناك حاجة لزيادة عدد المقاتلين زيادة كبيرة. يمكن عندئذ تأسيس مدارس للمجندين الأغرار.
تؤدي هذه المدارس دوراً هاماً. إنها تخلق الجندي الجديد، الذي لما يجتز بعد حرمانات حياة القتال القاسية التي تعركه. إن معاناة الحرمانات تصطفي المرء اصطفاء حقيقياً، بعد أن تجتاز المحن العسيرة التي تسمح له بأن ينخرط في هذا الجيش الهائم الذي لا يخلِّف لمروره أثراً في أي مكان. وتكون التدريبات البدنية في مدارس المجندين على نوعين: من جهة، رياضة التليين مع تمارين المغاوير، والخفة في الهجوم والانسحاب، ومن جهة أخرى، مسيرات شاقة جداً، وحتى مضنية، تخشَِّن المجند. يجب أن يُحمل على الحياة في العراء، واحتمال الأنواء، والحياة على صلة وثيقة بالطبيعة، كما في حياة الغوار.
يجب أن تؤمَّن مدرسة المجندين تموينها بذاتها، فتكون لها حظائر ماشيتها، ومزارعها، وبساتينها، وملابنها، وكل ما تحتاجه، لكي لا تثقل ميزانية الغوارة. ويمكن أن يتناوب الطلاب أعمال السخرة. ويمكن أن يعهد بها إلى أردأ الطلاب، على سبيل العقوبة، أو إلى من يتطوع لها.
يتعلق كل ذلك بمميزات المنطقة التي تنشأ فيها المدرسة. نعتقد أنه مبدأ جيد أن يعهد بأعمال السخرة لمن يتطوع لها، وأن يُستكمَل عددهم، إذا لزم الأمر، بمن يكون سلوكهم أكثر مدعاة للأسف، أو بمن يكونون أقل استعداداً للتدريب على الحرب.
يجب أن يكون للمدرسة منظمتها الصحية الخاصة، وفيها حسب الإمكان، طبيب أو ممرض، يراقب المجندين عن كثب قدر الإمكان.
تشكل الرماية، جُلَّ التدريب. يجب أن يكون المغاور في هذا المضمار، رجلاً عظيم الدربة، إذ ينبغي استخدام أقل ما يمكن من الذخيرة. يبدأ التدريب بما يسمى الرمي على الدريئة، ويتم بأن تثبت البندقية بقوة على هيكل ما. ويسدد الأغرار، دون تحريك البندقية، هدفاً على صحيفة مُقوَّى متحركة تنتقل أمام خلفية ثابتة. فإذا أصابت الطلقات الثلاث نقطة واحدة كان الرامي ممتازاً. تكون البندقية 22 – إن توفرت – سلاح هذه الرمايات الأولى. وفي الظروف الخاصة - مثل توفر فائض من الذخيرة، أو ضرورة إجراء تدريب معجل للجنود – يتم التدريب برصاص حقيقي.
الغارات الجوية هي من أهم امتحانات مدرسة التدريب. كان طيران العدو قد تعرف تماماً إلى مدرستنا، وكان العدو يركز هجماته مرة أو اثنتين كل يوم على المعسكر. وكان تصنيف هؤلاء الفتيان عملياً كمقاتلين عتيدين يتم وفقاً للنحو الذي يقاوم به كل طالب صدمات هذا القصف المستمر.
لا يجوز أبداً أن تُهمل مدرسة المجندين التثقيف السياسي. لأن أولئك الرجال يتطوعون دون أن يكون لهم مفهوم واضح عن الأسباب التي تدفعهم. إنهم يفتقرون إلى الأسس، ويصلون إلينا بمفاهيم مشوشة جداً عن الحرية، وحرية الصحافة.. إلخ. يجب السير بهذا التثقيف إلى أبعد حد وبأعظم عناية ممكنة. ويشتمل على مفاهيم ابتدائية عن تاريخ البلد، مع إعطاء تفسيرات واضحة جداً للوقائع الاقتصادية، تلك الوقائع التي هي منطلق كل حادثة تاريخية. ويتضمن الحديث عن أبطال الوطن، وعن إرتكاساتهم[63] أمام أشكال الظلم المعينة التي كافحوها، ثم ينفتح التثقيف على تحليل الوضع الوطني أو وضع المنطقة. ويُعطى لكل أعضاء الجيش وجيز[64] مبسط يدرسونه دراسة دقيقة ويفيدهم نهجاً للمستقبل.
وبالإضافة إلى ذلك يكون للمدرَّبين مدرسة إتقان خاصة بهم، يشتركون فيها باختيار النصوص، وينسقون إسهامات كل منهم في أمور التثقيف.
يجب تشجيع المطالعة باستمرار مع محاولة اختيار كتب لا مضاعة للوقت فيها، في حين أنها تمكَِّن المجند من ولوج أبواب الثقافة والمسائل الوطنية الكبرى. قد يرغب المجند على طبيعته في مزيد من المطالعة، أو قد يدفعه وضع بيئته إلى ذلك بايقاظ وعيه إلى مسائل جديدة. وسوف تنشأ هذه الحالة الذهنية من جراء العمل، شيئاً فشيئاً، وبقدر ما تثبت مدارس المجندين تفوق طلابها على الجنود العاديين، سواء في مضمار تحليل الأوضاع، أو في مضمار الضبَاطة.
يجب أن تكون الضباطة معللة دوماً. فعندما لا تكون آلية، تعطي ساعة القتال نتائج مدهشة.


 
 
 
10 – بناء جيش حركة تحررية
ينبغي للجيش الثوري الذي يمارس حرب الغوار، أن يعول كذلك حسبما أشرنا، ومهما كانت منطقة العمليات، على منظمة غير مقاتلة يكون إسنادها له أمراً رئيسياً. وتدور هذه المنظمة كلياً حول الجيش ودعمه، إذ أن النضال المسلح هو طبعاً العامل الجوهري في الظفر.
يستند التنظيم العسكري على آمر، وفي حالة التجربة الكوبية، على قائد أعلى يُعيِّن آمري المناطق المختلفين، الذين لهم سلطة تامة لحكم مناطقهم وتعيين آمري الأرتال وسائر الرتب الأدنى منهم. يمكن أن يوجد دون القائد الأعلى آمرو مناطق يقع تحت إمرتهم آمرو الأرتال الذين يتفاوت دورهم حسب الظروف. ويقع دون آمري الأرتال، النقباء، وفي تنظيمنا الغواري، يقع دون النقباء الملازمون وهم أدنى الرتب. وبعبارة أخرى، يرقى المرء من جندي إلى رتبة ملازم.
ليس هذا نمطاً يحتذى، ولكنه وصف حقيقة، إنه الطريقة التي استخدِمت في بلد سمح فيه هذا التنظيم بالتغلب على جيش لا بأس بتنظيمه وتجهيزه. وليس هذا مثالاً مطلقاً بأية حال، ولا سيما في هذا الصدد. إنما يقصد فقط إلى تبيان كيف تتسلسل الوقائع، وكيف يمكن تنظيم قوة مسلحة. أما الرتب فليس لها من أهمية في نهاية التحليل. المهم هو أن لا تمنح رتبة لا تتفق مع واقع، أو تخالف الأخلاق والعدالة، أو لا تمر خلال غربال النضال والفداء.
ينطبق الوصف الذي قدمناه على جيش ذي قوة، قادر على مواجهة معارك جدية، وليس صورة غوَّارة بدائية يستطيع قائدها أن يحمل الرتبة التي تعجبه ولكنه لا يأمر في الواقع إلاَّ جماعة صغيرة من الرجال.
العقوبة الضبَاطية هي من أهم تدابير التنظيم العسكري. يجب أن تكون الضبَاطة أحد أسس الغوار وينبغي التذكير بذلك دائماً. يجب أن تكون الضباطة قوة ناشئة عن قناعة داخلية ومعقولة، تزوَّد الفرد هكذا بضباطة داخلية. وعندما تنقطع هذه الضباطة، يجب إنزال العقوبة بالمرتكب بصرامة، مهما كانت رتبته، بتطبيق عقوبة تحدث أثراً بليغاً.
ملاحظة هامة: لا يتحسس المغاور بذات العقوبات التي تؤثر في جندي الثكنة. إن عشرة أيام في السجن مثلاً هي عقوبة للجندي ولكنها تؤلف راحة استثنائية لأحد المغاوير. إنها عشرة أيام دون سير، دون عمل، دون نوبات الحراسة المعتادة، يستطيع فيها أن يأكل وينام ملء جفونه، ويطالع ويستريح. يفهم من ذلك تماماً أن حرمان الحرية ليس عقوبة منصوحة في الغوار.
عندما تكون أخلاق المرء الثورية عالية، وشعوره بكرامته عميقاً، ثمة حالات يمكن فيها لحرمانه من حق حمل السلاح أن يسبب ارتكاساً إيجابياً يكون بمثابة عقوبة حقيقية. يكون تطبيقه إذ ذاك مناسباً.
حدث إبان الهجوم على مدينة من مقاطعة لاس فيلاس، في أواخر أيام الحرب، أن ألفينا رجلاً قد أغفى على أريكة أثناء الهجوم على مواضع في وسط المدينة. ولدى الاستجواب، أفاد أنه قد نام لأن سلاحه قد نزع منه. فقلنا له إن هذا ليس سلوكاً صحيحاً إزاء الموقف. كان قد عوقب لعدم احترازه إذ ترك طلقة تخرج عفواً، وكان عليه أن يستعيد سلاحه، لكن ليس عن طريق النوم، بل بوجوده في الخطوط الأمامية.
مرت بضعة أيام، وإبان الهجوم النهائي على مدينة سانتا كلارا، عندما كنا نزور مركز نقل الدم، مدَّ محتضر يده إلينا وذكرنا بالحادث وأردف إنه قد استرد حق حمل السلاح. وقد مات بعد قليل.
لقد حملت ممارسة النضال المسلح المستمرة قواتنا إلى هذه المرتبة من الأخلاق الثورية، بَيْدَ أنه لا يمكن إدراك هذه المرتبة منذ البدء، عندما لا يزال هناك كثير من الخوف، كثير من التيارات الذاتية، تكبح تأثير الثورة. إنما تدرك هذه المرتبة بالعمل والمثال.
يمكن لنوبات الحراسة الليلية الطويلة والمسيرات المضنية أن تشكل عقوبات أيضاً، ولكن المسيرات ليست عملية لأنها لا تفيد إلاَّ معاقبة الفرد وإعياءه في آن مع المكلفين بحراسته. أما نوبات الحراسة الليلية فمحذورها أنها تستلزم وجود جنود لمراقبة المعاقَبين الذين تكون أخلاقهم الثورية ضعيفة.
كنت قد أحدثت، في القوى الموضوعية تحت إمرتي المباشرة، من أجل الجنح الطفيفة، عقوبة التوقيف مع الحرمان من السكاكر والتبغ، ومن أجل الحالات البالغة، الصوم التام. وكانت النتائج ممتازة، رغم هول العقوبة. فلا ينبغي تطبيق هذه العقوبة إلاَّ في حالات استثنائية حقاً.

Aucun commentaire:

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2020 Vis a Vis
تصميم : هاشم سحبي